وقفة مع العقل الحداثي حول دعوى تاريخية القرآن الكريم
21 يناير، 2026
القرآن حياة

بقلم الشيخ : عماد الدين الغزالى
واعظ أول وعضو لجنة فتوى بالأزهر الشريف
في غمرة التحولات الفكرية التي تموج بها الساحة المعرفية المعاصرة، تبرز بين الحين والآخر أطروحات تسعى لإعادة قراءة النص القرآني وفق مناهج مستعارة من نقد النصوص البشرية، ولعل أخطر هذه الأطروحات ما يُعرف بـ “تاريخية النص”.
وهي دعوى مفادها أن القرآن، وإن كان إلهي المصدر، قد ارتهن بظروف زمانه وبيئة نزوله، مما يجعل بعض أحكامه “تاريخية” انقضى زمنها، وبعضها الآخر “محكماً” عابراً للعصور.
إن هذه الرؤية، وإن تزيّت بزيّ البحث العلمي، تضمر في طياتها مأزقاً معرفياً يخلط بين “عالمية الوحي” و”محلية الحادثة”، وهو ما يستوجب وقفة تمحيص بأسلوب يجمع بين صرامة الحجة وجلال البيان.
أولاً: النص الإلهي وسلطان الزمان
إن جوهر الوحي يكمن في كونه خطاباً من “المطلق” إلى “المقيد”، ومن “الخالق” المحيط بكل شيء علماً إلى “المخلوق” الحبيس في لحظته الراهنة.
فحين وصم الحداثيون بعض نصوص القرآن بالتاريخية، جعلوا الزمان حاكماً على الله، لا الله حاكماً على الزمان.
إن القرآن الكريم لم ينزل ليكون صدىً للبيئة العربية في القرن السابع، بل نزل ليكون “مهيمناً” عليها وعلى ما يليهـا من أعصار.
فإذا سلبنا النص صفة الإطلاق والإحكام، فقد حوّلناه من “نور هادٍ” إلى “أثرٍ متحفيٍّ” يُقرأ للاستذكار لا للاستبصار، وفي هذا نقضٌ لخاصية الخلود التي هي أخص صفات الرسالة الخاتمة.
ثانياً: مغالطة الفصل بين الروح والجسد
يرتكز الخطاب الحداثي على التفريق بين “المقاصد الكلية” و”التشريعات التفصيلية”، فيزعمون أن “العدل” مقصدٌ دائم، بينما “المواريث” أو “الحدود” وسائل تاريخية يمكن استبدالها. وهذا منطقٌ فيه من التجزئة ما فيه؛ إذ كيف نفصل بين “القيمة” و”تجليها الشرعي”؟ إن الشارع الحكيم الذي أمر بالعدل هو ذاته الذي حدد كنه هذا العدل في تفاصيل التشريع.
فتعطيل النص بدعوى التمسك بروحه هو نوع من “السيولة المعرفية” التي تجعل الدين ثوباً يُفصّل على مقاس الأهواء والتقلبات الاجتماعية، فتضيع الثوابت وتغدو الشريعة طوعاً لكل عصر.
ثالثاً: عموم اللفظ لا خصوص السبب
لقد غاب عن أصحاب القراءة التاريخية التفريق الدقيق بين “مناسبة النزول” و”علّة الحكم”.
فالقرآن نزل منجماً ليعالج واقعاً، لكنه صاغ علاجه بلفظ عام يتجاوز الحادثة المخصوصة.
إن القاعدة الذهبية التي سار عليها علماء الأمة هي أن “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”؛ فالآية التي نزلت في واقعة “ظهار” أو “ميراث” ليست حبيسة تلك اللحظة، بل هي قانونٌ مطّرد يطبق على كل من تحققت فيه العلة إلى يوم القيامة. إنها قدرة “الكلمة الإلهية” على أن تظل غضّة طرية، كأنها تتنزل الآن لتخاطب إنسان القرن الحادي والعشرين في صميمه.
رابعاً: القرآن وحدة موضوعية لا تقبل التشظي
إن وصف القرآن لنفسه بالإحكام في قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}، ينفي عنه صفة التجزؤ بين ما هو صالح وما هو منتهٍ.
فإحكام القرآن إحكامٌ بنيوي، تلتحم فيه العقيدة بالشريعة، والقصص بالعبرة، والتشريع بالمقصد.
والقول بالتاريخية هو بترٌ لهذا الاتساق، يفتح الباب أمام إزاحة الشريعة آية بعد آية، حتى لا يبقى من الدين إلا ذكريات غائمة لا تملك قوة التغيير ولا سلطة التوجيه.
خاتمة القول:
إن محاولة “تبيئة” القرآن أو “تأريخه” ليست إلا رضوخاً لسطوة النموذج الحضاري الغالب، ومحاولةً لإخضاع الوحي لمنطق الفلسفات المادية المتقلبة.
إن القرآن الكريم سيبقى هو “المعيار” الذي تُعرض عليه العصور، لا العرض الذي يُقاس بمسطرة العصور.
وما أحوجنا اليوم إلى العودة لرحاب “النص المحكم” الذي يجمع بين ثبات الأصول وحيوية التطبيق، بعيداً عن شطحات الحداثة التي تطلب الهداية في هجير التاريخ وتترك نبع الوحي الصافي.