سِرُّ ذِي الْكِفْلِ!!
6 يناير، 2026
منبر الدعاة

بقلم الدكتور إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام المصرية
قليل منا من يعرف قصة نبي الله ذي الكفل عليه السلام؛ وذلك لندرة ذكره في كتاب الله؛ حيث لم يذكر إلا مرتين الأولى في سورة (الأنبياء)، والثانية في سورة (ص)، وللحقيقة فإن قصة نبي الله ذي الكفل لا تُختزل في مجرد سردٍ تاريخيٍ لشروطٍ تعبديةٍ قاسيةٍ، كما ذكر بعض المفسرين، بل كانت قصته هي معركة إرادةٍ كبرى، وقاعدة كونية تُثبت أنه “لا مستحيل مع الإصرار”.
فسيرة ذلك النبي المكنون الذي طويت تفاصيل حياته في ظلال الصمت، يبرز منها جوهر الصبر وجلال العهد.
حيث أن ذا الكفل عليه السلام ألقى على عاتقه مسئولية كبيرة تتطلب نوعًا خاصًا من العزيمة؛ وتتمثل هذه المسئولية فيما تناقله المفسرون وأرباب السير في رواياتهم المستفيضة حول “الكفالة” العظمى التي قطعها على نفسه أمام نبي الله “اليسع” بأن يخلفه في رعاية شئون بني إسرائيل، ملتزمًا بثلاثة عهودٍ لا ينقضها؛ ألا وهي: أن يصوم النهار، ويقوم الليل، وألا يغضب أبدًا وهو يقضي بين الناس.
فالمسئولية هنا -كما تذكرها المصادر التاريخية والآثار المروية في سبب تسميته بذي الكفل- لم تكن مجرد نُسكٍ خاص، بل كانت عبئًا إداريًا وقياديًا يستوجب حضور القلب وصفاء الذهن لسياسة الخلق بالعدل تحت وطأة الجوع والتعب والسهر، فكان عليه أن يجمع بين هيبة الحاكم وسكينة العابد، وهي مرتبة لا يطيقها إلا ذوو العزم، وقد أثنى الله عليه في محكم التنزيل مقرونًا بسادة الصابرين فقال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 85-86]. وتتجلى في هذا السياق روعة كونه نبيًا مكنونًا، حيث لم تذع تفاصيله إلا بما يخدم جوهر الاختبار، فكانت حياته مثالاً للمرابط الصامد الذي يحفظ عهده مع الله بعيدًا عن صخب الشهرة، جاعلاً من صمته وسكينته عبادةً تُناطح الجبال شموخًا.
تجلت عظمة ذي الكفل في صموده الأسطوري أمام محاولات الشيطان (إبليس) الذي جنّد كل حيله ووساوسه لكسر إرادته وتحطيم عهده، وهو التحدي الذي خاضه هذا النبي المكنون بقلبٍ بصير.
لقد علم الشيطان أن مدخل ذي الكفل هو “الغضب” الذي قد يُفسد المسئولية ويُعطل مصالح الناس، فحاول مرارًا أن يستدرجه إلى هذه البئر العميقة؛ ليُفشله في عهده أمام ربه وأمام نبي الله اليسع.
كان ذو الكفل ينام قليلاً بعد تعب الصيام الطويل والقيام المجهد، وفي أشد لحظات حاجته للراحة البدنية، كان الشيطان يأتيه في صورة شيخٍ هرمٍ، يشكو إليه خصومة وهمية، ويطيل في الحديث بتفاصيل مملة ومستفزة، ويعيدُ الكرّة بعد الكرّة في وقت القيلولة، قاصدًا من ذلك إنهاك جسده واستثارة أعصابه وتفويت راحته؛ ليغضب ويفقد وقاره، ظنًا منه أن استثارة النفس البشرية المجهدة أمرٌ يسير، ولكن هيهات أمام نبيٍّ صان عهد ربه، فجعل منه حصنًا مكنونًا لا يُخترق.
لكن ذي الكفل، بحكمته وإصراره، كان يدرك أن كل استفزاز هو اختبار لعزيمته، ممتثلاً وصية النبي ﷺ حين قال: “ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” (متفق عليه).
لم يكن غرضه مجرد اجتياز الاختبار، بل كان يضع نصب عينيه أن الإصرار هو سرّ النجاح، والطريق الوحيد لتحويل الأحلام إلى واقع ملموس يفتخر به الإنسان.
فحين يمتزج العزم بالإرادة، تُكسر الحواجز وتُفتح الأبواب المغلقة، ومن يصرّ على الوصول، لا تعيقه العقبات بل تزيده قوةً وصلابةً، وهذا هو ديدن الأنبياء في الحفاظ على الأمانة والمسئولية الملقاة على عواتقهم.
لقد كان الشيطان يظن أنه قادر على إيقاعه في فخ الاستسلام، لكنه وجد جبلاً من الصبر لا تذروه الرياح، فكلما زادت المحاولات الخبيثة من الشيطان الرجيم، زاد ذو الكفل حلمًا ووقارًا، ليتحقق فيه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201].
إن هذا الحِلم النبوي لم يكن ضعفًا، بل هو القوة الكامنة في النبي المكنون الذي عرف كيف يَسوسُ نفسه، ويقهر عدوه بالسكينة والإعراض عن لغو الجاهلين، مُبرهنًا على أن سمو الروح وقوة الاتصال بالخالق هما الدرع الحصين ضد نزغات الشيطان.
لقد انتصر ذو الكفل في معركة “اللامستحيل مع الإصرار”، محطّمًا كيد الشيطان بيقينه وصبره، ومؤكدًا أن العهد أمانة غالية وتكليف عظيم، كما قال سبحانه: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعهدَ كَانَ مسئولاً} [الإسراء: 34].
وكلما اشتدت الضغوط المحيطة به، تجلى معدنه الحقيقي في السمو والترفع، ليترك لنا درسًا خالدًا عبر الأزمان: أن القمة لا تُنال بالراحة، وأن بئر الغضب لا ينجو منها إلا من تسلح بعزيمة لا تلين، جاعلاً من إصراره سدًا منيعًا يحميه من السقوط في فخ العجز والندم.
إن قصة ذي الكفل هي البرهان الساطع على أن النفس البشرية قادرة على ترويض أعتى الصعاب؛ إذا ما اتصلت بخالقها، وآمنت بأن طريق النجاح يُعبدُ فقط بالإصرار والعمل الدءوب.
وسيبقى ذو الكفل النبي المكنون رمزًا للسر الإلهي في الصبر، والآية الكبرى في كظم الغيظ، والوفاء بما عاهد الله عليه؛ لتظل سيرته منبعًا رقراقًا لكل من أراد أن يبلغ منازل الصالحين بصدق العهد وقوة الصبر والترفع عن صغائر الأمور.