لماذا قال الله –تعالى-: (بعبده) ولم يقل: (برسوله) في آية الإسراء؟
8 يناير، 2026
القرآن حياة

بقلم الدكتور : طه عبد الحافظ أحمد الوزيري
دكتوراة فى الدعوة والثقافة الإسلامية – جامعة الأزهر الشريف
يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء 1).
هذه الآية اشتملت على العديد من الأمور الدعوية منها: تشريف النبي –صلى الله عليه وسلم- وتكريمه.
وهذا بالنسبة للداعية الأول -صلى الله عليه وسلم– حيث شرّفه الله وكرّمه بهذه المعجزة العظيمة وأراه ما أراه من الأسرار، وكذلك إطلاق لفظ: (عبد) في قوله: “سبحان الذى أسرى بعبده”.
جاء في تفسير القرطبي: “قال العلماء: لو كان للنبي –صلى الله عليه وسلم- اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية، وفي معناه أنشدوا:
يا قــوم قلبى عند زهـــــراء يعــرفه السامــــع والرائي
لا تــدعـنى إلا بــيا عبــــدها فإنــه أشـــــرف أسمائي”.
(الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج10 ص205).
وقد شرّف الله –تعالى- حبيبه محمدا –صلى الله عليه وسلم- بإطلاق لفظ (عبد) وكذلك الأنبياء قبل النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- كان الله –تعالى- حين يمدحهم يمنحهم لقب (عبد) وذلك في القرآن كثير.
فنبي الله نوح –عليه السلام-: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ (سورة القمر 9).
ونبي الله نوح ولوط –عليهما السلام-: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ (التحريم 10).
وحين أراد الله تعالى أن يرفع قدر الخضر قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف (65).
والمسيح – عليه السلام-: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الزخرف (59).
ومن تمام تشريف الله –تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم أن لقب (عبد) صار علما عليه صلى الله عليه وسلم، فهو يضاف إلى الله –تعالى- إضافة تكريم وتشريف، بينما غيره من الأنبياء تذكر أسماؤهم مع لقب العبودية، يقول الإمام ابن عاشور: “و(عبد) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد -صلى الله عليه وسلم- كما هو مصطلح القرآن، فإنه لم يقع فيه لفظ العبد مضافا إلى ضمير الغيبة الراجع إلى الله –تعالى- إلا مرادا به النبي صلى الله عليه وسلم” (التحرير والتنوير ج15 ص12).
ولكن أليس لقب (رسول) أفضل؟
أو بصيغة أخرى: لماذا ذكر الله لقب (عبد)؟
أو لماذا وصف الله أنبيائه بوصف (عبد) وبيّن أن هذا الوصف من أخص أوصافهم؟
الناظر للّفظين نظرة سطحية يرى أن لقب (رسول) أفضل، ولكن الناظر بتمعن للقرآن وأسلوبه وتاريخ الأمم وانحراها فكريا وعقديا، سيزداد إيمانا أن القرآن من عند الملك –جل وعلا-، وأن لقب العبودية أفضل من لقب (رسول ونبي).
إذا كان الإنسان يعمل خادما عند ذي منصب دنيوي يتفاخر بذلك، فما بالك بمَن وظيفته عبد لله –تعالى-، هذا شيء، الشيء الآخر هو أن الله –تعالى- أتى بلفظ أو لقب العبودية لأن معناه غاية الخضوع والتذلل للمعبود، وطالما الإنسان في هذه الدائرة (دائرة القمة في التذلل والخضوع لله وحده) فإنه في مأمن من الانحرافات الفكرية والثقافية والعقدية.
إن بداية انحراف الديانات السابقة هي خروجهم من دائرة العبودية لله إلى دائرة العبودية لغير الله من الأحبار والرهبان، فمنحوا حق التشريع الديني والدنيوي بل والأخروي لأحبارهم ورهبانهم، وقد قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة 31)، والمعنى معروف أنهم كانوا يحلّون لهم ويحرمون عليهم، ولمّا انقاد القوم وخضعوا لغير الله كان ذلك هو البوابة الرئيسية للخضوع التام للبشر، فألّه لهم من أضيفوا إلى الدائرة الربانية بشرا مثلهم فعبدوه وخضعوا له: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة 30).
كذلك أيضا الخضوع للحكام الظالمين والائتمار بأمرهم والانتهاء بنهيهم وإن خالف أمر ونهي الله –تعالى- يجعل القلوب تخرج عن العبودية لله إلى العبودية للمخلوق ويضيع الدين بعد حفظه، فما ضاعت النصرانية الحقة إلا بعد الخضوع للطغاة الوثنيين سواء كانوا حكاما أو فلاسفة، كذلك اليهودية قبلها فرضت تعاليم البابليين الوثنيين بقوة السلطان الوثني وهذا معروف للباحثين في علم مقارنة الأديان، وهذا باب شر عظيم إذا فُتح على الأمة أذلها الله –ونسأل الله لها العزة والرفعة-.
لقد استعبد فرعون بني اسرائيل وجعلهم عبيدا له وخدما حتى تربعت العبودية لغير الله على سويداء قلوبهم، فحينما جاء موسى –عليه السلام- ليحررهم من عبوديتهم لفرعون لم يقبلوا ذلك وأغلقوا قلوبهم في وجه العبودية لله –سبحانه- في الوقت الذى فتحوها لعبادة غير الله من بشر وحيوان وجماد…
فبعد أن خلصهم الله ونصرهم وأعزهم وفضلهم على العالمين تركوه من أجل عجل صنعوه بأيديهم!.
لقد جاءهم موسى ليخلصهم من الذل والهوان الذى يذوقونه في كل لحظة أشكالا وألوانا، وفضلهم الله على العالمين ليشعروا بالعزة والكرامة، وجعل لهم قيمة وكيانا، وجعل رؤوسهم تقابل رأس الفرعون، ويطالب لهم موسى – عليه السلام- بحقوقهم المسلوبة، ومع ذلك كانوا كلما وقعوا في اختبار فضّلوا أن يرجعوا عبيدا لغير لله، عبيدا لفرعون وجنده يأتمرون بأمره وينتهون بنهية ويركعون تحت قدميه، وأنقل لكم بعض النصوص على ذلك ومن كتبهم:
يخبرنا سفر الخروج بالنص التالي: “وقالوا لموسى هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البرية ماذا صنعت بنا من مصر أليس هذا هو الكلام الذى كلمناك به في مصر قائلين كف عنا فنخدم المصريين لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية ” (الخروج 14 / 11 ، 12).
قالوا له ذلك حين رأوا البحر أمامهم والفرعون خلفهم، هو يريد أن يموت تحت أقدام فرعون عبدا ذليلا مهانا، ولا يريد أن يموت مع موسى حرا كريما مهابا.
ومع ذلك نجّاهم الله وعبر بهم موسى –عليه السلام- البحر، وأغرق الله فرعون وجنده أمام أعينهم، فهل تخلص بنو اسرائيل من عبوديتهم للظالمين والمتكبرين في الأرض وأقبلوا على عبودية الله –تعالى-؟
لا لم يحدث ذلك أبدا!
بل يحكي لنا كتابهم أنهم أصابهم الجوع فاشتاقوا إلى العبودية، لأنه خير لهم أن يموتوا عبيدا من أن يموتوا أحرارا، يقول سفر الخروج: “وقال لهما بنو اسرائيل ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزا للشبع فإنكما أخرجتمانا إلى هذا القفر لكى تميتا كل هذا الجمهور بالجوع ” (الخروج 16 / 3).
تفكير حيواني، يريد أن يأكل ويشرب كالحيوان ويُضرب ويُشتم من سيده وصاحبه.
ومع ذلك لأن الله يريد لهم الخير، ويريد أن ينقلهم من دائرة الخضوع للمخلوق إلى دائرة الخضوع للخالق، أنزل عليهم المنّ والسلوى من السماء حتى لا يجعل لهم حاجة إلا إليه فطلبوا الفول والعدس والبصل كما كانوا يأكلون عند سيدهم فرعون!
أصابهم العطش فماذا قالوا؟
يجيبنا سفر الخروج الذى سطروه بأيديهم: “وعطش هناك الشعب إلى الماء وتذمر الشعب على موسى وقالوا لماذا أصعدتنا من مصر لتميتنا وأولادنا ومواشينا بالعطش فصرخ موسى إلى الرب قائلا ماذا أفعل بهذا الشعب بعد قليل يرجمونني” (الخروج 17/ 3 ، 4).
هل أدركتم الآن إخواني الدعاة لماذا أتى الله بلقب (عبد) ولم يأت بلقب (رسول)؟
إن خروج الفرد من عبوديته لله –تعالى- يجعله فاسد الفكر مريض القلب ذليل النفس، أو يجعله مفسدا في الأرض ظانا في نفسه السيادة المطلقة.
إن العبودية ذل، لكن عبوديتنا لله –تعالى- رفعة وحرية.
إنها رسالة لنا نحن الدعاة قبل أن تكون رسالة لأي إنسان آخر.
لقد أطلت في هذه النقطة لأهميتها –ولم أعطها حقها- لأن كل مصيبة أساسها الخضوع لغير الله –تعالى- من شياطين الإنس والجن، وكل نجاة في الخضوع التام الكامل لله وحده.
فيا أخي الداعية الكريم نستفيد من قول الله –تعالى- في آية الإسراء: “بِعَبْدِهِ” أن تغرس الحرية والعزة والكرامة في نفوس أتباعك ومريديك، وأن تدخلهم في دائرة العبودية والذل والخضوع لله وحده، وأن تخلصهم من كل عبودية لغير الله، فإن المريض بعبودية غير الله لن يتذوق حلاوة الدين ولن يخضع لشريعة رب العالمين ولن يقيم دولة الإسلام ولا شريعته، وهذه مسئولية العلماء والدعاة التي سيسألون عنها أمام الله.
كذلك هي رسالة للدعاة أنهم إذا أرادوا بناء الشخصية الإسلامية فعليهم أن يقاوموا الاستبداد واستعباد العباد وإفساد البلاد لتظل العبودية الكاملة لله وحده.
وهي رسالة أيضا أن يستخدم الدعاة أسلوب رفع معنويات المدعوين وإشعارهم بالتكريم والتشريف حتى يفتحوا قلوبهم ويهيئوها لاستقبال أوامر الله –تعالى