خُطْبَةُ تَحْتَ عٌنْوَانْ ”  قِيمَةُ الْوَقْتِ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ (وَمَخَاطِرُ الْغِشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ) للشيخ : أحمد إسماعيل الفشني 


خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ تَحْتَ عٌنْوَانْ ”  قِيمَةُ الْوَقْتِ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ (وَمَخَاطِرُ الْغِشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ)

للشيخ / أحمد إسماعيل الفشني 
من علماء الأزهر الشريف.


لتحميل الخطبة pdf  اضغط أدناه
qemat alwaqt

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:

 * الْوَقْتُ فِي الْمِيزَانِ الْإِلَهِيِّ وَالْأَقْسَامُ الْقُرْآنِيَّةُ.

 * شُحُّ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِأَوْقَاتِهِمْ (قَصَصٌ وَعِبَرٌ).

 * مَرْحَلَةُ الشَّبَابِ: الْفُرْصَةُ الذَّهَبِيَّةُ وَالْمَسْؤُولِيَّةُ الْمُضَاعَفَةُ.

 * الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: جَرِيمَةُ الْغِشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ (تَدْمِيرٌ لِلْأَمَانَةِ وَالْمُسْتَقْبَلِ).

 * مَوَاقِفُ خَالِدَةٌ فِي النَّزَاهَةِ وَالْأَمَانَةِ

(الْمَوْضُـــــــــــوعُ)

(الْخُطْبَةُ الْأُولَى) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَ الزَّمَانَ لِيَكُونَ مِضْمَاراً لِلسَّابِقِينَ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مَيْدَاناً لِلْمُتَّقِينَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمٍ لَا تُحْصَى، وَأَشْكُرُهُ عَلَى آلاءٍ لَا تُسْتَقْصَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، أَقْسَمَ بِالْعَصْرِ لِيُبَيِّنَ خُسْرَانَ مَنْ ضَيَّعَ الْعُمْرَ فِيمَا لَا يُفِيدُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، كَانَ أَبَرَّ النَّاسِ قَسَماً، وَأَعْظَمَهُمْ لِلْوَقْتِ حُرْمَةً وَهِمَّةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ.. فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهِيَ خَيْرُ زَادٍ لِيَوْمِ الْمَعَادِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْوَقْتَ هُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي تَمْلَؤُونَهُ بِأَعْمَالِكُمْ، فَانْظُرُوا بِمَاذَا تَمْلَؤُونَ أَوْعِيَتَكُمْ؟ إِنَّ هَذَا الْعُمْرَ لَيْسَ إِلَّا رِحْلَةً قَصِيرَةً، وَسَفَراً سَرِيعاً، فَاللَّبِيبُ مَنِ اتَّخَذَ مِنْ أَيَّامِهِ مَطَايَا لِآخِرَتِهِ.

الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الْوَقْتُ فِي الْمِيزَانِ الْإِلَهِيِّ وَالْأَقْسَامُ الْقُرْآنِيَّةُ

أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ، لَقَدْ تَعَدَّدَتِ الْأَقْسَامُ بِالزَّمَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، وَقَالَ: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}، وَقَالَ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}. وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ “مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ” مَوْقِفاً بَلِيغاً لِأَحَدِ الصَّالِحِينَ يَقُولُ: “تَعَلَّمْتُ مَعْنَى سُورَةِ الْعَصْرِ مِنْ بَائِعِ ثَلْجٍ، كَانَ يَصِيحُ فِي السُّوقِ وَيَقُولُ: ارْحَمُوا مَنْ يَذُوبُ رَأْسُ مَالِهِ! ارْحَمُوا مَنْ يَذُوبُ رَأْسُ مَالِهِ!”. فَالْمُؤْمِنُ رَأْسُ مَالِهِ هُوَ سَاعَاتُ عُمْرِهِ، فَإِنْ ضَاعَتْ هَبَاءً فَقَدْ ضَاعَ رَأْسُ الْمَالِ، وَإِنِ اسْتُثْمِرَتْ فَقَدْ رَبِحَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى.

وَيَقُولُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فِي قِيمَةِ هَذِهِ السُّورَةِ: “لَوْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ” (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ). لِأَنَّهَا جَمَعَتْ مَنْهَجَ النَّجَاةِ فِي أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: الْإِيمَانُ، وَالْعَمَلُ، وَالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ، وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ.

​النصائح العملية: «اجْعَلْ لِنَفْسِكَ هَدَفاً وَاحِداً -عَلَى الْأَقَلِّ- فِي كُلِّ يَوْمٍ تَنْفَعُ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ غَيْرَكَ، وَابْدَأْ يَوْمَكَ بِالْبُكُورِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِي الْبُكُورِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لَحْظَةَ الطَّاعَةِ هِيَ الْعُمْرُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي سَيَبْقَى لَكَ.»

الْعُنْصُرُ الثَّانِي: شُحُّ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِأَوْقَاتِهِمْ (قَصَصٌ وَعِبَرٌ)

يَا عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) يَعُدُّونَ ضَيَاعَ السَّاعَةِ دُونَ مَنْفَعَةٍ مَقْتاً، وَدُونَ قُرْبَةٍ خُسْرَاناً.

 * قِصَّةُ سَيِّدِنَا الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَرَاهِيدِيِّ: كَانَ يَقُولُ: “أَثْقَلُ السَّاعَاتِ عَلَيَّ سَاعَةُ أَكْلِي!” (تَارِيخُ بَغْدَادَ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ). أَرَأَيْتُمْ هَذِهِ الْهِمَّةَ؟ كَانَ يَرَى أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَقْضِيهِ فِي مَضْغِ الطَّعَامِ هُوَ وَقْتٌ مُسْتَقْطَعٌ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

 * قِصَّةُ الْإِمَامِ ابْنِ الْخَيَّاطِ النَّحْوِيِّ: ذَكَرَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي “تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ” أَنَّ ابْنَ الْخَيَّاطِ كَانَ يَدْرُسُ فِي كُلِّ أَوْقَاتِهِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ وَالْكِتَابُ فِي يَدِهِ يَقْرَأُ فِيهِ، فَرُبَّمَا صَدَمَهُ حَائِطٌ أَوْ سَقَطَ فِي حُفْرَةٍ مِنْ شِدَّةِ انْشِغَالِهِ بِالْعِلْمِ وَحِرْصِهِ عَلَى أَلَّا تَضِيعَ لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ.

 * مَوْقِفُ الْإِمَامِ الْفَتْحِ بْنِ خَاقَانَ: كَانَ يَحْمِلُ الْكِتَابَ فِي كُمِّهِ، فَإِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِ  الْخَلِيفَةِ لِيَقْضِيَ حَاجَةً أَوْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ مَكَانٍ لِآخَرَ، أَخْرَجَ الْكِتَابَ وَقَرَأَ فِيهِ وَهُوَ يَمْشِي (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ). هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ بَنَوْا حَضَارَةَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَعْرِفُوا “قَتْلَ الْوَقْتِ” بَلْ عَرَفُوا كَيْفَ يُحْيُونَ مَوَاتَ الزَّمَانِ بِالْعَمَلِ.

وَفِي هَذَا يَقُولُ الشَّاعِرُ:

إِذَا مَرَّ بِي يَوْمٌ وَلَمْ أَقْتَبِسْ هُدًى .. وَلَمْ أَسْتَفِدْ عِلْمًا فَمَا ذَاكَ مِنْ عُمْرِي

النصائح العملية: ​«احْذَرْ “لُصُوصَ الْوَقْتِ” وَهُمْ صُحْبَةُ السُّوءِ وَالِانْشِغَالُ الزَّائِدُ بِهَوَاتِفِ الْغَفْلَةِ، وَاجْعَلْ فِي جَيْبِكَ كِتَاباً أَوْ فِي لِسَانِكَ ذِكْراً؛ لِتَسْتَثْمِرَ “فَوَاصِلَ الزَّمَانِ” فِي زِحَامِ الْمُوَاصَلَاتِ أَوْ طَوَابِيرِ الِانْتِظَارِ، فَهَكَذَا صَنَعَ الْعُظَمَاءُ.»

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: مَرْحَلَةُ الشَّبَابِ: الْفُرْصَةُ الذَّهَبِيَّةُ وَالْمَسْؤُولِيَّةُ الْمُضَاعَفَةُ

أَيُّهَا الشَّبَابُ، يَا عِمَادَ الْأُمَّةِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيَسْأَلُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ سُؤَالَيْنِ: سُؤَالاً عَنِ الْعُمْرِ كُلِّهِ، وَسُؤَالاً عَنِ الشَّبَابِ خُصُوصاً.

 * مَوْقِفٌ لِسَيِّدِنَا أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): انْظُرُوا كَيْفَ اسْتَثْمَرَ شَبَابَهُ! لَقَدْ وَلَّاهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِيَادَةَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ كِبَارُ الصَّحَابَةِ كَسَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَكَانَ عُمْرُهُ لَا يَتَجَاوَزُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ (الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ لِابْنِ كَثِيرٍ). لَمْ يَقُلْ أَنَا صَغِيرٌ، أَوْ أُرِيدُ أَنْ أَلْهُوَ، بَلْ حَمَلَ هَمَّ الْأُمَّةِ فِي سِنِّ الْوُرُودِ.

 * قِصَّةُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): مَاتَ وَعُمْرُهُ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً فَقَطْ! لَكِنَّهُ تَرَكَ مِنَ الْمُؤَلَّفَاتِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ عِشْرُونَ رَجُلاً كِتَابَتَهُ فِي قَرْنٍ. كَانَ يَقْرَأُ فِي الْيَوْمِ اثْنَيْ عَشَرَ دَرْساً عَلَى مَشَايِخِهِ، وَكَانَ لَا يَضَعُ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ لِيَنَامَ، بَلْ كَانَ يَأْخُذُهُ النُّعَاسُ وَهُوَ يَكْتُبُ (تَذْكِرَةُ الْحُفَّاظِ).

   يَا شَبَابَنَا، إِنَّ مَنْ أَمْضَى لَيْلَهُ فِي “الْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ” وَنَهَارَهُ فِي “النَّوْمِ وَالْكَسَلِ” كَيْفَ سَيُجِيبُ رَبَّهُ حِينَ يَسْأَلُهُ: عَنْ شَبَابِكَ فِيمَا أَبْلَيْتَهُ؟

فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْوَقْتَ كَالسَّيْفِ إِنْ لَمْ تَقْطَعْهُ قَطَعَكَ، وَأَنَّ النَّفْسَ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ.

النصائح العملية: ​«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، اسْتَثْمِرُوا هَذِهِ الْقُوَّةَ فِي تَعَلُّمِ مَهَارَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ نَافِعَةٍ، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْقَاتَكُمْ بِالْفَرَاغِ؛ فَإِنَّ الْفَرَاغَ هُوَ الْمَدْخَلُ الْأَوَّلُ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ أَمْضَى شَبَابَهُ فِي الْجِدِّ، اسْتَرَاحَ فِي كِبَرِهِ وَسَادَ فِي قَوْمِهِ.»

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

(الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، الصَّادِقُ الْأَمِينُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ.. فَيَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ وَيَا أَوْلِيَاءَ الْأُمُورِ: مِنْ أَخْبَثِ مَظَاهِرِ إِضَاعَةِ الْعُمْرِ وَخِيَانَةِ الْأَمَانَةِ، تِلْكَ الظَّاهِرَةُ الَّتِي تَنْتَشِرُ فِي مَوَاسِمِ الِامْتِحَانَاتِ، وَهِيَ “الْغِشُّ”. إِنَّ الْغِشَّ يَا أَبْنَائِي لَيْسَ شَطَارَةً، وَلَا ذَكَاءً، بَلْ هُوَ طَعْنَةٌ نَجْلَاءُ فِي جَسَدِ الْأُمَّةِ، وَمَحْقٌ لِلْبَرَكَةِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَالِ.

يَقُولُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي” (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). أَتَرْضَى يَا بُنَيَّ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْكَ سَيِّدُ الْخَلْقِ ﷺ مِنْ أَجْلِ دَرَجَةٍ زَائِفَةٍ أَوْ شَهَادَةٍ مَسْرُوقَةٍ؟

الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: جَرِيمَةُ الْغِشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ (تَدْمِيرٌ لِلْأَمَانَةِ وَالْمُسْتَقْبَلِ) إِنَّ الَّذِي يَغُشُّ فِي امْتِحَانِهِ، يَغُشُّ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَغُشَّ النَّاسَ. فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي يَقُومُ عَلَى “أَنْصَافِ الْمُتَعَلِّمِينَ” الَّذِينَ نَالُوا شَهَادَاتِهِمْ بِالزُّورِ، هُوَ مُجْتَمَعٌ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالْفَشَلِ.

 * مَوْقِفٌ تَأَمُّلِيٌّ: تَخَيَّلُوا طَبِيباً غَشَّ فِي كُلِّيَّةِ الطِّبِّ، كَيْفَ سَيُعَالِجُ النَّاسَ؟ أَمْ مُهَنْدِساً غَشَّ فِي كُلِّيَّةِ الْهَنْدَسَةِ، كَيْفَ سَيَبْنِي الْبُيُوتَ؟ إِنَّهُمْ سَيَكُونُونَ أَدَوَاتٍ لِلْقَتْلِ وَالْهَدْمِ، لَا لِلْبِنَاءِ وَالرَّحْمَةِ.

   إِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تُضِيعُهُ فِي ابْتِكَارِ طُرُقٍ لِلْغِشِّ، لَوْ صَرَفْتَهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ لَكُنْتَ مِنَ النَّابِغِينَ.

النصائح العملية: ​«تَذَكَّرْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الدَّرَجَةَ الَّتِي تَنَالُهَا بِكَدِّكَ وَعَرَقِكَ، خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ وَأَبْرَكُ لِمُسْتَقْبَلِكَ مِنْ أَعْلَى الشَّهَادَاتِ الَّتِي تُنَالُ بِالْخَدِيعَةِ؛ فَالْعِلْمُ أَمَانَةٌ، وَبِالْأَمَانَةِ تُبْنَى الدُّوَلُ، وَبِالْخِيَانَةِ تَنْهَارُ الْأُمَمُ.»

الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: مَوَاقِفُ خَالِدَةٌ فِي النَّزَاهَةِ وَالْأَمَانَةِ

 * قِصَّةُ بَائِعَةِ اللَّبَنِ مَعَ سَيِّدِنَا عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): ذَكَرَهَا الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي “صِفَةِ الصَّفْوَةِ”، حِينَ أَمَرَتِ الْأُمُّ ابْنَتَهَا أَنْ تَخْلِطَ اللَّبَنَ بِالْمَاءِ لِتَغِشَّ النَّاسَ، فَقَالَتِ الْبِنْتُ: “إِنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ”، فَقَالَتِ الْأُمُّ: “أَيْنَ عُمَرُ؟ إِنَّهُ لَا يَرَانَا!”، فَقَالَتِ الْبِنْتُ كَلِمَتَهَا الْخَالِدَةَ: “إِنْ كَانَ عُمَرُ لَا يَرَانَا، فَإِنَّ رَبَّ عُمَرَ يَرَانَا!”. هَذِهِ هِيَ الْأَمَانَةُ الَّتِي نُرِيدُهَا مِنْ أَبْنَائِنَا فِي لِجَانِ الِامْتِحَانَاتِ.. “رَبُّ الْمُرَاقِبِ يَرَانَا”.

 * قِصَّةٌ مُعَاصِرَةٌ: يُحْكَى أَنَّ طَالِباً فِي بِلَادِ الْغَرْبِ عُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَغُشَّ فَرَفَضَ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَاذَا؟ قَالَ: “لِأَنَّ دِينِي يُعَلِّمُنِي أَنَّ اللَّهَ مَعِي، وَأَنَّ النَّجَاحَ الْمَغْشُوشَ هُوَ هَزِيمَةٌ نَفْسِيَّةٌ”. فَأَسْلَمَ بَعْضُ زُمَلَائِهِ بِسَبَبِ أَمَانَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ.

يَا أَوْلِيَاءَ الْأُمُورِ، لَا تَفْرَحُوا بِنَجَاحِ أَبْنَائِكُمْ إِذَا كَانَ مَبْنِيّاً عَلَى الْحَرَامِ، فَاللَّبَنُ الَّذِي نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ. عَلِّمُوهُمْ أَنَّ الْقَلِيلَ بِحَلَالٍ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ بِحَرَامٍ.

النصائح العملية: ​ ​«كُنْ أَنْتَ “الْمُرَاقِبَ” عَلَى نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ يُرَاقِبَكَ النَّاسُ، وَاجْعَلْ شِعَارَكَ: (اللَّهُ مَعِي، اللَّهُ نَاظِرِي، اللَّهُ شَاهِدِي)، فَمَنْ تَرَكَ الْغِشَّ لِلَّهِ، عَوَّضَهُ اللَّهُ فَهْماً فِي الْعَقْلِ، وَبَرَكَةً فِي الرِّزْقِ، وَقَبُولاً فِي الْقُلُوبِ.»

الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، بَارِكْ لَنَا فِي أَوْقَاتِنَا، وَاجْعَلْ أَعْمَارَنَا طَوِيلَةً فِي طَاعَتِكَ، وَأَعْمَالَنَا صَالِحَةً لِوَجْهِكَ. اللَّهُمَّ اهْدِ شَبَابَنَا وَأَبْنَاءَنَا، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَرِّهْ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ. اللَّهُمَّ وَفِّقِ الطُّلَّابَ فِي امْتِحَانَاتِهِمْ، وَارْزُقْهُمُ الْأَمَانَةَ وَالصِّدْقَ، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ عَيْنٍ لِآبَائِهِمْ وَذُخْراً لِأَوْطَانِهِمْ. اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْغِشِّ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَسُوءٍ، وَاجْعَلْهَا بَلَدَ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالسَّلَامِ.

عِبَادَ اللَّهِ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.