بين الذنب والرحمة: دعوة صادقة للتوبة

بقلم الاستاذ الدكتور: نعيم شرف العميد السابق لكليةالدراسات الإسلاميةوالعربية بجامعة الأزهر

قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ صدق الله العظيم
شهر رمضان الكريم من أعظم مواسم التوبة والإنابة والمغفرة والرجوع إلى الله تعالى؛ حيث تُفْتَحُ فيه أبواب الجِنان، وتُغْلَقُ أبواب النيران، وتُصَفَّدُ الشياطين، وتُكَفَّرُ السيئات، قال رسول الله ﷺ: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) صدق رسول الله ﷺ.

ونحن في زمن الترف والبذخ، والظلم والطغيان، وارتكاب الآثام، والمنكرات، والغفلة عن ذكر الله، وكثرة الفتن، والتَّقصير في شكرِ نِعَم الله التي لا تعد ولا تحصى، والغلاء، وصعوبة الزواج، ومنتديات الترفيه، واتباع الهوى، والفُحْش الغزلي، وسهولة طرق الغِواية، وكثرة أبواب المغريات، ووفرة أنواع الشبهات، وتَوَقُّد ألوان الشهوات، وتيسير أسبابها وطرق الوصول إليها.. في غمرة كل هذه الظروف، وخضم ذلك الركام وجب علينا جميعا اغتنام شهر رمضان، شهر الصوم والإحسان، شهر الخير والبركات، شهر تكون القلوب فيه على ربها مقبلة؛ فالملاذ فيه آمن، وحماية التوبة فيه متوفرة بالاستزادة من الطاعات، وكافة العبادات، وسد أبواب المعاصي، ودوام الَّلهج بالدعاء، والاستغفار؛ فلا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ وقال رب العزة: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ صدق الله العظيم

والتَّوبة في مضمونها رُّجوعٌ إلى الله -جَلَّ في عُلاه- وذلك بتركِ المعاصي، والمنكرات، والصغائر، والكبائر، وكل ما يُعلَمُ من الذنوب، وللتوبة شُروط ثلاثة، الإقلاع عن المعصية، والندم على فِعلِها، والعزم على عدم العود إليها أبدا، والله عز وجل رغَّب في التوبة على هذه الشروط الثلاثة، ووعد بقَبولها، فقال عز من قائل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ صدق الله العظيم

فتعالوا بنا نتوب إلى الله جميعا، توبة يتحقق بها الذلُّ، والانكسار، والبكاء، والورع، والتقوى، ومراقبة الله تعالى، والخشية منه، والخضوعُ، والمحبَّةُ له جل في علاه.. هَلُمُّوا إلى التطهر من دنس المعصية، وأدرانها، ومن الغفلة، والغِلِّ، والحقد، والحسد، والكِبْر.. انهضوا إلى التوبة، وهَلُمُّوا إلى غافرِ الذنبِ وقابِلِ التوبِ؛ فقد قال النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: “إنَّ اللهَ تعالى يبسُط يدَه بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُط يدَه بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل حتى تطلعَ الشمسُ مِن مغرِبِها”، هَلُمُّوا إلى الله تعالى، وسارعوا قبل فوات الأوان، فهو جل وعلا: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ صدق الله العظيم

واعلموا أن من تاب إلى الله، توبةً صادقةً، نصوحًا، مستجمعا لشروطها، تاب الله عليه، وكفَّر سيئآته، ومحا ذنبه؛ قال جلَّ شأنه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ صدق الله العظيم.

فبادِروا أيُّها المذنبُون- وأنا أولكم- إلى التوبة، وذلك بالابتعاد عن أصدقاء السوء، وشركاء المعصية والآثام والشرور، والاجتهاد في البحث عما يعينكم على طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهذا هو الطريق المختصر، والسبيل الأقرب لمحو السيئات وتبديلها إلى حسنات، قال رب العزة: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقال جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ صدق الله العظيم.

وإن التائب من ذنبه يرجع كيوم ولدته أمُّه طاهرا، كريما، ناصعا، نقيّا؛ وهذا من كرم الله تعالى، وسعة رحمته، وكمال لطفه، ورحابة جوده؛ والله عز وجل يفرح بعبده إذا تاب إليه؛ قال تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ صدق الله العظيم.

فباب التوبة مفتوح على مصراعيه ما لم يغرغر المذنب؛ أي قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، فإذا حشرجت النفس، وغرغرت الروح، وعاين المرء ملائكة ربه قد أقبلوا إليه لقبض روحه، وصارت الغيبيات شهادة، فلا تقبل توبته بأمر من الله جل في عُلاه، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ صدق الله العظيم.

فحَرِيٌّ بنا، ونحن مقبلون على هذا الشهر الكريم أن نجتنب الخطايا، ونتخلص من المعاصي والآثام والموبقات، ونتوب إلى الله توبة صادقة خالصة بقلب خاشع لا رجوع بعدها للذنب، ففي التوبة النصوح فوز وفلاح، اللهم إنا نتضرع إليك طلبا للعفو والمغفرة، اللهم اغفر لي وللقارئين ذنبنا كُلَّهُ، دِقَّهُ وجُلَّهُ، وأوله وآخره، وعلانيته وسره، اللهم إنا نعوذ بك من شر ما صنعنا، ونبوء لك بنعمَّتك علينا ونبوء بذنبنا، فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ولك وحدك الحمد والمِنَّة.