تهنئة غير المسلمين بأعيادهم : بين فقه الاعتقاد وأدب المعاملة
29 ديسمبر، 2025
قضايا وأحكام

بقلم الشيخ : صالح علي صالح الفقي
موجه عام بوعظ الأزهر الشريف
يخلط بعض الناس خلطًا مريبًا بين ثوابت الاعتقاد، ومرونة المعاملة، فيجعلون من كل تصرف إنساني جسرًا إلى التنازل العقدي، ومن كل كلمة مودة بابًا إلى الذوبان الديني. والحقيقة أن الإسلام ـ في نصوصه المحكمة وسنته العملية ـ قد فصل بين ما يُعتقد في القلب، وما يُؤدّى في السلوك، فصلًا يليق بدينٍ جاء رحمة للعالمين لا قطيعة معهم.
فحين عرض القرآن لعقائد المخالفين، قرر المبدأ بوضوح لا لبس فيه:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾،
فلا مساومة في التوحيد، ولا مجاملة في الإيمان. لكن حين انتقل الخطاب إلى ميدان المعاملة، جاء بلسان آخر، لحنه البر، وقاعدته العدل، فقال سبحانه:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾.
فجعل البر ـ وهو أوسع من العدل وأدفأ منه ـ أصل العلاقة الإنسانية مع المسالمين، مهما اختلفت معتقداتهم.
ولم يكن هذا التفريق تنظيرًا مجردًا، بل جسّدته السيرة النبوية في أبهى صورها؛ فقد أذن النبي ﷺ لوفد نصارى نجران أن يؤدوا صلاتهم في مسجده، وهو أقدس فضاء إسلامي، وأرسل أصحابه إلى الحبشة مستجيرين بعدل ملكٍ نصراني، وقال كلمته الخالدة: «إن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد». وقَبِل هدية المقوقس، وتسرّى بمارية القبطية، وأنجب منها إبراهيم، فاختلط النسب الإنساني بالمودة، دون أن يختلط التوحيد بشيء من الشرك.
إننا ـ نحن المسلمين ـ غير مكلّفين بتصحيح عقائد الناس قسرًا، ولا بمحاسبتهم على ما يعتقدون، وإنما كُلّفنا أن نكون شهداء بالقسط، دعاة بالأخلاق، مبلغين بالقدوة. فاليهودي، والنصراني، والمجوسي، والبوذي، كلهم داخلون في دائرة التعامل الإنساني، ما داموا غير محاربين، وغير معتدين.
ومن هنا، فإن تهنئة غير المسلم بعيدٍ يعتقده، ليست إقرارًا بعقيدته، ولا تصديقًا لمذهبه، وإنما هي خطاب إنساني، وأدب اجتماعي، وصورة من صور البر التي أمر الله بها. هي تهنئة له بما يفرح به هو، لا بما نؤمن به نحن. كما أن ردّ التهنئة ـ حين يهنئنا بأعيادنا ـ داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
فكيف بمن له زوجة كتابية، أو جار غير مسلم، أو زميل عمل، أو صديق في وطن واحد؟ أيعقل أن يعيش معه العمر كله، ثم يعجز لسانه عن كلمة لطف، أو عبارة تهنئة، باسم الغيرة على الدين؟! إن هذا الفهم المتشدد ـ الذي عانينا من آثاره طويلًا ـ لم يحمِ العقيدة، بل شوّه صورتها، ولم ينصر الدين، بل نفّر الناس منه.
لقد آن الأوان أن نفتح عقولنا على سنة النبي ﷺ بفهمٍ سليم، لا يُكفّر ولا يُقصي، ولا يجعل من الإسلام دين خصومة دائمة، بل رسالة هداية ورحمة. فالقوة في الثبات، لا في الجفاء، والعزة في الوضوح، لا في القسوة، والدين أسمى من أن يُختزل في فتاوى ضيقة تخاصم الفطرة، وتنازع مقاصد الشريعة.