بين النسبية والإطلاق


بقلم الدكتور : وليد قاسم
مدرس الفقه العام بجامعة الأزهر

 

♦️هل الأفكار نسبية أو مطلقة؟

♦️بمعنى أن النتاج الفكري لشخص أو مجموعة من الأشخاص، هل يتمتع بالثقة المطلقة، أي لا يعتريه خلل ولا يداخله الشك، أم هو نسبي بمعنى أنه قد يكون صحيحًا من وجهة نظرهم، ولكنه من وجهة نظر أخرى ليس صحيحًا؟!

♦️هذا السؤال الفلسفي يطرح الآن بعد موت أحد المفكرين الفلاسفة، الذين كرسوا حياتهم من أجل الشك والنسبية، وأنه ليس ثمة من يحظى بالعصمة، فكل كلام أيًا كان مصدره قابل للنقد والتشكيك.

♦️هذا الكلام من وجهة نظر إسلامية، فيه شيء من الصواب، وكثير من المغالطات.

♦️وكما يقرر الإسلام أنه دين الوسطية والاعتدال، فإن من جملة وسطيته: الاعتدال في طرح الأفكار، والتوسط بين شطحات العقول، وبين الكهنوت.

♦️إن الإسلام يفرق بين ما كان قطعيََ الثبوت قطعي الدلالة، وبين ما كان ظني الثبوت والدلالة أو أحدهما.

♦️فقطعي الثبوت والدلالة، مطلق الحقيقة، ولا يقبل النقد ولا التشكيك بأي حال من الأحوال، ومن تعدى طوره، وسولت له نفسه الإقدام على التشكيك أو النقد فقد أتى منكرًا من القول وزورا، وفعله رد، ولا يجني من وراء عمله إلا الخيبة والخسران.

♦️ومن أمثلة ذلك: فرضية الصلوات الخمس، وصيام رمضان، وفرضية الزكاة، وأن للزوج النصف من ميراث زوجته عند عدم وجود الفرع الوارث، وللبنت النصف من ميراث أبيها عند انفرادها، وغير ذلك مما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام.

♦️فهذه الأحكام وغيرها متواترة الثبوت والدلالة، وعليها إجماع الأمة، وأصبحت من الضرورات التي لا تقبل التشكيك بأي حال من الأحوال.

♦️أما ما كان ظني الثبوت والدلالة أو أحدهما فهذا الذي تتطرق إليه النسبية، ولكن النسبية التي تتطرق إلى هذا القسم من النصوص والأقوال الفقهية، هي النسبية المنضبطة المستندة إلى قواعد الاستنباط، وقواعد فهم النصوص، المستمدة من اللغة العربية التي نزل بها القرآن.

♦️أما نسبية التشكيك المطلق، والنقد المتعنت، فهذه نسبية السوفسطائية المنكرون للحقائق.

♦️وبيان ذلك بأمثلة: أن الله تعالى ندب إلى العفو في رد نصف الصداق، فقال تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

فاختلف الفقهاء في المقصود بقوله تعالى: “الذي بيده عقدة النكاح”، فقال بعضهم هو الزوج، وقال بعضهم هو ولي المرأة.

فكل من القولين نسبي: بمعنى أن كلا منهما قابل للنقد، وقابل للتشكيك، ولكن النقد والتشكيك لابد أن يكون جاريًا على قواعد اللغة وأصول الاستنباط.

♦️ومن ذلك أن الله تعالى أمر المطلقة أن تعتد ثلاثة قروء، فاختلف الفقهاء في المراد بالقرء، فقال بعضهم هو الحيض، وقال بعضهم هو الطهر.
فكل من القولين نسبي، بمعنى أنه قابل للنقد والتصحيح.

♦️ومن أبرز الأمثلة على النسبية في السنة ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشا أو سرية أوصاه بتقوى الله، وعدم التعرض للنساء والأطفال والرهبان، ثم يقول للقائد، وإذا أرادك خصمك على أن تنزله على حكم الله فلا تنزله على حكم الله، ولكن أنزله على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا.

أي: أنزل خصمك على حكمك واجتهادك، فقد يكون خطأ وقد يكون صوابًا ولا تنسب اجتهادك لله تعالى، فإنك لا تدري هل هو حكم الله أم لا.

وهذا من أبرز الأمثلة على النسبية، وعدم القطع بالمطلقات الصادرة عن تفكير آحاد الناس.

♦️هذه هي النسبية المعتدلة التي قال فيها الإمام الشافعي رحمه الله ورضي عنه: “قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب”.

♦️فمن رحمة الله تعالى بالبشرية أن جعل للعقول مجالا وللإبداع أبوابًا، هي من النسبيات التي تتفاوت فيها العقول والإدراكات.

♦️ثم هذه النسبيات ترد إلى المطلقات، فما اتفق معاها كان حريًا أن ينسب إليها، وما خالفها كان حريا ألا ينسب إليها، مع بقائها في نفسها أو عند قائلها من النسبيات.

♦️ولو كانت النسبية مطلقة بلا حد تنتهي إليه، لتسللت إلى القواطع والبديهيات، وصار الإيمان مجرد رأي، والدين مجرد ذوق، ولانخرم نظام العالم.

♦️فمن هاهنا دعا الإسلام إلى اليقين والرد إلى القواطع، فقال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ}.

فجعل من القرآن محكمًا ومتشابهًا، وأمرنا برد المتشابه إلى المحكم، مع الإيمان اليقيني بأنه من عند الله.

♦️وقال تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ}.

فجعل الإيمان به سبحانه وتعالى من القواطع اليقينية التي لا ينبغي أن يدخلها الشك.

♦️ومن أعظم الأدوات التي تضبط التفكير، وتميز بين القواطع والنسبيات علم أصول الفقه، الذي يميز بين ما كان قطعيا، وما كان نسبيا فيه مجال للنظر، والأخذ والرد.

♦️إن النسبية المطلقة التي يدعو إليها بعض الفلاسفة، إنما نشأت كرد فعل للكهنوت الصليبي، وذلك في عصور الظلام في أوروبا، حينما طغى القساوسة والرهبان، وحللوا وحرموا، وأكلوا أموال الناس بالباطل، وصار عندهم حالة من الجمود والتقليد، حتى وصل بهم الحال إلى تكفير وإعدام من يفكر أو يخترع، واحتكروا الحق لأنفسهم، وأساموا الناس سوء العذاب، فخرجت النسبية رد فعل لمطلقاتهم الباطلة.

قال تعالى في سورة التوبة: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}

♦️ومن هاهنا فإن هذه النسبية الفلسفية لا بد أن تكون حبيسة بيئتها، وفي موطن نشأتها، لا أن تُردَد في بيئات معتدلة تميز بين الحقائق والنسبيات، ويسير أمرها على توازن واعتدال.

♦️والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وليد قاسم ١١/ ١/ ٢٠٢٦م