لماذا نقرأ؟
15 يناير، 2026
العلم والعلماء

بقلم : أ.د / مزاحم طارق المصطفى
أستاذ الفقه وأصوله وعميد كلية الشريعة والقانون
في الجامعة الإسلامية بمنيسوتا المركز الرئيسي
إن الله سبحانه وتعالى عندما خاطب هذه الأمة عن طريق حبيبه صلى الله عليه وسلم؛ أول ما بدأ به هو قوله تعالى (اقرأ)، والمعنى أن الرسالة التي أسندها إليكم هي رسالة علم تبدأ بالقراءة ثم تنطلق بكم إلى الآفاق لعمارة هذه الأرض بكل الإمكانيات التي سخرها الله عزوجل للإنسان للرقي به إلى أعلى درجات الكمال الإنساني بشقيه المادي والمعنوي، وهذه من معاني الاستخلاف التي أرادها الله تعالى للإنسان على هذه البسيطة ويباهي بهم الملائكة الذين استفسروا عن هذا الاستخلاف والذي قد يؤدي إلى فساد في الأرض. لذلك كان الرد على هذه الخشية من الفساد في الأرض بأنه علم آدم وبهذا العلم ستعمر الأرض ولا يكون هناك الفساد إلا بترك العلم، قال سبحانه: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)] [العلق: 1-5].
والسؤال الذي يثار، لماذا الحضارات الأخرى تقدمت علينا اليوم ونحن أصحاب الرسالة؟
أقول: أولاً الخطاب موجه لكل إنسان، ثانياً: الحضارات الأخرى تقدمت علينا بالعلم، والعلم يبدأ بالقراءة؛ فأحسنوها، لكننا نحن ابتعدنا عنها فتراجعنا عن ركب الحضارة، فالعالم اليوم يشهد تطوراً علمياً وتكنولوجياً هائلاً ومتسارعاً في شتى ميادين الحياة ومجالاتها كافة؛ نتيجة ثورة التكنولوجيا الحديثة من أجهزة ومعدات، وغيرها، ونحن مشغولون عنهم وعن العلم وعن القراءة، كنا سابقاً مضرباً للأمثال في العلم وكانت الأمم الأخرى تنهل من علوم أمتنا، أما اليوم فنحن خلف الركب. ومع هذا نقول: إذا أردنا التقدم مثل بقية الأمم نطبق ما جاء عن ربنا سبحانه وتعالى في القراءة وطلب العلم لأنه بها يتم بناء العقل والفكر وبهذا نستطيع بناء الإنسان بكل تخصص؛ طبي هندسي عمراني تكنولوجي أدبي علمي تربوي نفسي فلسفي…إلخ
ولا يقف بالقراءة عند حد معين أو زمن معين؛ بل بالقراءة المستمرة، وليس المقصود بالقراءة؛ قراءة الكتب فقط، وإنما قراءة سلوك الأمم الأخرى وسياساتها وتعاملاتها وتصرفاتها وصناعاتها وتطوراتها وغيرها. عندها نستطيع أن نأخذ إيجابيات كل أمة، ونتجنب كل سلبياتها، ونسخر كل ما تعلمناه منهم في خدمة ديننا وبلادنا وبكل إمكانياتنا. بهذا نستطيع مجاراتهم، علماً أننا نمتلك كل إمكانيات التطور، ولا يملكون مثل ما نملك؛ لكن بسبب انشغالنا عن القراءة والعلم هم سيطروا على هذه الإمكانيات وسخروها لأنفسهم، وتركونا نصارع بعضنا ويلوم أحدنا الآخر، والسبب الرئيس من كل ذلك؛ هم أحسنوا قراءتنا، ونحن لم نحسن قراءتهم.