التكفير.. اللعنة المقدسة !
4 يناير، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

المقال التاسع عشر من سلسلة رواية (قرن الشيطان)
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
ظلال لا تنطفئ :
بعد أن انطفأ جسد محمد بن عبدالوهاب، لم ينطفئ أثره. بل بدا وكأن وفاته فتحت الباب أمام عهد جديد من صراعات التفسير، واحتكار الحقيقة، وارتجاف الهوية الدينية أمام سلطانٍ خفي يتسلل من الكتب إلى العروش، ومن الفتاوى إلى فوهات البنادق.
لم يُدفن محمد بن عبدالوهاب كشخصٍ فحسب، بل كرمزٍ محمّلٍ بوزن قرون. وكان قبره، رغم بساطته، يثير من الجدل ما لم تثره قبور الملوك.
لم يكن الناس يسيرون على تراب الدرعية كما كانوا من قبل. أصبحت الطرقات تُشبه الأزقة التي مرّ بها ذات يوم، فحوّلها إلى مسالك لـ “نهي عن المنكر”، وأسواق أُغلقت باسم “الشبهة”، وأضرحة اندثرت تحت معاول “البدعة”.
في الأشهر الأولى بعد وفاته، بدأ عبدالعزيز بن محمد بن سعود، الرجل الذي أصبح إمام الدولة، بإعادة تشكيل المشهد بالكامل. لم يكن عبدالعزيز رجل دين، لكنه كان ابن اللحظة السياسية الذكية. كان يعرف أن الحفاظ على سلطة الدولة لا يتم عبر السيوف وحدها، بل عبر العمائم التي تعطي للدم شرعية، وللإقصاء اسمًا مقدسًا.
جمع فقهاء الدعوة، وأعاد ترتيب أوراق النفوذ. لكن شيئًا كان مقلقًا في الهواء… الإرث الثقيل الذي تركه محمد بن عبدالوهاب لم يكن إرثًا بسيطًا، بل كان تيارًا بأكمله، مكتوبًا وموثقًا، يُدرّس ويُحفّظ، ويُطبع في صدور الأطفال.
أما تلامذته، فقد انقسموا بصمتٍ إلى معسكرين:
الأول، أتباع مخلصون يرون أن الشيخ لم يمت، بل خلّد دعوته في الأرض، وأن على الدولة أن تمضي قدمًا في نشر “رسالة التوحيد” كما فهمها هو، بلا مهادنة ولا توقف.
والثاني، أكثر حذرًا، وأقل صخبًا، بدأوا يتهامسون:
«هل بالغ الشيخ؟ هل تحوّل الحزم إلى غلو؟ هل كانت جميع الغزوات حقًا ضد “الشرك”، أم أن بعضها كان ضد من قال: لا؟»
لكن تلك الأسئلة، في عهد عبدالعزيز، لم تكن مرحّبًا بها. فمن يخالف يُتهم بالريبة، ومن يتردد يُشمّ في نَفَسه “ضعفٌ في العقيدة”.
ثم جاء عام 1803، وحمل معه مشهدًا عنيفًا:
غزا عبدالعزيز مكة، ورافق الغزو أتباع الدعوة. دخلوا الحرم، وهدموا كل ما لا يوافق تفسيرهم “للتوحيد الخالص”. سُلبت خزائن الحرم، وقطعت رؤوس من سمّوهم “مشركين”، وحُذفت طبقات من الذاكرة الشعبية في مكة باسم “تطهير الدين”.
ولم يكن المشهد أقل رعبًا في الطائف، حين اجتاحها مقاتلو الدولة، ووقعت مجزرة في أهلها، سُمّيت لاحقًا في كتب الخصوم بـ”مجزرة الطائف الكبرى”.
وفي كل ذلك، كان اسم محمد بن عبدالوهاب يُتلى، لا باعتباره الفقيه الميت، بل الملهم الحي. كانت كتبه تُحمل كوثائق حرب، وفتاواه تُقرأ على أبواب المدن قبل اقتحامها.
في المدينة المنورة، بدأ السكان يتوجسون. كانوا يخشون أن يحلّ عليهم ما حلّ بمكة. وبدأت رسائل علماء المدينة تصل إلى الدولة العثمانية، يستغيثون، ويطلبون التدخل لوقف “الزحف الوهابي”.
في تلك الرسائل، يظهر توصيف جديد:
«فرقة خرجت من نجد، تكفر المسلمين، وتستحلّ دماءهم، وتنتسب إلى رجل يدعى محمد بن عبدالوهاب…»
هكذا بدأت الدعوة تُرى من خارجها: لا كإصلاح، بل كخطر، لا كصحوة، بل كمحرقة.
في هذا المناخ، نشأ جيلٌ جديد، لا يعرف محمد بن عبدالوهاب إلا في صورته النمطية: المجدد… أو المهدم، بحسب موقع القارئ.
لكن واحدًا من حفدته، شاب اسمه “حسين بن محمد”، كان أكثرهم اضطرابًا.
كان حسين قد قرأ كل ما كتبه جده، لكنه تساءل:
– «هل يمكن لنصٍّ ديني أن يعيش بلا سياق؟ هل من العدل أن نقاتل الناس بتأويل شيخ، ونجعل من فهمه للآية قانونًا؟»
وحين سمع بجده يُمدح في المجالس، قال لأحد أصدقائه:
– «قد يكون جدي مخلصًا في قصده، لكن ماذا عن نتائج أفعاله؟ هل سيسأل يوم القيامة عما كتب… أم عما فُعِل باسمه؟»
لكن لم يكن مسموحًا بمثل هذه الأسئلة.
في أحد المجالس، دار حوار بين عالم نجدي اسمه عبد الرحمن بن حسن – حفيد الشيخ – وبين زائر من مكة:
– «أتقولون إن الشيخ هو المجدد؟»
– «بل هو منقذ التوحيد من الشرك.»
– «لكن التوحيد لم يكن غائبًا في مكة، ولا في المدينة، ولا في الشام، ولا في مصر… فلماذا استبحتم الدم؟»
– «التوحيد عندنا ليس هو التوحيد عندهم.»
– «وهل لله أكثر من توحيد؟»
لم يجب عبد الرحمن، بل التفت وقال:
– «أنت تسأل بلسان الخصم… لا بلسان المؤمن.»
وهكذا، ومع مرور الأعوام، ظل أثر محمد بن عبدالوهاب يتردد في كل مشهدٍ يُطلق فيه الحكم على الناس بناءً على ظاهر فعل، أو يُؤسس فيه منهج إقصائي يُقصي المخالف بفتوى، أو يُشرّع العنف الديني باسم “المناصحة”.
وسواء رضي بذلك أو لم يرض، فقد تحوّلت دعوته إلى مشروعٍ مركّب، اختلط فيه الإيمان بالحكم، والسجادة بالكرسي، والآخرة بالسلطة.
وبينما ظنّ البعض أن نهاية محمد بن عبدالوهاب كانت وفاته، رأى كثيرون أن نهايته بدأت لحظة تحوّلت دعوته من اجتهاد إلى يقين مطلق، ومن فهمٍ بشري إلى وحيٍ غير منزل، ومن نصيحة إلى راية حرب.
في الختام ، كتب أحد المؤرخين الحجازيين، في كُتيب صغير طُبع في الهند:
لم يمت محمد بن عبدالوهاب، بل أعيدت صياغته… قُدّس في موطنه، ورُجم في خصومه، لكن الحقيقة، كما نراها، أن الشيخ كان بشرًا، اجتهد، وغلب عليه الهوى، ووقعت في عصره فتنٌ عظيمة، كان أولها: أن ظنّ أحدهم أنه وحده على حق.
ـ اللعنة المقدسة :
كان وقع الكلمات الأخيرة في كتيب المؤرخ الحجازي كضربة ناقوس في فجر خامل. انتشرت نسخ الكتيب بين الحجاج والتجار، تسلل إلى حارات مكة، وتداولته الألسن في المدينة، حتى وصل إلى نجد خفيةً كما تصل الرسائل الممنوعة. لم يكن ما كُتب فيه جديدًا، لكنه كان جريئًا، صادمًا، وجاء في لحظة كان الناس يتوسدون فيها صورة الشيخ وكأنها مرآة لا تعكس سوى النقاء والطهارة.
لكن الحقيقة كانت قد بدأت بالتسرب، لا كثورة، بل كشكّ، كاهتزاز خفي في إيمانٍ بنيَ على يقين مطلق.
في الدرعية، كان عبد الله بن سعود قد ورث الإمامة بعد اغتيال والده عبد العزيز بن محمد على يد أحد الحجاج الشوام في مكة عام 1803. كانت الطعنة التي أودت بحياة الإمام ليست مجرد ردّ فعل فردي على الغزو الوهابي لمكة والطائف، بل تعبيرًا عن احتقانٍ دام سنوات.
عبد الله لم يكن كوالده، لا دهاءً ولا قبضة، ومع أن مشايخ الدعوة التفّوا حوله، إلا أن السلطة صارت أثقل من أن يحملها دون تصدّعات.
في حلقات العلم، بدأ التلاميذ يسألون أسئلة لم تكن تُطرح من قبل:
– «هل يكفي أن نسمي الآخر مشركًا لنباح عليه السيوف؟»
– «أين تقع الرحمة في كتب جدنا الشيخ؟»
– «هل كل أهل الأرض ضلّوا ونحن وحدنا على الصواب؟»
في البداية، كانت هذه الأسئلة تُكبح بالصمت، ثم بالوعظ، ثم بالتخويف. لكن حين لم ينفع شيء، عاد خطاب التهديد والوعيد، هذه المرة باسم الدولة لا باسم الدين فقط.
في المقابل، كان السلطان العثماني محمود الثاني يتلقى تقارير دورية من الشام والحجاز، وكلها تتحدث عن التمدد الوهابي. فالدولة السعودية الأولى لم تعد مجرد كيان محلي، بل تهديد صريح للسيادة العثمانية في الحجاز.
حين سقطت كربلاء بيد الوهابيين عام 1802، لم تكن الخسارة عسكرية فحسب، بل دينية ورمزية. جرى نهب المدينة، وقتل المئات، وهدم الأضرحة، بما فيها ضريح الإمام الحسين. انتشرت القصص بين المسلمين من الهند إلى المغرب، وتحوّل اسم محمد بن عبدالوهاب من رمز للتجديد إلى رمز للهدم والتكفير.
كان القرار قد نضج في إسطنبول. أمر محمود الثاني والي مصر، محمد علي باشا، أن يتحرك. لم يكن اختيار محمد علي عشوائيًا، فقد كان رجلًا ذا طموح، ذكيًا، حازمًا، ويبحث عن شرعية توسعية. فرأى في مواجهة الوهابيين فرصة لتوسيع نفوذه بإذن الدولة، وتحقيق مكسب سياسي يرفع اسمه في سجل التاريخ.
بدأ الزحف.
قاد حملةً أولى بقيادة ابنه طوسون باشا، فدخل الحجاز، واستعاد مكة والمدينة. ثم أُتبعت بحملة ثانية قادها ابنه الأكبر إبراهيم باشا، وهذه كانت الأعمق، والأقسى.
زحف الجيش المصري عبر صحراء نجد، مدعومًا بالعتاد الأوروبي والتكتيك الحديث، في مواجهة جيوش الوهابيين التي كانت تقاتل تحت رايات مكتوب عليها: “لا إله إلا الله”.
الرايات كانت واحدة، لكن التأويل مختلف، والنية مختلفة، والدم واحد.
في كل قرية ومدينة يدخلها إبراهيم باشا، كان يجد آثار دعوة محمد بن عبدالوهاب محفورة في الناس: فتوى هنا، جدار كتب عليه حديث هناك، مؤذنون يلعنون المخالفين، وقصص عن قبور هُدمت ومقامات دُفنت.
كانت الدولة قد نجحت في تحويل دعوة دينية إلى بنية حياتية. لم يعد الناس يعرفون إسلامًا غيره. فحين دخل إبراهيم باشا بعض القرى، سأل شيخًا من أهلها:
– «منذ متى تتبعون هذه الدعوة؟»
فأجابه الشيخ وقد انحنى ظهره:
– «منذ أن صار الدعاء على النبي بدعة… والبكاء على الموتى شرك… والرحمة تُعطى بشروط الفقهاء.»
في عام 1818، وبعد معارك ضارية، حوصرت الدرعية.
صمدت شهورًا، لكن القصف، والقطيعة، والجوع، وفقدان الحلفاء جعلها تتهاوى شيئًا فشيئًا. في نهاية المطاف، دخلها إبراهيم باشا، ووقعت الدولة السعودية الأولى.
دُمّرت الدرعية عن بكرة أبيها. أُحرق القصر، وهُدمت البيوت، وأُعدم قادة الدولة. أما الإمام عبد الله بن سعود، فقد أُرسل إلى إسطنبول، وهناك، في مشهدٍ يحمل رمزية نهاية “الحلف الملعون”، أُعدم علنًا في ساحة آيا صوفيا.
لكن ما لم ينتهِ هو اسم محمد بن عبدالوهاب.
رغم انهيار الدولة، ظل اسمه حيًا في القلوب. صار البعض يراه شهيدًا، وآخرون يرونه كارثة. واختلفت التفاسير حتى بين أبنائه وأحفاده.
فالحفيد سليمان بن عبد الله كتب رسائل تؤكد على نقاء منهج جده، ودافع عنه بشراسة، حتى بعد سقوط الدولة. بينما حفيد آخر، لم يعلن التبرؤ، لكنه اتخذ موقفًا صامتًا، مكتفيًا بالعلم دون السيف.
في هذه المرحلة، بدأت أوروبا تراقب.
فقد أثارت الدعوة الوهابية انتباه المستشرقين. كتب عنها “رايتر” و”بوركهارت” و”بلجراف”، وبدأ يظهر في كتبهم وصفها بـ”الإصلاح الإسلامي المتشدد”، ثم بـ”السلفية المتزمتة”. لكن بعضهم، ممن زاروا نجد، كتب بدهشة:
ـ «إنهم أناس طيبون، لكن عيونهم لا تضحك، وكأنهم يرون في الضحك نقصًا في التوحيد.»
في المخيال الشعبي العربي، بدأت الحكايات تتشكل.
منها حكاية عن بدويٍ دخل على محمد بن عبدالوهاب يومًا فقال له:
– «يا شيخ، يقولون إنك كفّرت الناس كلهم.»
فأجابه الشيخ:
– «بل أرجو أن أكون هديتهم إلى الصواب.»
فقال البدوي وهو يغادر:
– «الصواب الذي يُراق بسببه الدم… أهو صواب أم قدر؟»
وتبقى “اللعنة المقدسة”، كما أسماها أحد المؤرخين المصريين لاحقًا، تتردد:
هل كان محمد بن عبدالوهاب مُجدّدًا سعى إلى نقاء الدين، أم رجلًا أراد أن يكون نبيًا في عصرٍ لا أنبياء فيه؟
هل كان مخلصًا، أم مدفوعًا برغبةٍ جامحة للسلطة تحت قناع الإصلاح؟
هل كانت دعوته ضرورة… أم خطأ لم تصحّح تبعاته حتى بعد قرنين؟
في نهاية هذا الفصل، يُسجل مؤرخ من بلاد الشام، عاش لاحقًا في القرن العشرين، هذه الجملة:
«لم يكن محمد بن عبدالوهاب هو المشكلة… بل كانت المشكلة أن من بعده اعتبره آخر من سيفهم الدين.»