موقف علماء الحنابلة من الوهابية


بقلم الدكتور: محمد عبدالحليم المعصراوى

يُعدُّ المذهبُ الحنبليُّ عبر تاريخه الطويل مدرسةً قائمةً على التمسك بالأثر والالتزام بمسالك السلف، غير أنَّ ظهور دعوة الشيخ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ في نجد أحدثَ انقساماً علمياً كبيراً داخل البيت الحنبلي. فبينما رآها أتباعُها تجديداً للعقيدة السلفية، وجد فيها فريقٌ واسعٌ من كبار فقهاء الحنابلة -لا سيما في نجد والأحساء والحجاز والشام- خروجاً على المقررات المذهبية، وافتئاتاً على أصول الاستنباط، وتوسعاً في التكفير لم تعهده المدرسة الحنبلية. وهذا النقد لم يكن نابعاً من خصومةٍ سياسية فحسب، بل كان نتاجاً لمحاكماتٍ علمية وفقهية، قادها علماءُ هم ركائز المذهب في أعصارهم، استندوا فيها إلى نصوص الإمام أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وقواعد أصحابه، مما يجعل دراسة هذا الموقف ضرورةً لفهم التدافع العلمي داخل المدرسة الحنبلية المتأخرة.

أولاً: الشيخُ عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ سُلَيْمَانَ التَّمِيمِيُّ (والدُ الشيخِ مُحَمَّد)

قالَ الشَّيخُ ابنُ حُمَيْدٍ مُفْتِي الحنابلةِ بمكَّةَ المُكرَّمةِ في ترجمته: “وهوَ والدُ مُحَمَّدٍ صاحبِ الدَّعوةِ التي انتشرَ شَرَارُها في الآفاقِ، لكن بينهما تَبايُنٌ، مع أنَّ مُحَمَّداً لم يَتَظاهَرْ بالدَّعوةِ إلَّا بعدَ موتِ والدهِ”. وأخبرني بعضُ مَن لقيْتُه عن بعضِ أهلِ العلمِ عمَّن عاصَرَ الشَّيخَ عَبْدَ الوَهَّابِ هذا: “إنَّه كان غَضْباناً على ولدهِ مُحَمَّدٍ؛ لكونِه لم يَرْضَ أن يشتغلَ بالفقهِ كآسلافِه وأهلِ جِهَتِه، وتَفَرَّسَ فيه أن يَحدثَ منه أمرٌ، فكان يقولُ للناس: ياما تَرَوْنَ من مُحَمَّدٍ من الشَّرِّ”.

وكذلكَ ابنُهُ سُلَيْمَانُ (أخو الشَّيخِ مُحَمَّدٍ) كان مُنافِياً له في دعوتِه، وردَّ عليه ردّاً جيّداً. (يُنظر: “السُّحبُ الوابلةُ على ضَرائحِ الحنابلةِ” للعلاَّمةِ ابنِ حُمَيْدٍ).

وقالَ العلاَّمةُ ابنُ دَاوُدَ عن هذا المَغْرورِ: “أوَّلُ ما تَبَيَّنَ منه مبادئُ الابتداعِ، أنكرَ عليه والدهُ، ودعا عليه، وغَضِبَ غَضباً شديداً. ومنها: “إنَّ عمَّه أنكرَ عليه إنكاراً شديداً”. (يُنظرُ كتابُ “الصَّواعقُ والرُّعودُ”).

ثانياً: العلاَّمةُ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَفَالِقَ الأَحْسَائِيُّ (ت ١١٦٤ هـ)

ردَّ على ابنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بكتابٍ سمَّاهُ: “تَهَكُّمُ المُقَلِّدِينَ بِمُدَّعِي تَجْدِيدِ الدِّينِ”، وأظهَرَ عَجْزَهُمْ لما سألَه بِسُؤالاتٍ فلم يُحِرْ جواباً. وابنُ عَفَالِقَ هذا ترجمَ له صاحبُ “السُّحبِ الوابلةُ” ونعَتَهُ بالعلاَّمةِ الفَهَّامةِ المُحَرِّرِ.

ثالثاً: العلاَّمةُ الشَّيخُ سُلَيْمَانُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سُحَيْمٍ العَنَزِيُّ (ت ١١٨١ هـ)

إمامُ أهلِ الرِّياضِ، كان من أشدِّ خُصومِ الوَهَّابِيَّةِ، وكَتَبَ رسالةً في النَّقضِ على ابنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، أرسلَها إلى عامَّةِ أهلِ نَجْدٍ وعلمائِهم، وإلى الأَحْساءِ والبَصْرَةِ.

رابعاً: العلاَّمةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ السَّفَّارِينِيُّ (ت ١١٨٨ هـ)

ردَّ عليهم في أكثرَ من موضعٍ، منها ما في رسالتِه “الأَجْوِبَةُ النَّجْدِيَّةُ”. ومنها قولُه في جوابِ سُؤالٍ رُفِعَ إليه من نَجْدٍ: “ما قَوْلُ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ وهَدَاةِ المُرْشِدِينَ في رَجُلٍ تَفَقَّهَ في مَذْهَبِ إمامِه، ثم زَعَمَ بعدَ ذلكَ أنَّ العَمَلَ غيرُ جائزٍ بِكُتُبِ الفِقْهِ؛ لأنَّها مُحْدَثَةٌ…”.

خامساً: الشَّيخُ سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (ت ١٢٠٨ هـ)

شَقيقُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، قاضي حَرِيمْلاءَ، ألَّفَ كتاباً في الرَّدِّ عليه بعنوان: “فَصْلُ الخِطَابِ في الرَّدِّ على مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ”. قالَ العلاَّمةُ ابنُ حُمَيْدٍ: “كان مُنافِياً لهم في دَعْوَتِهِ، ورَدَّ عليه رَدّاً جَيِّداً بالآياتِ والأَثَرِ؛ لكونِ المَرْدودِ عليه لا يَقْبَلُ سِواهُما، ولا يَلْتَفِتُ إلى كَلامِ عالِمٍ مُتَقَدِّمٍ أو مُتَأَخِّرٍ كائِناً مَن كانَ، غيرَ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابنِ تَيْمِيَّةَ وتِلْمِيذِهِ ابنِ القَيِّمِ”.

سادساً: الإمامُ مُحَمَّدُ بنُ فَيْرُوزَ الأَحْسَائِيُّ التَّمِيمِيُّ (ت ١٢١٦ هـ)

شَيْخُ الحنابلةِ في زَمَانِهِ، قالَ في تَقْدِيمَتِهِ لِكِتابِ “الصَّواعِقُ والرُّودُ”: “أَذْكُرُ في هذه الأَوْراقِ شَيْئاً مِن نَشأَةِ الطَّاغِيَةِ المُرْتَابِ… وإِنِّي أَعْلَمُ الناسِ بِهِ إذِ المُخْبِرُ لِي عنهُ أَبِي، وهو أَقْرَبُ الناسِ له إذْ هو ابنُ خالَتِهِ”. وذكر أنَّه في بداياته كان “يَفِرُّ مِن كُتُبِ الأَحْكامِ أَعْظَمَ فِرارٍ… وكانَ مُشْتَغِلاً بِكُتُبِ الحِكايَاتِ وأَحْوالِ الخارِجِينَ مِن أَرْبابِ الفِتَنِ”.

سابعاً: العلاَّمةُ عَبْدُ اللهِ بنُ دَاوُدَ الزُّبَيْرِيُّ (ت ١٢٢٥ هـ)

تلميذُ ابنِ فَيْرُوزَ، له كِتابٌ “الصَّواعِقُ والرُّعودُ في الرَّدِّ على ابنِ سُعودٍ”، وهو مِن أَهَمِّ الكُتُبِ. تميز بأنَّ مؤلفه من بلدهم واطَّلَعَ على أُمورٍ لم يَطَّلِعْ عليها كَثِيرٌ غيره، وردَّ عليهم بِكَلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ وابنِ القَيِّمِ وابنِ مُفْلِحٍ.

ثامناً: عُثْمَانُ بنُ مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ (ت ١٢٨٢ هـ)

قاضِي سُدَيْرٍ، لَهُ كُتُبٌ في الرَّدِّ على الوَهَّابِيَّةِ، وقد ضَلَّلَ ابنَ عَبْدِ الوَهَّابِ وجَعَلَهُ مِنَ الخَوارِجِ. قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ حَسَنٍ: “وجَدْنا في كُتُبِ عُثْمَانَ بنِ مَنْصُورٍ… الطَّعْنَ على المُسْلِمِينَ وتَضْلِيلَ إمامِهِمْ… وأنَّهُمْ خَوارِجٌ”.

تاسعاً: الشَّيخُ العلاَّمةُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ حُمَيْدٍ (ت ١٢٩٥ هـ)

مُفْتِي مَكَّةَ وصاحب “السُّحْبِ الوابِلَةِ”، بَيَّنَ أنَّه لا يَراهُمْ حَنابِلَةً أَصْلاً، وصَرَّحَ بأنَّهُمْ يَنْتَسِبُونَ للمذهبِ تَسَتُّراً، وإلَّا فَهُمْ يَدَّعُونَ الاجْتِهادَ ولا يُقَلِّدُونَ إماماً، ووَصَفَهُمْ بـ الخَوارِجِ.
عاشراً: الشَّيخُ مُصْطَفَى بنُ أَحْمَدَ بنِ حَسَنٍ الشَّطِّيُّ (ت ١٣٤٨ هـ)

مُفْتِي الحَنابِلَةِ بِدِمَشْقَ، لَهُ كِتابٌ في الرَّدِّ عليهم وهو “النُّقُولُ الشَّرْعِيَّةُ في الرَّدِّ على الوَهَّابِيَّةِ”.

خاتمة علمية: في دلالات الموقف ومنهجية النقد

إنَّ استقراءَ مواقفِ هؤلاءِ الأعلامِ من فقهاءِ الحنابلةِ يقطعُ بأنَّ الخلافَ لم يكن خلافاً عابراً، بل كان مَحْكُوماً بضوابطِ المذهبِ وأصولِ الفقهِ. وإسقاطُ شهاداتِ هؤلاءِ العشراتِ من العلماءِ -مع اختلافِ بلدانِهم وتنوعِ مشاربِهم ومعاصرةِ بعضِهم للشيخِ وتتلمذِهم على يدِ والدهِ- يفتحُ باباً لإسقاطِ علمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ برمّتهِ؛ إذْ كيف يُصدَّقُ الواحدُ في نقدِ المخالفِ، ويُكذَّبُ الجَمْعُ الغفيرُ الذي يمتنعُ تواطؤهم على الكذبِ؟ إنَّ هؤلاءِ الحنابلةَ قد قاموا بواجبِ “البيانِ” الذي أوجبهُ اللهُ على العلماءِ، مُنطلقينَ من الغيرةِ على حِمَى المذهبِ، وحمايةِ بيضةِ المسلمينَ من مسالكِ الغلوِّ والتكفيرِ، مما يجعلُ نتاجَهم المكتوبَ وثيقةً علميةً لا يَسعُ الباحثَ المنصفَ تجاوزُها عندَ دراسةِ تاريخِ الدعواتِ والمذاهبِ.