صدمة مؤجلة “ماذا لو لم تكن الحور العين إناثًا؟!”

بقلم الكاتب أ /محمد نجيب نبهان


أيها الرجال، قبل أن نناقش أي تفصيل، دعونا نتفق على مبدأٍ لا خلاف عليه بين مؤمنين: نحن لم نرَ الجنة، ولم نختبر مادة الآخرة، ولم نُمنح جهاز إدراكٍ يسمح لنا بتخيل طبيعتها. ومع ذلك، يتحدث كثيرون عن تفاصيلها بثقةٍ تُوحي وكأنهم عاينوا، لا وكأنهم استنبطوا. هذه المفارقة وحدها تستحق التوقف. فمن أين جاءت تلك الصور الدقيقة عن الأجساد، واللذات، والعلاقات؟ هل هي نصوصٌ قطعية، أم بناءٌ تخييلي تراكم عبر الثقافة والوعظ والذاكرة الجمعية؟

القرآن، بوصفه النص الأعلى، يبدأ بضرب أساسٍ معرفي يهدم أي ادعاءٍ بالتصوير الحسي الكامل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. هذه ليست عبارةً إنشائية، بل تقريرٌ حاسم لحدود المعرفة البشرية. ما هناك مخفي، لا بمعنى الغموض المؤقت، بل بمعنى الاستحالة الإدراكية قياسًا على أدواتنا الحالية. إن العقل الذي يصرّ بعد ذلك على تخيّل الجنة وفق قوانين البيولوجيا الأرضية يتجاوز التحذير القرآني نفسه.

المشكلة الجوهرية أن الإنسان لا يستطيع التفكير خارج مخزونه الحسي بسهولة. نحن نفهم اللذة عبر جهازٍ عصبي، ونفهم الجسد عبر تجربةٍ مادية، ونفهم الذكورة والأنوثة عبر بنيةٍ تكاثرية. لذلك، حين يسمع العقل لفظ “نعيم”، يستدعي فورًا نماذج الدنيا. هذا رد فعلٍ طبيعي، لكنه يصبح خطأً حين يتحول من تقريبٍ ذهني إلى يقينٍ عقدي.

خذ مثلًا لفظ الحور. الاستعمال الشائع يفترض مباشرة أن الحديث عن إناثٍ بالمعنى البيولوجي المألوف، لكن اللفظ العربي في أصله توصيف جمالي بصري، لا تقرير جنسٍ تشريحي. الحَوَر يدل على شدة بياض العين مع شدة سوادها، وهو وصف جمالٍ خالص. النص القرآني لا يدخل في تفصيلاتٍ تشريحية كما يفعل الخيال الشعبي، بل يكتفي بإشاراتٍ إجمالية. لماذا؟ لأن وظيفة النص ليست رسم صورٍ حسية دقيقة، بل الإشارة إلى كمال النعيم بما يفهمه البشر دون إلزامٍ بالمطابقة المادية.

هنا تظهر فجوةٌ خطيرة بين النص والتلقي. النص يستخدم لغةً بشرية لأن المخاطَب بشر، لكن البشر يتوهمون أن اللغة تعني التطابق الكامل. الفرق بين الدلالة والمماثلة يكاد يختفي في الوعي العام. حين يُذكر “ماء” في الجنة، لا يعني ذلك ماءً بالتركيب الكيميائي ذاته الذي نعرفه. وحين تُذكر “لذة”، لا يلزم أن تكون لذةً تمر عبر الآليات العصبية نفسها. الاشتراك في الاسم لا يفرض اشتراكًا في الحقيقة.

بل إن القرآن نفسه ينسف فرضية الاستنساخ حين يقول: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. النشأة الأخرى تعني نظامًا آخر للوجود، لا تحسينًا طفيفًا لنظام الدنيا. إن أعظم خطأٍ تصوري يقع فيه الذهن هو تخيّل الآخرة كنسخةٍ مادية مطوَّرة من الحياة الأرضية.

والأكثر إرباكًا أن مفاهيم الذكورة والأنوثة التي نتعامل معها كحقائق أنطولوجية ثابتة هي — علميًا — بنية وظيفية مرتبطة بالتكاثر. الفروق التشريحية الكبرى بين الجنسين تدور حول استمرار النوع. فإذا كانت الجنة دار خلود بلا تناسل ولا موت، فهل تبقى الضرورة ذاتها؟ السؤال ليس إنكارًا، بل مساءلة منطقية. البنية تتبع الوظيفة، وهذه قاعدة بيولوجية أساسية.

لكن المأزق الحقيقي ليس علميًا بل نفسيٌّ ثقافي. الإنسان يميل إلى تخيّل الجنة بطريقةٍ تُرضي رغباته الأرضية. تتحول الوعود الأخروية في اللاوعي إلى امتدادٍ مُقدَّس للغرائز، لا إلى نظام وجودٍ مختلف. ومع الزمن، تترسخ الصور حتى تبدو وكأنها جزءٌ من العقيدة نفسها.

ثم يأتي سؤال العدالة، وهو السؤال الذي يُربك أي قراءةٍ دنيوية صِرفة للنعيم. الله يقرر قاعدةً لا تحتمل التأويل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. هذه ليست جملةً أخلاقية عامة، بل معيارًا حاكمًا لكل تصورٍ أخروي. إذا فُهِم النعيم الجنسي وفق نموذجٍ يمنح طرفًا امتيازًا بنيويًا دائمًا على حساب طرفٍ آخر، فكيف يُفهم ذلك في ضوء كمال العدل الإلهي؟ القرآن حين يعد بالثواب لا يفرّق في أصل النعيم بين المؤمنين والمؤمنات: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾.

إن أي تصورٍ يوحي بتفاوتٍ جوهري دائم في طبيعة الإشباع يحتاج إلى مراجعةٍ دقيقة، لأن الأصل العقدي هو انتفاء الظلم لا تجميله. العدالة الإلهية ليست تفصيلًا ثانويًا، بل حجر الأساس الذي يجب أن تُقاس عليه جميع التصورات.

وعند هذه النقطة تحديدًا يتضح أن الإشكال قد لا يكون في النصوص، بل في طريقة القراءة البشرية. نحن نحمل إلى الغيب جهازنا التصوري المحدود، ونملأ الفراغ بما نعرفه، ثم ندافع عن المملوء بوصفه يقينًا.

إن أخطر ما في الأمر أن الصور حين تترسخ تتحول إلى مسلمات غير قابلة للمساءلة، رغم أن النص نفسه لم يُلزم بها. يصبح التخيل عقيدة، والاعتياد دليلًا، والصدمة كفرًا ذهنيًا.

وربما هنا يبدأ السؤال الأكثر صدقًا: هل الجنة كما أخبر الله، أم كما ارتاحت إليه مخيلتنا؟

أيها الرجال، إذا كانت الدهشة قد بدأت من زعزعة الصور، فإن الاضطراب الحقيقي يبدأ حين نقترب من الألفاظ نفسها، من الكلمات التي اعتدنا التعامل معها وكأن معانيها ثابتةٌ لا تتحرك بين عالمٍ وآخر. المشكلة أن اللغة التي نصف بها الغيب هي لغةُ الدنيا، بينما الواقع المشار إليه ليس من جنس الواقع الذي نعرفه. ومن هنا تنشأ واحدةٌ من أعمق الإشكاليات الذهنية: الخلط بين ثبات اللفظ وثبات الحقيقة. اللفظ يبقى، أما الماهية فليست ملزمة بالبقاء.

خذوا مثلًا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً ۝ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾. هذه الآية تحديدًا تُستدعى عادةً كدليلٍ حاسم على صورةٍ بيولوجية محددة، لكن القراءة المتأنية تكشف أن النص نفسه يُربك هذا الفهم قبل أن يؤيده. الإنشاء الجديد يسبق وصف “أبكارًا”، أي أننا أمام خلقٍ آخر، نشأةٍ أخرى، وجودٍ لا يخضع بالضرورة لقوانين الأجساد الأرضية. فكيف يُنقل مفهومٌ تشريحيٌّ دنيوي بحرفيته إلى سياقٍ يبدأ أصلًا بنفي الاستمرار المادي؟

الجذر العربي (ب ك ر) لا يحمل حصرًا دلالةً جنسية كما يُتوهَّم في الاستعمال الحديث، بل تدور معانيه في فضاءٍ أوسع بكثير: الابتداء، الجِدَّة، النضارة، الحالة الأولى غير المستهلكة، الشيء الذي لم يمسّه تغير ولا استهلاك. العرب تقول “شيءٌ بكر” أي جديد لم يُسبق إليه، وتقول “بكَّر في الأمر” أي ابتدأه مبكرًا. الدلالة الجنسية ليست إلا استعمالًا جزئيًا داخل حقلٍ دلالي واسع.

حين يصف القرآن مخلوقاتٍ منشأةً في عالم الخلود بأنها “أبكار”، فليس في النص ما يُلزِم بالمعنى البيولوجي الأرضي الضيق. بل إن سياق الخلود نفسه يجعل هذا الحصر موضع تساؤل؛ لأن البكارة في المفهوم الطبي الحديث مرتبطة بوظيفةٍ تناسلية وبنيةٍ جسدية صُمِّمت لدار التكاثر. فإذا كانت الجنة دارًا بلا تناسل، فما ضرورة بقاء المفهوم بذات آليته؟ هل تبقى البنية حين تنتفي الوظيفة؟ أم أننا نسقط ما نعرفه على ما لا نعرفه؟

إن الإصرار على أن “البِكر” هناك هو ذات المفهوم التشريحي هنا يقوم على افتراضٍ غير مُصرَّح به: افتراض المطابقة الكاملة بين نظامي الوجود. لكن النصوص نفسها ترفض هذا الافتراض حين تؤكد أننا أمام نشأةٍ لا نعلم حقيقتها: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. عبارة قصيرة، لكنها تهدم صلاحية القياس المباشر.

في عالمٍ لا زمن فيه بمعناه البيولوجي، ولا تدهور خلايا، ولا استهلاك وظائف، يصبح معنى الجِدَّة الدائمة والنضارة المستمرة أقرب إلى طبيعة النعيم من معنىٍ مرتبط بحادثةٍ تشريحية. إن “الحداثة الأبدية” ليست فكرة شعرية، بل نتيجة منطقية لنفي الفناء. لا شيخوخة، لا اهتراء، لا تكرارٌ مستهلك للتجربة. كل لحظةٍ مكتملة بذاتها، غير خاضعة لقانون التناقص.

وهنا تتكشف مفارقةٌ دقيقة: نحن نفهم اللذة في الدنيا عبر آليات النقص. الجوع يولّد متعة الشبع، الحرمان يولّد نشوة الامتلاء، التوتر يولّد لذة الانفراج. أما الجنة فموصوفة بأنها دار كمالٍ بلا نقص. فكيف تُتصوَّر اللذة في غياب آليات النقص؟ هل يمكن أن تبقى التجربة كما نعرفها؟ أم أننا أمام نمطٍ إدراكي مختلف جذريًا؟

العقل البشري أسير جهازه العصبي. كل إحساسٍ بالمتعة مرتبط بتفاعلاتٍ كيميائية عصبية صُمِّمت لبنية الجسد الأرضي. لكن النصوص لا تُلزِم بأن البنية الإدراكية هناك مطابقة لهذه الآليات. بل إن افتراض المطابقة يصطدم بحقيقة الخلود نفسها. إن اللذة الأخروية ليست تحسينًا فيزيولوجيًا للذة الدنيوية، بل نمط وجودٍ آخر للإشباع.

وحين يُثار الاعتراض المعتاد: “لكن الألفاظ واضحة”، فالمشكلة هنا في كلمة “واضحة”. واضحة بالنسبة لأي إطار؟ للخبرة الأرضية؟ أم للماهية الأخروية؟ اللغة بطبيعتها تقرِّب المجهول بالمعلوم، لكنها لا تفرض التطابق. الاشتراك في الاسم لا يعني الاشتراك في الحقيقة، وهذه قاعدة عقلية قبل أن تكون كلامية.

ثم إن العدالة الإلهية، مرةً أخرى، تُعيد تشكيل النقاش من جذوره. الله ليس ظالمًا، لا في العقاب ولا في الثواب. إذا كانت الجنة دار الإشباع الكامل، فلا يُتصوَّر فيها حرمانٌ بنيوي ولا تمييزٌ جائر. كل نفسٍ تنال تمام رضاها. إن تصور النعيم بوصفه موردًا محدودًا يُوزَّع وفق منطقٍ تنافسي دنيوي يتناقض مع طبيعة الكمال الأخروي. لا غيرة، لا شعور بالنقص، لا مقارنة مؤلمة، لأن هذه كلها أعراض نقصٍ لا تليق بعالم الكمال.

إن أحد أعمق الأخطاء الذهنية أن الإنسان يتخيل الجنة بعقل الاقتصاد الأرضي: موارد، حصص، امتيازات، تفاوت. بينما النصوص تشير إلى وفرةٍ مطلقة تتجاوز منطق الندرة أصلًا. لا أحد يُزاحم أحدًا على لذة، ولا أحد يُحرم ليُنعَّم غيره. الكمال لا يقبل القسمة الصفرية.

وعند هذه النقطة تحديدًا، تبدأ الصدمة الفلسفية الحقيقية: ربما ليست المشكلة في ماهية الحور، ولا في معنى الأبكار، بل في افتراضنا أن مفاهيم الدنيا معيارٌ لقراءة الغيب. نحن نحمل إلى الآخرة جهازنا التصوري المحدود، ثم نستنكر أي قراءةٍ تُذكّرنا بحدود هذا الجهاز.

الحقيقة المقلقة أن كثيرًا من يقيننا حول التفاصيل ليس يقينًا نصيًا، بل يقينٌ تخييلي تشكّل عبر التكرار الثقافي. ومع الزمن، تماهت الصور مع العقائد حتى بدا التفريق بينهما مستحيلًا.

وربما هنا، عند هذه العتبة تحديدًا، يظهر السؤال الذي لا يحب الذهن سماعه: هل ما ندافع عنه حقائق غيبية، أم عادات تخيّلية منحناها قداسة؟

الغيب، بحكم تعريفه، ليس امتدادًا للخبرة، بل قطيعة معها. واللغة، مهما بلغت دقتها، تظل جسرًا تقريبيًا لا خريطةً مادية.

وهذه هي الصدمة التي يصعب استيعابها: قد نصل إلى هناك فنكتشف أن أكثر ما كان يقينيًا في أذهاننا لم يكن إلا صورةً دنيوية… وأن الحقيقة كانت أوسع بكثير مما سمحت به مخيلتنا.