قَوَافِلُ النُّورِ.. مَنْ هُمْ “الْفَائِزُونَ الْأَوَائِلُ” عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؟


بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ: أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

من علماء الأزهرالشريف

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْجَنَّةَ دَارَ الْمُتَّقِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، أَوَّلِ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلِ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجِنَانِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ التَّابِعِينَ لَهُ بِإِحْسَانٍ.

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ..

إِنَّ النَّفْسَ لَتَشْتَاقُ، وَإِنَّ الْقَلْبَ لَيَحِنُّ إِلَى تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا الْخَلْقُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، حَيْثُ تَدْنُو الشَّمْسُ، وَيَعْظُمُ الْكَرْبُ، وَفِي وَسَطِ هَذَا الزِّحَامِ، تَنْطَلِقُ “قَوَافِلُ النُّورِ” لِتَخْتَرِقَ الصُّفُوفَ، لَيْسَ لِلْحِسَابِ، بَلْ لِلْإِذْنِ بِدُخُولِ دَارِ السَّلَامِ.

فِي هَذَا الْمَقَامِ الْعَظِيمِ، يَقُولُ الشَّاعِرُ حَاثًّا عَلَى السَّبْقِ:

فَسَابِقْ إِلَى دَارِ السَّلَامِ مُشَمِّرًا … فَخَيْرُ مَقَامِ الْعَبْدِ أَنْ يَتَصَدَّرَا

وَكُنْ فِي رِكَابِ الْمُصْطَفَى مُتَأَدِّبًا … لِتَبْلُغَ فِرْدَوْسًا بِهِ الْقَلْبُ أَنْوَرَا

  1. الْقَائِدُ وَالْقُدْوَةُ (صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ):

أَوَّلُ مَنْ تَطَأُ قَدَمُهُ الْجَنَّةَ هُوَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

 * مَوْقِفٌ يُهزُّ الْوِجْدَانَ: يُخْبِرُنَا ﷺ عَنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْبَاهِرَةِ فَيَقُولُ: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أَلَّا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). هِيَ هَيْبَةُ النُّبُوَّةِ وَتَكْرِيمُ الرَّبِّ لِحَبِيبِهِ؛ فَلَا جَنَّةَ لِأَحَدٍ قَبْلَ مَنْ عَلَّمَ النَّاسَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ.

  1. مَوْكِبُ “فُقَرَاءِ الصَّابِرِينَ” (سِبَاقُ الزُّهْدِ):

هَلْ تَعْلَمُ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- أَنَّ مَوْكِبَ الْفُقَرَاءِ يَسْبِقُ الْأَغْنِيَاءَ بِمَسَافَةٍ زَمَنِيَّةٍ تَذْهَلُ لَهَا الْعُقُولُ؟

 * بُشْرَى لِلْمَسَاكِينِ: يَقُولُ ﷺ: «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). لَيْسَ لِأَنَّ الْفَقْرَ فِي ذَاتِهِ عِبَادَةٌ، بَلْ لِأَنَّ “الْحِسَابَ” عَلَى النِّعَمِ يَسْتَغْرِقُ وَقْتاً، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا مَا يَنْشَغِلُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، فَخَفَّتْ أَحْمَالُهُمْ، فَأَسْرَعَتْ خُطَاهُمْ.

  1. السَّبْعُونَ أَلْفاً (وُجُوهٌ كَالْقَمَرِ):

هُمُ الَّذِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ “بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ”. صِفَتُهُمْ أَنَّهُمْ كَمَّلُوا التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ فِي كُلِّ شُؤُونِهِمْ.

 * قِصَّةُ سَيِّدِنَا عُكَّاشَةَ: حِينَ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَؤُلَاءِ، قَامَ سَيِّدُنَا عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) بِسُرْعَةٍ وَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ”، فَقَالَ ﷺ: «أَنْتَ مِنْهُمْ». (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). هَكَذَا هُوَ دَيْدَنُ الْأَوَائِلِ؛ “الْمُسَارَعَةُ” وَ”الِاقْتِنَاصُ” لِلْفُرَصِ الْإِيمَانِيَّةِ.

كَيْفَ تَكُونُ مَعَ الْأَوَائِلِ؟ (نَصَائِحُ عَمَلِيَّةٌ):

 * بَادِرْ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ: لَا تَرْضَ لِنَفْسِكَ أَنْ تَكُونَ فِي آخِرِ الرَّكْبِ؛ فَمَنِ اعْتَادَ التَّأَخُّرَ فِي الصَّلَاةِ وَالْخَيْرِ، خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ اللَّهُ.

 * خِفَّةُ الْحِمْلِ: قَلِّلْ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيَا، وَأَدِّ الْحُقُوقَ إِلَى أَصْحَابِهِا؛ لِتَكُونَ “خَفِيفَ الْحِسَابِ” يَوْمَ الْعَرْضِ.

 * تَجْدِيدُ التَّوَكُّلِ: اجْعَلْ ثِقَتَكَ فِي تَدْبِيرِ اللَّهِ أَقْوَى مِنْ ثِقَتِكَ فِي تَدْبِيرِ نَفْسِكَ، فَهَذَا هُوَ مِفْتَاحُ “الدُّخُولِ بِلَا حِسَابٍ”.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ السَّابِقِينَ السَّابِقِينَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبِينَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.