خطبة بعنوان ( قيمة الوقت وضرورة المحاسبة عليه ) للشيخ رضا الصعيدي

خطبة بعنوان ( قيمة الوقت وضرورة المحاسبة عليه )
للشيخ : رضا الصعيدي

العناصر :

ما هو الوقت ؟
وكيف كانت المحاسبة عليه ضرورية ؟
وكيف تكون إدارة الوقت ؟
وكيف كانت أحوال السلف الصالح مع الوقت ؟
وما الواجب علينا؟

الحمد لله على جميل نعمائه، وأشكره على جليل آلائه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وأصحابه؛ أما بعد:

جاء في زاد الخطباء ما يلي :

إن الوقتَ هو الحياة، وهو النعمةُ التي تمرّ بنا صامتةً فلا نشعر بثقلها إلا حين تمضي؛ دقائقُه لا تعود، وساعاته لا تُستعاد، يمضي كما يمضي النَّفَس، فإن حُفظ نَمَتِ الحياة، وإن أُهمل تسرّبت الأعمار من بين أيدينا.

والعاقل من جعل وقته ميزانًا لأعماله، فلا يبدّده في لغوٍ عابر، ولا يرهُقُه في فراغٍ قاتل، بل يزرعه جهدًا فيحصد أثرًا، ويجعله سُلّمًا يرتقي به نحو غايةٍ نبيلةٍ، فالوقت إذا أُحسن استغلاله بورك في القليل، وإذا أُسيء استخدامه ضاع الكثير.

وما خسر إنسانٌ شيئًا أعظمَ من ساعةٍ مضت بغير نفع، ولا ربح نجاحًا أصدق من لحظةٍ وُظّفت في علمٍ أو عملٍ أو خير، فالوقت روح الإنجاز، وسرّ التفوّق، ومن عرف قيمته أدرك أن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بما امتلأت به من أثرٍ وعطاء.

أقسم الله بالزمان لشرفه وعظم شأنه:

وقد أقسم الله تعالى به في مواضعَ كثيرة من كتابه العزيز، تنبيهًا إلى عِظَم شأنه، وإيقاظًا للقلوب الغافلة عن خطر ضياعه، فقد أقسم الله بالزمن في صورٍ متعددة، بالفجر، والضحى، والعصر، والليل والنهار، ولا يُقسِم الله إلا بعظيم، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الوقت هو رأس مال الإنسان، وأن الخسارة الحقيقية إنما تكون بتفريطه فيه.

أعمارنا قصيرة :

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ» [رواه الترمذي وحسنه].

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “ما ندمت على شيء ندامتي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي” [فصل الخطاب].

وقال الفُضيل بن عياض لرجل: “كم أتَت عليك؟ قال: ستُّون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة، تسيرُ إلى ربِّك، توشك أن تبلغ، فقال الرَّجل: يا أبا علي، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، قال له الفضيل: تعلمُ ما تقول فقال الرجل: قلت: “إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون”، قال الفضيل: تعلَمُ ما تفسيرُه؟ قال الرَّجل: فسِّره لنا يا أبا علي، قال: مَن عَلِمَ أنَّه عبد الله وأنَّه إليه راجع، فليعلَم بأنَّه موقوفٌ، ومَن عَلم بأنَّه موقوفٌ، فليعلم بأنَّه مسئولٌ، ومَن علم أنَّه مسؤولٌ، فليُعِدَّ للسؤال جواباً، فقال الرجل: فما الحيلة قال: يسيرة، قال: ما هي قال: تُحسنُ فيما بقيَ، يُغفَر لك ما مضى، فإنَّك إن أسأتَ فيما بقي أُخِذتَ بما مضى وما بقي” [حلية الأولياء].

أهمية الوقت :

وقال التابعي الجليل الحسن البصري رضي الله عنه: “يا ابن آدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضُك”.

وقال أيضًا: “أدركتُ أقوامًا على أوقاتهم أشدَّ منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم”.

قصير مهما طال العمر :

(قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) (المؤمنون:113)، قال الله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} اخر ايه في سورة النازعات .. وقال أهلُ السيرِ: حضرتْ الوفاةُ نوحًا عليه السلامُ، فقِيل له يا نوحُ كيف وجدتَ الحياةَ؟ قال والذي نفسي بيدِه ما وجدتُ الحياةَ إلا كبيتٍ له بابان دخلتُ من هذا وخرجتُ من الآخرِ.

الوقت لا يعود:

 (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون:100)… فالوقت يمرُّ مرَّ السحابِ ويجرِى جرىَ الرياحِ، فالأيامُ تمرُّ، والأشهرُ تجرِى وراءَهَا تسحبُ معها السنينَ وتمرُّ خلفَهَا الأعمارُ وتُطْوَى حياةُ جيلٍ بعدَ جيلٍ، ثم بعدَهَا يقفُ الجميعُ بين يدي الكبيرِ.

قال حاتم الأصم رحمه الله تعالى : أربعة لايعرفُ قدرها إلا أربعة : قـدر الشباب لا يعرفه إلا الشيوخ وقـدر العافية لا يعرفه إلا أهل البلاء وقـدر الصحة لا يعرفه إلا المرضى وقــدر الحياة لا يعرفه إلا الموتى(  تنبيه الغافلين ص ٣٩).

ضرورة المحاسبة على الوقت :

قال تعالى : (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (الزلزلة: 7-   8 ).

وقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون:   8  -11) ، وقال : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ الصافات24..

وقال تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿المدثر 38﴾..وعن أبي برزة الأسلمي قال قال رسول الله r: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه﴾ ﴿صحيح الترغيب ﴾ .

يقول تعالى يوم القيامة : ” يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ؛ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ “( مسلم ).

واعلموا ان العقلاء ثلاثة : من ترك الدنيا قبل ان تتركه ، وبنى قبره قبل ان يدخله ، واستعد للقاء الله قبل ان يلقاه ..

لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ المَوت يَسكُنُها  ***  إِلّا الَّتي كانَ قَبل المَوتِ يَبنيها

فَإِن بَناها بِخَير  فازَ  ساكِنُها     ****  وَإِن بَناها بشرّ خاب بانيها

قال ربُّنَا: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون َلَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) (الأنبياء :1 ،2)كلماتٌ تهزُّ الغافلينَ هزًا، كلماتٌ تهزُّ الساقطينَ هزًا ،كلماتٌ تهزُّ اللاعبينَ هزًا، كلماتٌ تهزُّ العاقلينَ ، الحسابُ يقتربُ والساعةُ تقتربُ، والقيامةُ تقتربُ والناسُ في غفلةٍ، والناسُ معرضون لماذَا ؟ لأنّهم في اللهوِ والباطلِ والشهواتِ والمادياتِ غارقون ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ .

من شعر قس بن ساعده :

في الذاهِبينَ الأَوَّلينَ           مِنَ القُرونِ لَنا بَصائِر

لَمّا رَأَيتُ مَوارِداًلِلمَوتِ              لَيسَ لَها مَصادِر

وَرَأَيتُ قَومي نَحوَها       تَمضي الأَصاغِرُ وَالأَكابِر

لا يَرجِعُ الماضي وَلايَبقى            مِنَ الباقينَ غابِر

أَيقَنتُ أَنّي لا مَحالَةَ            حَيثُ صارَ القَومُ صائِر

يا مَن بدنياهُ اشتغلْ *** وغره طولُ الأمل

ولم يزلْ في غفلةٍ *** حتى دنَا منه الأجل

الموتُ يأتي بغتةً ***والقبرُ صندوقُ العمل

 

الاستعداد للمحاسبة على الوقت :

لا تلق الله وانت ظالم :

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ، أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ، أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ، وَظَلَمَ نَفْسَهُ. [أدب الدنيا والدين].

يقولُ علىٌّ بنُ أبي طالبٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ:” مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ وَظَلَمَ نَفْسَهُ”.

  • وعن الأوزاعي رحمه الله أنه قال: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يومًا فيومًا وساعةً فساعةً، فلا تمُرُّ به ساعة لم يذكر الله فيها إلا تقطَّعت نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرَّت به ساعة مع ساعة ويوم مع يوم؛ [المنتظم].

لا تلق الله بعقد الشيطان :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ» [متفق عليه].

لا تلق الله بعذر التسويف :

التسويف: يعني الإكثار من قول سوف أفعل، سوف أصلي، سوف أقضي..الخ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «بَادِرُوا بِالْعَمَلِ هِرَمًا نَاغِصًا، أَوْ مَوْتًا خَالِسًا، أَوْ مَرَضًا حَابِسًا، أَوْ تَسْوِيفًا مُؤْيِسًا» [ابن أبي الدنيا في قصر الأمل، والبيهقي في الشعب].

وقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْعَدَوِيُّ: “كَتَبَ رَجُلٌ مِنَ الْحُكَمَاءِ إِلَى أَخٍ لَهُ: أَخِي إِيَّاكَ وَتَأْمِيرَ التَّسْوِيفِ عَلَى نَفْسِكَ وَإِمْكَانَهُ مِنْ قَلْبِكَ، فَإِنَّهُ مَحِلُّ الْكَلَالَ، وَمُوئِلُ الْمَلَالَ، وَبِهِ تُقْطَعُ الْآمَالُ، وَبِهِ تَنْقَضِي الْآجَالُ”[قصر الأمل لابن أبي الدنيا].

لا تلق الله مضيعا للوقت :

قيل: ان إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها، إذا أراد الله بعبد خيرا أعانه بالوقت وجعل وقته مساعدا ًله، كلما همت نفسه بالقعود، أقامه الوقت وساعده.

قال تعالى : يا بن ادم خلقتك للعبادة فلا تلعب ، وقسمت لك الرزق فلا تتعب.

قيل لعامرُ بنُ قيسٍ لما نامَ على فراشِ الموتِ وهو يبكي قالوا: ما يُبكيكَ؟ قال ثلاثةَ أشياءٍ ليلةً نمتُها، وساعةً غفلتُ عنها، ويومًا أفطرتًه.

قالوا لحسانِ بنِ سنانٍ لما نامَ على فراشِ الموتِ: كيف تَجِدُكَ؟ قال: بخيرٍ أنْ نجوتُ من النارِ، فقال ماذا تشتهِي؟ قال: ليلةً أُحيي ما بين طرفَيهَا بذكرِ اللهِ تباركَ وتعالى.

روى الإمام البيهقي في شعب الإيمان بسند جيد عَن معَاذ بن جبل رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:  لَيْسَ يتحسر أهل الْجنَّة إِلَّا على سَاعَة مرت بهم لم يذكرُوا الله تَعَالَى فِيهَا .

جـﻠﺲ رجل ﻋﻠﻰ شاطئ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻟﻴﻼً قبل ﺍﻟﻔﺠﺮ ﻓﻮﺟﺪ كيساً قد ﻣُﻠِﺊَ ﺑﺎﻟﺤﺠﺎﺭة، ﻓﻤﺪ ﻳﺪﻩ ﻭأﺧﺬ ﺣﺠراً ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻴﺲ ﻭأﻟﻘﺎه في اﻟﺒﺤﺮ فأعجبه ﺻﻮﺕ ﺍﻟﺤﺠﺎﺭة ﻭهي ﺗُﻘﺬَﻑ في ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻓﻌﺎﺩ ﺍﻟﻜﺮة ﻣﺮةً أﺧﺮﻯ، وظل يقذف الحجارة ﻓـي ﺍﻟﺒﺤﺮ ؛ ﻷنَّ ﺻﻮﺕ ﺍﻟﺤﺠﺎﺭة ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺴﻘﻂ في ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻛﺎﻥ ﻳُﺴﻌِﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟرجل، ﻭﻛﺎن ﻧﻮﺭ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻗﺪ ٱﻗﺘﺮﺏ ﻭﺑﺪأ ﻳﺘﻀﺢ ﺍﻟﻜﻴﺲ ﺍﻟﺬي ﺑﺠﻮﺍﺭه ﺣﺘﻰ ﻣﺎ بقِيَ في ﺍﻟﻜﻴﺲ إلّا ﺣﺠراً ﻭﺍﺣﺪاً ﻭﻗﺪ أﺷﺮﻗﺖ ﺍﻟﺸﻤﺲ، ﻓﻨﻈﺮ ﺍﻟﺼﻴﺎﺩ إﻟﻰ ﻫﺬا ﺍﻟﺤﺠر ، ﻓﻮﺟﺪه “ﺟﻮﻫﺮة” ﻭٱﻛﺘﺸﻒ أن ﻛﻞ ﻣﺎ أﻟﻘﺎﻩ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻛﺎﻧﺖ “ﺟﻮﺍﻫﺮ” ﻭﻟﻴﺲ ﺣﺠﺎﺭة ..

ﻭﻇﻞَّ ﻳﻘﻮﻝ ﺑﻨﺒﺮة ﻧﺪﻡ : ﻳﺎ ﻟﻐﺒﺎئي ﻛﻨﺖ أﻗﺬﻑ ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﻋﻠﻰ أﻧﻬﺎ ﺣﺠﺎﺭة ﻷﺳﺘﻤﺘﻊ ﺑﺼﻮﺗﻬﺎ ﻓﻘﻂ!!

ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﻛﻨﺖ أﻋﻠﻢ ﻗﻴﻤﺘﻬﺎ ﻣﺎ ﻓﺮﻃﺖ ﻓﻴﻬﺎ هكذا.

 ( كيس ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ) ﻫﻮ العمر الذي نلقي به ساعه وراء ساعة دون فائدة، (ﺻﻮﺕ ﺍﻟﻤﺎﺀ ) هو متاع الدنيا الزائل وشهواتها ( ظلام الليل ) هو الغفلة، (ظهور الفجر ) ظهور الحقيقة وذلك عند الموت حيث لا رجعة.

أحوال السلف مع الأوقات  :

وهذه باقة عطرة وطرفاً من أحوال السلف؛ تبين لنا مدى حرصهم على الوقت، فقد كانوا يغتنمون أيام دهرهم في عبادة الله، وكانت أوقاتهم عامرة بطاعة الله؛ فهم خير مَن أدرك قيمة الوقت وأهمية العمر، وهم أروع الأمثلة في اغتنام دقائق العمر، واستغلال أنفاسه؛ إنهم عرفوا قيمة الوقت، فاغتنموا أعمارهم وشبابهم وأموالهم وصحتهم؛

 فهذا أبو بكر رضي الله عنه الرجل الذي ما وَجَد طريقاً عَلِمَ أنَّ فيها خيراً وأجراً إلا سلَكها ومَشَى فيها، كما في صحيح مسلم؛ حينما وجَّهَ النبيُّ ﷺ إلى أصحابه بعضَ الأسئلةِ عن أفعالِ الخيرِ اليومية، كان أبوبكر الصديق هو المجيب، قال ﷺ مَن أصبحَ مِنكُم اليومَ صائماً؟ قال أبوبَكر أنا، فقال النبي” فمَن تبِع مِنكم اليومَ جنازة؟ قال أبوبكر: أنا، قال النبي” فمَن أطَعَم منكم اليومَ مِسكيناً ؟ قال أبو بكر: أنا، قال النبي” فمَن عادَ مِنكم اليومَ مريضاً ؟ قال أبو بكر : أنَا، فقال رسولُ الله ﷺ ما اجْتمَعْنَ في امرئ إلا دخَل الجَنةَ ”

هذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله في سنتين ونصف فقط أحدث انقلاباً في حياة الناس، صار الناس في غاية الشغل في العبادة والطاعة، وكانوا في عهد من قبله يسأل بعضهم بعضاً عن القصور، والبساتين، والعمائر، والزراعات، والتجارات، وفي عهد عمر صار الواحد يسأل الآخر عن الختمة، والحجة، والعمرة، والطاعة، فالإنسان يمكن أن يفعل لنفسه ولغيره من النفع العظيم في وقت يسير إذا خلصت النية.

  وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه لما اجتمع عليه أولئك، وأرادوا قتله قالت امرأته إن تقتلوه فإنه كان يحيي الليل كله في ركعة يَجمع فيها القرآن (حلية الأولياء) سبحان الله ختم القرآن خلف المقام في ركعة واحدة؟ نعم يختم القرآن في ليلة واحدة، إنه عثمان؛ الذي قال ابن عباس في قول الله { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ } [ الزمر:9] قال : ذاك عثمان.

    وهذا علي بن أبي طالب مع ما جرى في وقته من الفتن، والمصائب العظام، والحروب بين المسلمين؛ دخل عليه رجل من أصحابه بعد هجعة الليل، وهو قائم يصلي، فقال : يا أمير المؤمنين صوم بالنهار، وسهر بالليل، وتعب فيما بين ذلك، فلما فرغ علي من صلاته قال : سفر الآخرة طويل يحتاج إلى قطعه بسير الليل ( لطائف المعارف)

   وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : قيل لنافع ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال لا تطيقونه! الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما ( سير أعلام النبلاء)

وعن نافع، عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه كان يحيي الليل صلاةً، ثم يقول : يا نافع أسْحَرْنا ؟ فأقول : لا فيعاود الصلاة، ثم يقول : يا نافع أسحرنا ؟ فأقول : نعم فيقعد، ويستغفر، ويدعو حتى يصبح. [ صفة الصفوة].

  وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه كان يقسم الليل ثلاثة أثلاث، فيقوم الثلث الأول، ثم يوقظ امرأته فتقوم الثلث الثاني، ثم توقظ امرأته ابنتهما الوحيدة فتقوم الثلث الأخير!! فلما مات أنس رضي الله عنه حرصت ابنته على أن تقوم الليل كله لله.

  وأما أبو هريرة رضي الله عنه فكان يسبح كل يوم : اثني عشر ألف تسبيحة، يقول : أسبح بقدر ديتي؛ يعني: يفتك رقبته من العذاب بذلك.

وفي صحيح البخاري عن أبي عثمانَ النَّهدي قال : تضيَّفتُ أبا هريرة سبعةَ أيام أي نزلت ضيفاً عليه فكان هو وزوجُه وخادمُه يقتسمون الليل أثلاثاً، الزوجة ثلثاً، وخادمه ثلثاً، وأبو هريرة ثلثاً.

   وهذا عروة بن الزبير، وهو من فقهاء المدينة كان يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف في النهار، ثم يقوم به في الليل، لقد كان يقرأ بمعدل نصف القرآن في يومه، وليلته وما تركه إلا ليلة واحدة حينما قطعت رجله في سفرته المعروفة حينما ذهب إلى الشام ( سير أعلام )

  وهذا سفيان الثوري جلس مع أصحابه مرة، فصار يسألهم رجـلاً رجلاً عن عملهم بالليل ماذا تعملون؟ فأخبروه جميعاً، ثم سكت، فقالوا له : يا أبا عبد الله أخبرناك، فأخبرنا كيف تصنع؟ فقال : لها عندي أول نومة تنام ما شاءت لا أمنعها، فإذا استيقظت فلا أقيلها والله، أي أنه ينام نومة فإذا استيقظ فلا يقيل نفسه، ولا يرجع إلى فراشه مرة ثانية.

 وأما الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة، فكان كما وصفه ابنه عبدالله لا يفتر من الصلاة بين العشاءين، فيصلي بين المغرب، والعشاء، ويصلي بعد العشاء في ورده من صلاة الليل، وكان ساعة يصلي العشاء الآخرة ينام نومة خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح يصلي، ويدعو.

ورآه المروثي مرة يقوم لورده قريباً من نصف الليل حتى يقارب السحر قال : ورأيته يركع فيما بين المغرب، والعشاء، وكان يقرأ في كل يوم سبع القرآن، قلت حتي مع الشيخوخة كانوا لا يفرطون. ( صفة الصفوة )

   وهذا وكيع بن الجراح كان لا ينام حتى يقرأ جزأه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر.

   وهذا طَلْقُ بن حبيب العَنزي : انظر ماذا كان يشتهي؟ قال ابن عينية سمعت عبد الكريم يقول : كان طلق لا يركع إذا افتتح سورة «البقرة» حتى يبلغ « العنكبوت» وكان يقول أشتهي أن أقوم حتى يشتكي صلبي.( سير أعلام النبلاء)

فتأمل أخي عشرون جزءاً في ركعة واحدة، ثم يشتهي أن يقوم ليله حتى يشتكي صُلبه، وكأن صلبه لم يشتك بعد!!

   وهذا صِلةُ بن أشْيَم :  أبو الصهباء قال جعفر بن سليمان: عن  يزيد الرشك، عن مُعاذة، قالت : كان أبو الصهباء يُصلي حتى ما يستطيع أن يأتي فراشه إلا زحفاً ) (أخرجه ابن سعد)

   وهذه مُعاذة بنت عبد الله : زوجة صِلة بن أشْيَم أم الصهباء العدوية البصرية العابدة، روى لها أصحاب الكتب الستة رحمها الله هي وزوجها رحمة واسعة. قال الذهبي : بلغنا أنها كانت تُحيي الليل عبادة، وتقول : عجبت لعين تنام، وقد علمت طول الرقاد في ظلم القبور ( سير أعلام النبلاء)

* وقال الضياء تلميذ الحافظ عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي رحمهما الله : كان شيخنا الحافظ رحمه الله لا يكاد يُضيِّع شيئًا من زمانه بلا فائدة، وقال أخوه الشيخ العماد: ما رأيتُ أحَدًا أشدَّ محافظةً على وقته من أخي.

* وقال موسى بن إسماعيل التبوذكي : ” لو قلتُ لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا لصدقت، كان مشغولاً؛ إما أن يحدث، أو يقرأ أو يسبح أو يصلي، قد قسَّم النهار على ذلك” ( فقل لي بالله عليك، ما تظن أن يموت عليه هذا الرجل؟ قالوا: “مَن عاش على شيء مات عليه”)

* قال يونس المؤدب : “مات حماد بن سلمة في الصلاة في المسجد” ( قيمة الزمن )

وهذا أبو نعيم الأصفهاني؛ كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، وكل يوم نوبة واحد منهم، يقرأ ما يريده إلى قبيل الظهر على الشيخ، فإذا قام إلى داره ربما يُقرأ عليه في الطريق جزءٌ وهو لا يضجر…وقال الحافظ الذهبي في ترجمة الخطيب البغدادي كان الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه.

وكان ابن عساكر رحمه الله كما يقول عنه ابنه : لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع والتسمية حتى في نزهته وخلواته، يصطحب معه كتب العلم والمصحف يقرأ ويحفظ.

عباد الله : حفظ الوقت من أعظم ما يرى أثره في الدنيا قبل الآخرة؛ فالوقت أنفس ما تملك، وهو أغلى من الذهب والفضة والجواهر، فاحفظ أوقاتك، واغتنم زمانك، فرأس مالك في هذه الدنيا دقائق وأيام.. هكذا فعل سلفنا، فما حالنا نحن؟ أين نحن من هؤلاء؟! وأين أوقاتنا من أوقاتهم؟

اجلسْ كي تقرأَ جزءًا من القرآنِ اجلسْ مع أولادِكَ تعلمُهُم سنةَ النبيِّ المختارِ استثمرْ وقتَكَ في الدعوةِ إلى اللهِ، استثمرْ وقتَكَ في الإصلاحِ بين الناسِ، استثمرْ وقتَكَ في الإكثارِ مِن الصلاةِ ومن التسليمِ على سيدِ الأنامِ، استثمرْ وقتَكَ في كلِّ طاعةٍ تقربُكَ من مولَاك

وقُلْ: يا نفسُ إنّ العمرَ هو بضاعتِي إذا ضاعَ عمري ضاعَ رأسُ مالِي ولا أربحُ أبدًا

يا نَفسُ قَد أَزِفَ الرَحيلُ        وَأَظَلَّكِ الخَطبُ الجَليلُ

فَتَأَهَّبي يا نَفسِ لا            يَلعَب بِكِ الأَمَلُ الطَويلُ

فَلَتَنزِلِنَّ بِمَنزِلٍ             يَنسى الخَليلَ بِهِ الخَليلُ

وَلَيَركَبَنَّ عَلَيكِ في          هِ مِنَ الثَرى ثِقلٌ ثَقيلُ

قُرِنَ الفَناءُ بِنا فَما        يَبقى العَزيزُ وَلا الذَليلُ

يروى أنه كان في بني اسرائيل شاب عبد الله عشرين سنة ثم عصى الله عشرين سنة ثم رأى في المرآه فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك ؛ فقال : يا الله عبدتك عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة أفإن رجعت إليك أتقبلني ؟ فناداه المنادي أرحم الراحمين : أحببتنا فأحببناك ، تركتنا فتركناك .. عصيتنا فأهملناك .. وإن رجعت إلينا قبلناك

جاء في كتاب المسك والعنبر :-قال الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ:” صحبتُ الصوفيةَ انتفعتُ منهم بكلمتينِ. يقولونَ: الوقتُ سيفٌ، فإنْ قطعتَهُ وإلا قطعَكَ، ونفسُكَ إنْ لم تشغلْهَا بالحقِّ شغلتْكَ بالباطلِ”.انظر مدارج السالكين .

-قيل لسفيانَ الثوريِ: اجلسْ معنا نتحدثُ. قال: كيف نتحدثُ والنهارُ يعملُ عملَهُ، ما طلعتْ الشمسُ إلا كانتْ شاهدةً على العبادِ فيما فعلُوا ؟!!

-سألُوا الخليلَ بنَ أحمدَ الفراهيدِي -رحمَهُ اللهُ -: ما هي أثقلُ الساعاتِ عليكَ؟

قال: ساعةٌ آكلُ فيها.

-كَانَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ يَشْرَبُ الْفَتِيتَ وَلَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: بَيْنَ مَضْغِ الْخُبْزِ وَشُرْبِ الْفَتِيتِ قِرَاءَةُ خَمْسِينَ آيَةً ..

-يقولُ عبدُ الرحمنِ ابنُ الإمامِ أبي حاتمٍ الرازيِ ” ربَّمَا كان أبي يأكلُ وأقرأُ عليه، ويمشي وأقرأُ عليه، ويدخلُ الخلاءَ وأقرأُ عليه، ويدخلُ البيتَ في طلبِ شيءٍ وأقرأُ عليه “.

-يقولُ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمَهُ اللهُ:” إنّ الليلَ والنهارَ يعملانِ فيكَ فاعملْ فيهمَا “..

-كان لقمانُ يقولُ لولدِهِ: أي بُنَىّ إنّك مِن يومِ أنْ نزلتَ إلى الدنيا استدبرتَ الدنيا واستقبلتْ الآخرةَ فأنتَ إلى دارٍ تُقبِلُ عليها أَقربُ من دارٍ تَبتعدُ عنها.             

-قال سيدُنِا عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضي اللهُ عنه: إنّي لأمقتُ الرجلَ أنْ أراهُ فارغًا ليس في شيءٍ من عملِ الدنيا ولا عملِ الآخرةِ”.

-قال ابنُ القيمِ -رحمَهُ اللهُ-: إضاعةُ الوقتِ أشدُّ من الموتِ؛ لأنّ الموتَ يقطعُكَ عن الدنيا ، و  إضاعةَ الوقتِ تقطعُكَ عن اللهِ.

روي أن أبا الدرداء رضي الله عنه, وقف ذات يوم أمام الكعبة ثم قال لأصحابه ” أليس إذا أراد أحدكم سفرا يستعد له بزاد ؟ قالوا: نعم, قال: فسفر الآخرة أبعد مما تسافرون !

عباد الله:كان السلف رحمهم الله أوقاتهم موزعة بين العبادة، والتعلم، والحفظ، والتدريس، والتصنيف والإفتاء، وربما كان يُقرأ عليهم في الطريق، ويقرؤون هم في الطريق، وكان الخطيب البغدادي رحمه الله يمشي وفي يده جزء يطالعه، وكان جد شيخ الإسلام إذا دخل المغتسل أمر قارئاً يقرأ ويرفع صوته؛ ليستفيد من العلم وهو يغتسل، وكانوا يأكلون الطعام النيئ أحياناً؛ لضيق الوقت، ويختارون سف الكعك؛ لأنه أسهل وأشد يسراً في البلع، ولا يأخذ وقتاً في المضغ، وربما تعلم واحد منهم المسألة وهو على فراش الموت يحتضر، وقد قالوا: وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا؛ لأن السيادة لها ضريبة في الشغل والانشغال، فإذا لم يدخل فيها المرء بعلم وفقه، فأي شيء يفعل، وكيف يقود؟

وكان الواحد منهم يحفظ كل لحظة من زمنه حتى في حال النـزاع فقد نُقل في ذلك عن ثابت البُناني أنه قال: ذهبتُ أُلقِّن أبي، فقال: يابني دعني؛ فإني في وِرديَ السادس.

كيفية إدارة الوقت وحسن استغلاله :

ان إدارة الوقت وحسن استغلاله يرجع الى عوامل كثيرة منها :  تحديد الأهداف بوضوح، وتحديد الأولويات، ووضع خطة زمنية، والتركيز على المهام، وتجنب التشتت …. الخ  واليك التفصيل :

أولا : الترتيب حسب الأولويات واستعداد النفس لها :

حدّد المهام بناءً على مدى أهميتها وإلحاحها ، وأعطِ الأولوية لما هو مهم وعاجل كما يلي:

1-فالهامة والعاجلة أنجزْها على الفور.

2-والهامة، ولكن ليست عاجلة عليك أن تقرر متى تقوم بهذه المهام.

3-والعاجلة لكن غير مهمة  قم بتفويض هذه المهام إن أمكن.

4-والتي ليست عاجلة وليست مهمة نحِّها  جانبًا لتنجزها في وقت لاحق.

ثانيا : تحديد مواعيد الأشياء الثابتة في كل يوم:

ومما يعين المسلم على تنظيم أوقاته تحديد مواعيد الأشياء الثابتة في كل يوم، فمثلاً: مواقيت الصلاة.. موعد النوم.. موعد الوجبات.. موعد الزيارات.. موعد الجلسات.. موعد المذاكرة.. وهكذا.

ثالثا : مراعاة نشاط النفس واستعدادها :

 يقول ابن الجوزي رحمه الله: لما كانت القوة تكل فتحتاج إلى تجديد، وكان النسخ والمطالعة والتخطيط لابد منه مع أن المهم الحفظ، وجب تقسيم الزمان على أمرين: فيكون الحفظ في طرفي النهار وطرفي الليل، ويوزع الباقي بين عمله في النسخ والمطالعة وبين راحة البدن وأخذ لحظة، ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء، فإنه متى أخذهم فوق حقه أثر الغبن وبان أثره.

يقول الكناني رحمه الله: أجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة وللمذاكرة الليل، وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات، وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطرق وضجيج الأصوات؛ لأنها من خلو القلب غالباً.

رابعا : تحديد وقت معين لإنهاء العمل:

– إن تحديد زمن مُحدد لإكمال المهام يساعدك على أن تكون أكثر تركيزًا وفعالية ، كذلك، يساعدك تحديد مقدار الوقت الذي تحتاج لتخصيصه لكل مهمة في التعرّف على المشكلات المحتملة قبل ظهورها وبهذه الطريقة يمكنك وضع خطط للتعامل معها.

قال الطحاوي في المعتصر: روي عن زيد بن ثابت أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحسن السريانية؟ أنه يأتيني كتب، قال قلت لا، قال فتعلمها، قال فتعلمتها في سبعة عشر يوما، وفي رواية أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم كتاب يهود فما مر بي نصف شهر حتى تعلمت، وقال صلى الله عليه وسلم والله إني ما آمن يهود على كتابة، فلما تعلمت كنت أكتب إلى يهود إذا كتب إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابتهم

خامسا : أخذ قسط من الراحة بين المهام :

– إن القيام بالكثير من المهام دون استراحة، من شأنه أن يشتّت تركيزك ويجعل حماسك يفتر ،  فخذ قسطًا من الراحة أو اذهب في نزهة قصيرة لتصفية ذهنك وتجديد نشاطك.

عن أبي جُحيفة قال: آخى النَّبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – بين سلْمان وأبي الدَّرداء، فزار سلْمان أبا الدَّرداء فرأى أمَّ الدَّرداء متبذِّلة، فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدَّرداء ليس له حاجةٌ في الدُّنيا، فجاء أبو الدَّرداء فصنع له طعامًا فقال: كُلْ، قال: فإنِّي صائم، قال: ما أنا بآكِل حتَّى تأكُل، قال: فأكَل، فلمَّا كان اللَّيل ذهب أبو الدَّرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثمَّ ذهب يقوم، فقال: نَم، فلمَّا كان من آخِر اللَّيل، قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا، فقال له سلمان: “إنَّ لربِّك عليْك حقًّا، ولنفسك عليْك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه”، فأتى النبي – صلَّى الله عليْه وسلَّم – فذكر ذلك له، فقال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((صدق سلْمان))؛ رواه البخاري (1968)..

فيجب على الانسان منا أن يعرف الواحد منَّا نفسَه وطاقتَها، فلا يحمِّلها أكثر ممَّا تُطيق ولا يقْطع عنها عادتها مرَّة واحدة، فهذا مظنَّة الانقطاع وعدم الاستِمْرار، فليس المهمّ: ماذا عمِلْت اليوم بل المهمّ: هل أستطيع الاستِمْرار على هذا العمل؟ وقد نبَّه النَّبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – لِهذا الأمر عدَّة من أصحابِه، كعبد الله بن عمرو حينما نَهاه عن كثرة الصيام والقيام، وقال له: ((فإنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْناكَ ونَفِهَتْ نَفْسُكَ – أي: ملَّت وسئِمت العبادة – لِعَيْنِكَ حَقٌّ ولِنَفْسِكَ حَقٌّ وَلأهْلِكَ حَقٌّ، قُمْ ونَمْ، وصُمْ وأفْطِرْ))؛ رواه البخاري (1153)، ومسلم (1159). .

وقال للحولاء بنت تُوَيْت – وكانت تصلِّي اللَّيْلَ كلَّه ولا تنام -: ((خُذوا من العمل ما تُطيقون))؛ رواه البخاري (1151)، ومسلم (785)..

سادسا : التحلي بالارادة وقوة العزم :

ان أكبر عائق في حياة الإنسان هو ذاته، فإذا كان الفرد إيجابيًا ويسعى للنجاح ،سيتغلب على الصعوبات والمشاكل التي تواجهه.

قال تعالى :  فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)..من سورة آل عمران .

سابعا : تجنب المشاكل والصدامات :

سيدنا عمر قال: «اعتزل ما يؤذيك» ولم يقل: «تحمل ما يؤذيك» لا تتأثّر بالأشخاص المؤذين من حولك مهما بلغت قوّتهم أو مدى حضورهم في تفاصيل يومك، بل حصّن واشغل نفسك بالتفكير الإيجابي ، فان الانشغال بالصدامات تشتت واهدار للوقت .

 اعتزل ما يؤذيك حتى لا يأتي يوم وتندم فيه وتتحسر على حياتك وما فاتك.

الواجب علينا :

أعرف قيمة الوقت :

لتعرف قيمة سنة واحدة، اسأل طالبًا رسب في الامتحان!

لتعرف قيمة شهر واحد، اسأل أمًّا وضعت وليدها في الشهر الثامن!

لتعرف قيمة أسبوع واحد، اسأل رئيس تحرير مجلة أسبوعية!

لتعرف قيمة يوم واحد، اسأل عاملًا بالأجر اليومي يرعى مجموعة أطفال!

لتعرف قيمة دقيقة واحدة اسأل شخصًا فاته القطار!

لتعرف قيمة ثانية واحدة، اسأل شخصًا نجا لتوّه من حادث سيارة!

معرفة أن خير الناس من طال عمره وحسن عمله :

 فعن أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ، قَالَ: “مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ”، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: “مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ”..

استغل الوقت :

كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك) ([1])

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك” ([2]).

وعن الحسن البصري رحمَهُ اللهُ: ما مِن يومٍ ينشقُّ فجرُهُ إلا وهو ينادى بلسانِ الحالِ يا بنَ أدمَ أنا خلقٌ جديدٌ وعلى عملِكَ شهيدٌ فاغتنمنِي، فإنِّي لا أعودُ إلى يومِ القيامةِ.

احذر الحسرة والندامة يوم القيامة:

 حيث لا تنفع حسرةٌ ولا ندامة، يقول الحق تبارك وتعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون:100،99]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ*وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}[المنافقون:10،9].

الخطبة الثانية: الغش في الامتحانات

إن الغِش في الامتحانات من أكثر السُّلوكيات السَّلبية انتشارًا في البيئات التَّعليمية على اختلاف مراحلها، وتكمن خطورة هذا السُّلوك في كونه لا يقتصر على مجرد تجاوز اختبارات دراسية، بل يؤسس لمنظومة فكريَّة مشوَّهة تقوم على الخِداع، وانتهاك الأمانة، وتفريغ التَّعليم من جوهره، مما يؤدِّي إلى إضعاف البنية الأخلاقيَّة والمعرفيَّة للمجتمع.

هذا ما تيسر جمعه في اول خطبة عام 2026  والحمد لله ….
الشيخ رضا  

([1]) صحيح البخاري

([2]) صحيح الترغيب والترهيب