بين الفكرة والعقيدة


بقلم الأستاذ الدكتور : مجدي إبراهيم

أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف جامعة أسوان

الفرق بين الفكرة والعقيدة هو أن الفكرة تُقبل وتُرفض، بمعنى أنه إذا كان من حقك أن تقبلها فمن حقي أنا أن أرفضها. بإمكاني أن أرفض العلمانية مثلاً أو الشيوعية أو الإشتراكية أو الليبرالية أو ما شئت أن تضيف؛ أرفضها وأنا مطمئن إلى رفضي إيّاها. ولن يحاسبني الله على رفضها أو قبولها؛ لأنها أفكار بشرية نابعة من عقول فكرت ودبرّت وٍرأت أن يكون سبيلها في هذا المذهب أو ذاك؛ ولكن ليس من حقي أن أختلف مع العقيدة ما دمت قد أخترتها في البدء طواعية لا إكراه فيها؛ “ولا إكراه في الدين”.

ليس بالإمكان أن يرفض المرء ديناً منزلاً من عند الله كان قد ارتضاه منذ البداية ثم يختلف معه ويقول : وجهة نظري في هذه الجزيئة كذا وفي تلك كيت! إذا أنت فعلت ذلك تساوي عن جهل أو عن غفلة بين ما هو بشري وما هو إلهي، أو بين ما هو قابل للنقد والاختلاف وما هو مقدَّس لا يقبل النقد ولا يقبل الاختلاف معه بحال.

وتلك لوثة عقديّة في حق الإسلام : أن يكون الدين في الذين يسمون أنفسهم بالإسلاميين – يقبل الرفض ممّن أرضتاه ديناً؛ لأنهم قد ساووا بين الإسلام كونه وحياً منزلاً من عند الله وبين سائر الأفكار البشرية المرفوضة بالعقل أو المقبولة؛ يعني من الممكن رفض الإسلام من جهتهم، شأنه في ذلك شأن أي فكرة بشرية أخرى، وبالتالي يكون الدين عرضة للاهتزاز الذي لا يعرف طمأنينة اليقين.
وكما تقام التفرقة بين الدين في ذاته من حيث هو دين، وبين ما يتراكم على الدين من شروح وتفسيرات وتأويلات وتخريجات بشرية قد تتفق معها وقد تختلف لكنها لا ترقى في المجمل إلى درجة الوحي المُنزّه عن التفسير البشري، فليس في هذا التفسير ما هو مقدس، وليس للبشر عصمة التقديس الذي لا يجوز معه النقد. ليس للفكر البشري ما للدين المُنزّل من ثبات وخصوصية، الأول يُقبل أو يُرفض، يؤخذ منه ويرد.
والثاني الذي هو الدين لا يمكن رفضه مطلقاً ما دمت قد ارتضيته بداية ديناً.

أقول؛ كما تقام التفرقة بين الدين في ذاته وبين العلوم التي تقاوم على الدين، كذلك تقام التفرقة بين مجرى الفكر الديني ومجرى العقيدة التي يدين لها المرء بالولاء. العقيدة الدينية تجري على الثبات الذي لا يتخلله شك، وتتصل بالوحي اتصال الأصل بالمعتقد الديني من طريق الوحي. وما يقام على الوحي من علوم تفسّره وتخرّجه إنما هو فكر ديني ولا يزيد. الأول مقدّس. والثاني ليس فيه تقديس لأنه فكر بشري لا عصمة له، ولأن مجراه اجتهاد البشر ولا حيلة للبشر في ضمان الصواب بإطلاق.

والخلط بين ما عساه يجري هنا، وما عساه يجري هناك، كارثة تنفّر خلق الله من رحمة الله. ناهيك عن أن تكون المناقشات عنفاً وعراكاً وجدلاً وخصومة، تظهر فيها السخائم السوداء وتثير شعور البغضاء بين أبناء الدين الواحد؛ وبدلاً من أن تجّمع تفرّق؛ والإسلام دين الوحدة لا التفرقة.

وإذ يطلق الإسلاميون على أنفسهم مصطلح “الإسلاميين”؛ أو يطلقه عليهم خصومهم السياسيين؛ سيّان لا فرق! انما هو اتجاه فكري ضمن سائر الاتجاهات الفكرية المشابه، ينسب لأناس خرَّجوا الدين تخريجاً معوجاً مضطرباً، يخطئون فيه ويصيبون، ليس ملزماً لأحد إلا لهم هم فقط دون سواهم. ولا يعني هذا الاتجاه مطلق الصّحة المنزهة عن الخطأ، ولا يعني أنه المعبر وحده عن صحيح الدين، فإنّ صحيح الدين فضلاً عن كونه استقامة ظاهرة وباطنة، فهو يتوقف على الفهم والاجتهاد وادامة النظر والفكر والاعتبار واطالة الرؤى في البحث عن المألات. وما من تخريج بشري يمسّ ظاهر الدين إلا وفي عوالقه اضطراب يخضع للنقد والتمحيص، إذ كان تعبيراً عن اتجاه وتوظيفاً لمقاصد قريبة، ولم يكن تقديراً للحقيقة الكلية في إطار مجرى الدين في ذاته، وهو مجرى وحدة القصد التي هى الغاية من الدين على التحقيق.

ولا ريب أن وجود هذا الفكر الديني المتطرف عموماً سيرجع بنا القهقري إلى تخلّف العصور. هو هو وليس غيره من سيجعل الذي حدث في الغرب في ظلمات العصور الوسطي باسم الدين سيحدث في عصورنا المعاصرة : أعطي ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، ولكن قصيراً عندنا – ياولداه! – لا يريد إلا أن يكون هو هو الله.

ولأمر ما تخلّفنا وتقدَّم الناس.