النسخ في القرآن.. رحمة التدرج لا بداء العلم
22 يناير، 2026
القرآن حياة

بقلم الشيخ : عماد الدين الغزالى
واعظ أول وعضو لجنة فتوى بالأزهر الشريف
تُعد قضية “النسخ” في القرآن الكريم من أكثر القضايا التي يهاجمها الفكر الحداثي، بدعوى أن القول بالنسخ (رفع حكم شرعي سابق بحكم لاحق) يتناقض مع “كمال العلم الإلهي” أو يوحي بـ”تراجع” في الإرادة الإلهية.
والرد على هذه الشبهة يمكن صياغته في نقاط مركزية تجمع بين العقل والنقل:
١. النسخ هو قمة الحكمة لا “بداء” في العلم:
يدعي الحداثيون أن النسخ يعني أن الله “غير رأيه” (وهو ما يسمى البداء)، وهذا جهل بحقيقة النسخ. النسخ في علم الله ليس تغييراً للمعلوم، بل هو “انتهاء مدة الحكم الأول”. فالله يعلم منذ الأزل أن الحكم (أ) سيستمر لسنة، ثم يأتي الحكم (ب) ليحل محله. فالنسخ هو انتقال من تشريع مؤقت إلى تشريع دائم، أو تدرج في التشريع لمراعاة حال العباد، تماماً كما يصف الطبيب دواءً معيناً في مرحلة المرض، ثم يغيره في مرحلة الشفاء؛ فهذا ليس نقصاً في علم الطبيب، بل هو تمام الحكمة في التعامل مع الحالة.
٢. التدرج التشريعي ومراعاة الفطرة:
نزل القرآن في مجتمع له عادات متجذرة (مثل شرب الخمر)، فكان من رحمة الله وحكمته أن يشرع الأحكام بالتدرج. النسخ هنا كان أداة تربوية للانتقال بالمجتمع من الجاهلية إلى كمال الإسلام. إنكار النسخ يعني إنكار هذا التدرج الإلهي الرحيم، ومحاولة لفرض الأحكام النهائية دفعة واحدة على واقع لم يكن مهيأً لها حينها.
٣. إثبات النص القرآني للنسخ:
يرد القرآن صراحة على منكري النسخ بقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]. فالقرآن أثبت النسخ وجعله من أدلة قدرة الله وتصرفه في ملكه. فالحداثي الذي يدعي الحفاظ على “قدسية القرآن” بإنكار النسخ، هو في الحقيقة يصادم صريح القرآن.
٤. النسخ وتجدد المصلحة:
الحداثيون ينادون دوماً بـ”تغير الأحكام بتغير الأزمان”، والنسخ في حقيقته هو إقرار إلهي بأن الحكم قد يتغير إذا تغيرت المصلحة أو الظرف (في مرحلة التنزيل). فبدلاً من أن يكون النسخ حجة عليهم، هو دليل على أن الشريعة راعت أحوال الناس ومصالحهم في مرحلة التأسيس، ولكن الفارق أن النسخ “توقيفي” من الله في زمن الوحي، وليس “هوى بشرياً” مفتوحاً لكل أحد في كل زمان.
٥. الفرق بين النسخ و”التاريخية”:
هنا مكمن الخطر؛ فالحداثة تريد إنكار النسخ لتقول إن كل آيات القرآن (بما فيها آيات العفو عن الكفار في مكة مثلاً) هي آيات محكمة، ثم تستخدمها لتعطيل آيات أخرى بدعوى “روح النص”. الحقيقة أن النسخ يضبط الفهم؛ فهو يحدد ما هو “الحكم النهائي” الذي استقر عليه الدين، وما هو “الحكم المرحلي” الذي انتهى مفعوله بتمام التشريع، مما يحمي الدين من التمييع أو التضارب.
الخلاصة:
النسخ ليس “إلغاءً” للنص، بل هو “بيان لانتهاء أمد الحكم” مع بقاء النص قرآناً يتعبد بتلاوته. هو مظهر من مظاهر الربوبية والرحمة الإلهية التي راعت تدرج النفس البشرية حتى وصلت إلى كمالها التشريعي بوفاة النبي ﷺ، وبقاء الشريعة مستقرة على أحكامها النهائية الخالدة…..(يتبع)