كيف اصبحت الدعوة الوهابية حلفًا توسعيًا تبتلعه المصالح
17 يناير، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

المقال الحادى والعشرون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
المرايا المكسورة :
كان الظلام قد بدأ يتسلّل إلى أروقة الدرعية، مثل دخانٍ بلا نار، حين جلس عبدالعزيز بن محمد على حافة سجّادته، يرمق الغبار المتراكم فوق السيف المُعلّق في صدر مجلسه.
السيف كان هدية قديمة من أحد سلاطين نجد، يوم كانت الدولة تحبو، يوم كان محمد بن عبدالوهاب جالسًا على ذات السجادة، يشرح له الفرق بين الولاء لله والولاء للناس.
لكنّ عبدالعزيز لم يعد يرى في السيف رمزًا للعدل. بل صار يراه مرآة مكسورة، تعكس ما تبقّى من فتات التحالف.
فالعلاقة بين السيف والمحبرة بدأت تتصدّع. وصار الدم أسرع من الفتوى.
كان محمد بن عبدالوهاب قد بلغ من العمر عتيًّا. الشيب في لحيته لم يكن فقط أثر السنين، بل أثر القلق أيضًا، القلق الذي سكن قلبه مذ بدأ يرى أن ما كان دعوة صار دولة، وما كان إصلاحًا صار قهرًا.
في صيف تلك السنة، اجتمع حوله أبناؤه، وأصهاره، وبعض تلاميذه، بعدما تسلّل إليه مرضٌ غامض. الحمى تنهشه، والهلوسات تتراءى له في لياليه.
قال لابنه عبد الله بن محمد، بنبرة مُنهكة:
“كنا نكتب لله، يا عبد الله… ثم بدأنا نكتب لنحكم، ونُبعد، ونقمع.”
لكن عبد الله، وقد صار مفتيًا معتبرًا، لم يجب. اكتفى بالنظر إلى الأرض.
كان يعلم أن والده لم يعد يحتمل.
في تلك الأيام، لم تعد الخطب كما كانت. صارت تكتب على مقاس السلطان لا على ميزان القرآن. والفتوى التي كانت تُنقّح بالسهر، صارت تُكتب على عجل، وترسل مع رسولٍ إلى الجبهة.
الجبهة؟ نعم، كانت هناك جبهات.
ففي الأحساء، كان القتال مشتعلاً ضد الشيعة، بحجّة “تطهير الأرض من مظاهر الشرك”. وفي الحجاز، كانت دعوة محمد بن عبدالوهاب تُتلى في المساجد، ويُقتل على إثرها بعض العلماء الذين خالفوها.
وبينما المحبرة في صدر الشيخ تجفّ، كانت السيوف في صدر الدولة تتلمّع.
في أحد الأيام، دخل عبد العزيز عليه وهو ممدّد على فراشه. قال له بصوتٍ خفيض:
“يا شيخ، لقد توسّعنا. دخلنا الطائف ومكة…”
لكن محمد لم ينبس بكلمة. أغلق عينيه، ثم تمتم:
“أتوسّعنا في الأرض؟ أم في الخصومة مع الناس؟”
ردّ عبد العزيز:
“بل في التوحيد.”
فقال محمد:
“التوحيد لا يدخل مع السيوف. بل يدخل مع الدعوة، والرفق، والحجة.”
لم يجب الأمير، لكنه فهم. فهم أن الشيخ لم يعُد راضيًا عن الوجه الجديد للدعوة.
وبينما كان الشيخ يضعف، كانت نبرة الفتاوى تشتدّ. أُصدرت فتوى بتكفير قبائل بأكملها، فقط لأنها رفضت البيعة. نُهبت بيوت، وقطعت رؤوس.
كان عبد الله، ابن الشيخ، يُراجع بعض تلك الفتاوى، ويقول لأبيه:
“يا والدي، هذه الفتاوى تُنسب إليك، وأنت لم تكتبها.”
فيرد الشيخ:
“بل كتبها من تشربوا لغتي، ولم يتذوقوا قلبي.”
في آخر أيامه، أوصى الشيخ أن يُدفن بلا مظاهر. بلا خطبة. بلا موكب.
وقال:
“من عاش للدين لا يُشيّع كملك.”
لكنهم لم يسمعوا وصيته كاملة. فقد شُيّع كرمز، لا كداعية. وبُني له مقام، وإن سُمّي قبرًا.
مرّت السنون، وازدادت المرايا المكسورة في دروب الدعوة.
صار اسم محمد بن عبد الوهاب يُستخدم في صكوك القتال، وفي مناهج التعليم، وفي فتاوى القتل.
لكن قليلين تذكّروا دموعه في أواخر عمره.
وقليلين قرأوا دفاتره الشخصية التي كتب فيها:
“اللهم لا تجعلني بابًا يُدخل منه السلطان إلى رقاب الناس.”
“ولا تجعلني سيفًا يضرب به الجاهل باسمك.”
“واجعل كلمتي شاهدة عليّ لا على غيري.”
وبينما تنقضي الليالي في صمتٍ ثقيل، ظل السيف مُعلّقًا في صدر المجلس، لا يصدأ.
لكن صوته صار أضعف من ورق المحبرة.
وهكذا، بدأت المرايا تتكسّر، واحدةً تلو الأخرى، في بيتٍ كانت أركانه تدعو إلى النور، حتى غطّاه ظلّ الدولة.
ـ يوم أكلت النار ظلّها:
كان محمد بن عبد الوهاب يحدّق في الأفق الملبّد بالغيوم من نافذة المجلس العتيق في الدرعية، كأنّه يبحث عن شيء ما فقده قبل سنوات، أو كأنّه ينتظر حريقًا جديدًا يأكله من الداخل.
مرت السنون، وأصبح الكيان الذي صنعه بشراك السيف والعقيدة أكثر توحشًا مما تخيل. كان الحلف مع محمد بن سعود قد بسط سطوته في نجد، وامتدّ لاحقًا إلى مدنٍ لم تكن تتخيّل يومًا أن تُقاد باسم “الإصلاح”، وما عادت الدعوة دعوة، بل صارت حكمًا ودمًا وحدودًا تُقطع باسم الله. وكان هو، وإن بدا شيخًا منزويًا، يمضي ليله في مراجعة كل شيء…
هل هذا هو ما أراده؟
أكان يريد حقًا أن تُبنى دعوته على جثث الفقهاء الذين خالفوه؟
كان صدى القبور المهدّمة يعود إلى ذاكرته في صورة صرخات مكتومة: قبر زيد بن الخطاب الذي نُبش، مقام حاتم الطائي الذي سُوّي بالأرض، أضرحة الأولياء التي جُرفت، ووراء كل ذلك أصوات النسوة والرجال الباكين في الهزيع الأخير من الليل.
كان ابنه عبد الله قد دخل عليه في الليلة الماضية وهو يحمل كتابًا كتبه خصومهم في المدينة، يصفونه فيه بأنه رأس الفتنة، وأنه جعل من نفسه ميزان العقيدة، وأنه “أحلّ دماء المسلمين بفتاوى حبرها من جهنم”.
قرأ محمد بن عبد الوهاب المقطع، وهزّ رأسه، وقال:
– هم لا يعلمون.
– أم نحن لا نعلم؟ – ردّ عليه عبد الله.
– بني، الطريق طويل، ولا أحد يرى نهايته. نحن فقط نُحاول أن نقود السفينة بعيدًا عن الغرق.
– لكنك لم تضع لنا مرساة… ولا بوصلة.
كان في نظر عبد الله أن الدعوة خرجت عن طورها. وأن التحالف الذي بني على “نقاء التوحيد” قد أصبح حلفًا توسعيًا تبتلعه المصالح. وما عاد الناس يرون في أبيه إلا “مؤسس دولة” لا “مُصلحًا”.
وكان محمد يعلم ذلك.
ويعلم أن أبناءه منقسمون عليه، كما كانت المدينة المنورة منقسمة حين زارها آخر مرة، وكما كانت العيينة تقذف في وجهه بالحجارة من قبل.
جلس على سجادته، وكتب في دفاتره:
“اللهم إن كنتُ قد وضعت يدي في يد سلطانٍ لم يُرد بك وجهًا، فاغفر لي. وإن كنتُ قد أردتُ نصرة دينك، فثبتني، وإن كنتَ تعلم أنني صرت أعبد هيبة الحاكم أكثر مما أرجوك، فخذني ولا تُبقِني بين الناس فتنة.”
ثم أغلق دفتره.
في النهار التالي، زاره تلميذه حسين بن غنام، وكان قد قرأ آخر ما كتبه الشيخ في بعض رسائله الخاصة.
قال له:
– يا شيخ، لا تجعل القلق يأكلك. كل من حمل لواء التوحيد عودي، ولو كان بين ظهراني قومه.
– يا حسين، لم أعد أدري إن كان التوحيد هو الذي يُعادى، أم ما لبستهُ أنا من صرامةٍ وجزم لا يرحم.
– لكنك لم تكن تُجامل، ولم تساوم، ولم تبع دينك.
– وهل في زمن الدماء يُعتبر الغلو صمودًا؟ وهل يُقاس صدق الإيمان بعدد الرؤوس التي سقطت؟
كان كلام الشيخ كمن ينزع عباءته التي غلّفته بها الألقاب، فقد كانت دعوته قد أصبحت ثوبًا فضفاضًا يلبسه الآخرون كما يشاؤون. وما عاد الناس يعرفون محمد بن عبد الوهاب الإنسان، بل فقط اسمه في الحروب، وفتاويه في جلد ظهور الرجال، وسياط التكفير.
ثم دخل عليه ابنه الآخر، علي، وكان أكثرهم حماسةً له، وأقربهم إلى رجال الدولة.
قال:
– أبي، لا تضعف الآن. دعوتك باتت دولة، وكلمتك صارت دستورًا.
– يا بني، بل دعوتي باتت سيفًا، وكلمتي صارت سكينًا يلوّح بها كل غليظ القلب. من يحمل فكري اليوم يظنني إلهًا يُحلّ ويُحرّم، مع أنني بشر، أُصيب وأُخطئ.
كان يريد أن يصرخ: “أنا لست نبيًا! أنا فقط رجل ظنّ أن الله أولى بالطاعة من العادات والخرافات، لكني لم أكن يومًا صاحب فتنة!”
إلا أن الحبر الذي سال باسمه، قد كتب أكثر مما أراد، وأشعل نارًا لم يستطع إطفاءها.
في اليوم التالي، جاءه أحد رجال الدرعية، ومعه خبر مفجع: قبيلة بني خالد قد بدأت تحشد لمحاربة الدولة الناشئة، والسبب: قتل علمائهم وسبي نسائهم.
سكت الشيخ.
تذكّر اللحظة التي جلس فيها قبل سنوات أمام الأمير محمد بن سعود، حين صافحه على الولاء، وقال له: “لك الإمارة، ولي الدعوة.”
يومها حسب أنه يضع حجر الأساس لأمةٍ جديدة. واليوم، يرى أنه صنع مرآةً من نار، تحرق كل من يقترب منها.
كتب في دفتره:
“أيها الناس، إن كنتُ فتنتكم، فاقتلوني. وإن كنتُ صاحب هوى، فاتركوني. وإن كنتُ وحدي من يصرخ أن التوحيد ليس عباءةً للدم، فاستبدلوني بمن يشاء السلطان.”
وبينما كان يكتب، سقط على الورق دمٌ من جرحٍ في يده.
قال في نفسه:
– النار أكلت ظلّها.
ولم يكن يعلم، أن اسمه سيبقى منقوشًا في كل صراعٍ بعده، كما يُنقش السيف على الصخر.
ولا أحد سيسأل: ماذا كان قلبه يقول وهو يُشعلها؟