حادثة البشعة جرس إنذار للمجتمع والضمير الإنساني
26 ديسمبر، 2025
أخبار العالم الإسلامى

بقلم أ.د/ مها عبد القادر أستاذ أصول التربية كلية التربية للبنات بالقاهرة – جامعة الأزهر
تعد الحوادث الأسرية العنيفة التي تطفو على سطح المشهد المجتمعي بين الحين والآخر مؤشرات مقلقة على أزمات بنيوية شديدة تضرب كيان الأسرة، وتهدد منظومة القيم، وتكشف عن تراكمات نفسية واجتماعية وثقافية ظلت تتغذى في الظل طويلًا، عبر عادات وتقاليد فاسدة جرى تطبيعها وتوريثها دون مساءلة، وتأتي حادثة البشعة نموذجًا صادمًا لهذه الأزمات، لبشاعة تفاصيلها وقسوتها ولأنها كسرت جدار الصمت، وطرحت أسئلة موجعة حول طبيعة العلاقات الزوجية، وحدود الخلاف المشروع، وآليات إدارة الغضب، فضلًا عن مسؤولية المجتمع ومؤسساته في تبني منطق الوقاية المبكرة، لا الاكتفاء بالإدانة اللاحقة والعقاب المتأخر، فهذه الجرائم، في مضمونها، لا تنفصل عن سياقات أوسع من التفكك القيمي، وضغوط المعيشة، وتراجع أدوار الدعم النفسي والاجتماعي، وهي بذلك مرآة لخلل جماعي بقدر ما هي نتاج فعل فردي معزول.
والأصل في العلاقة الزوجية أن تكون سكنًا، كما قرر القرآن الكريم، قائمة على المودة والرحمة والسكن والتكامل، وليس على الصراع والغلبة، ولا على الإقصاء أو الإيذاء، فهي رابطة إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون عقدًا اجتماعيًا أو إطارًا قانونيًا، غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، وما صاحبها من ضغوط معيشية خانقة، وأساليب تنشئة مختلة، أفرغت كثيرًا من العلاقات الزوجية من معناها القيمي، وحولتها في بعض الأحيان إلى ساحة توتّر دائم، يغيب فيها الحوار الرشيد، ويتراجع فيها الاحتواء، ويحلّ محلّهما العنف اللفظي أو النفسي، وربما الجسدي.
ومع تراكم الأعباء الاقتصادية، وتراجع مهارات التواصل، وغياب الوعي بطبيعة الاختلاف بين الزوجين كونه اختلافًا تكامليًا لا صراعًا صفريًا، تتضخم المشكلات الصغيرة، وتتحول من خلافات عابرة إلى أزمات خانقة، تدار غالبًا بمنطق الغضب والانفعال بعيدًا عن الحكمة والمسؤولية، وفي ظل غياب الضبط الأخلاقي، وضعف الردع القانوني، وتراخي أدوار الإرشاد الأسري والدعم النفسي، قد تنزلق بعض هذه العلاقات إلى مسارات عنيفة، تنتهي بجرائم مروعة تهز الضمير الجمعي، وتكشف عن خلل في منظومة القيم قبل أن تكشف عن جريمة فردية، وأخطر ما في التحولات الاجتماعية والاقتصادية أنها تعيد تعريف العلاقة الزوجية في الوعي العام، ليس كمجال للسكن والتراحم، ولكن كساحة صراع مكتوم، تدار فيها الخلافات بلا أدوات، وتكبت فيها المشاعر حتى تنفجر في لحظات فقدان السيطرة، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لخطابنا التربوي، والديني، والإعلامي، بشأن الزواج، فهو التزام ومسؤولية أخلاقية مستمرة.
وتمثل حادثة البشعة لحظة انفجار قصوى لمسار طويل من العنف الصامت، والغضب المكبوت، وسوء إدارة الخلاف داخل البنية الأسرية، فهي نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية معقدة، اختلط فيها الإحباط المزمن بالإحساس بالتهديد، وضعف الوعي بعواقب الفعل، وغابت عنها تدريجيًا قيمة حرمة النفس الإنسانية، التي تعد الركيزة الأولى لأي منظومة أخلاقية أو دينية، كما إن التركيز على تفاصيل الجريمة وحدها، وإغراق الخطاب العام في مشاهد الصدمة، دون قراءة السياق الأوسع الذي أنتجها، لا يؤدي إلا إلى اختزال المأساة في لحظة عنف دموية، تُستهلك إعلاميًا ثم تُنسى، بينما الحقيقة الأكثر إيلامًا أنّ ما حدث هو نتاج بيئة أسرية مأزومة، سمحت بتراكم العنف، وغضّ الطرف عن إشاراته الأولى، وتبريره أحيانًا تحت مسميات مضللة، مثل الرجولة، أو التأديب، أو فرض السيطرة، في تحريف فج لمعاني القوامة والمسؤولية.
ويشرعن هذا النوع من الخطاب العنف ويسهم في تطبيعه، ويحول الضحية إلى طرف مدان ضمنيًا، ويجعل الجاني أسير تصورات ثقافية مريضة ترى في القوة الغاشمة وسيلة لحسم الخلاف، ومن ثم، فإن التعامل مع مثل هذه الجرائم بوصفها وقائع فردية استثنائية يمثل هروبًا من مواجهة الخلل الحقيقي، ويؤجل النقاش الضروري حول إعادة بناء الوعي الأسري، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتجريم كل أشكال العنف داخل البيت، بوصفه أخطر أشكال العنف لأنه يقع في أكثر الفضاءات المفترض أن تكون أمانًا.
فالعنف يمارس ويتسرب تدريجيًا داخل مناخ يسمح بالإهانة، والتقليل، والتحقير، ويشرعن القسوة كحق مكتسب وأسلوبًا مشروعًا للضبط، حتى تتحول الإساءة إلى جزء مألوف من الحياة اليومية، لا يلتفت إليه إلا حين يبلغ حده منتهاه وفي بعض البيئات، لا يزال العنف الأسري ينظر إليه باعتباره شأنًا خاصًا لا يجوز التدخل فيه، وهو تصور بالغ الخطورة، لأنه يوفر غطاءً اجتماعيًا لاستمرار الانتهاكات، ويسهم في إسكات الضحايا، ويطبع الصمت بوصفه فضيلة، لا تواطؤًا.
ويحول هذا الصمت دون التدخل المبكر الذي كان من شأنه أن يقطع مسار العنف في مراحله الأولى، قبل أن يتحول الإيذاء النفسي إلى عنف جسدي، ثم إلى جرائم مروعة لا يمكن تدارك آثارها، كما أن هذا الفهم المغلوط للخصوصية الأسرية يتركها فريسة للتفكك والانفجار، ويحول البيت من مساحة أمان إلى فضاء مغلق ترتكب داخله الانتهاكات بعيدًا عن المساءلة، ومن ثم، فإن إعادة تعريف الخصوصية كمسؤولية مشتركة للحماية والتدخل، تمثل شرطًا أساسيًا لأي مقاربة جادة للوقاية من العنف الأسري.
كما تسهم بعض الخطابات الاجتماعية والإعلامية غير المنضبطة في تكريس صور نمطية مشوهة عن العلاقة بين الزوجين، تقدم فيها الحياة الزوجية كساحة صراع ويجري تطبيع السخرية، والتقليل من شأن أحد الطرفين، وتمجيد الغضب والانفعال باعتبارهما مظهرين للقوة أو الذكاء الاجتماعي، بينما هما في حقيقتهما بذور توتر تزرع داخل البيوت، وتعيد إنتاج العنف بوصفه أسلوبًا مقبولًا لإدارة الخلاف، وتبرير العنف ومن ثم يعيد تشكيل الوعي الجمعي للأجيال الجديدة، فينشأ الأطفال داخل بيوت تتعلم الصمت والخوف والتسلط بدل التعبير والحوار والاحترام المتبادل، فتعاد دورة العنف من جيل إلى جيل، وبالتالي، فإن كسر هذه الحلقة يبدأ من تفكيك الثقافة التي سمحت لها أن تنمو في الخفاء.
ويعد غياب الحوار الحقيقي من أخطر أسباب تفاقم المشكلات الزوجية، حيث يفقد العلاقة القدرة على التعاطف والفهم المتبادل، ويفتقر كثير من الأزواج إلى مهارات التعبير عن الغضب أو الإصغاء أو التفاوض، فيتحول أي خلاف بسيط إلى صراع لكسر إرادة الطرف الآخر، فيحل الصمت القاتل أو الانفجار العنيف محل الحوار، وتتراكم المشاعر السلبية، ويصبح الشريك تدريجيًا في التحول من مصدر أمان إلى مصدر تهديد نفسي وعاطفي، ومع استمرار هذا النمط، تضيع الحدود الأخلاقية وتختل البوصلة الأسرية، ويمتد أثره إلى الأطفال الذين يكتسبون العنف كوسيلة لحل الخلافات، مما يجعل تدعيم مهارات الحوار وإدارة الغضب ثقافةً أساسية لحماية الأسرة واستقرارها.
وقد وضع الدين الإسلامي إطارًا أخلاقيًا واضحًا للعلاقة الزوجية، يقوم على الإحسان، وضبط الغضب، وتحريم الإيذاء، وتعظيم حرمة النفس، وتقديم الحب والرحمة كأساس للتعامل بين الزوجين، وأي توظيف ديني يبرر العنف أو يفرغ النصوص من مقاصدها الرحيمة يمثل انحرافًا عن جوهر الدين وروحه الإنسانية، ومن ثم تقع مسؤولية كبرى على المؤسسات الدينية في تصحيح المفاهيم، وتقديم خطاب أسري متوازن، يعلم الناس كيف يختلفون دون خصام، وكيف يغضبون دون تدمير، وكيف يحافظون على كرامة جميع الأطراف، ويغرسون قيم الحوار والاحتواء داخل الأسرة.
ويمثل القانون، بدوره صمام الأمان لحماية الضعفاء، لكنه لا يكفي وحده، فالتشريعات الرادعة يجب أن تتكامل مع برامج دعم اجتماعي، ومراكز إرشاد أسري، وخطوط مساعدة نفسية، تتيح التدخل المبكر قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، كما يقع على عاتق المجتمع مسؤولية أخلاقية كبيرة في كسر دائرة الصمت، ورفض التواطؤ مع العنف، وعدم تبريره أو التهوين منه مهما كانت الذرائع، وتقديم الدعم للضحايا، وتعليم الأجيال الجديدة أن الاحترام والحوار والتفاهم هي الأساس لعلاقات سليمة ومستقرة، مع دمج البعد الديني، والقانوني، والاجتماعي في استراتيجية واحدة للوقاية من العنف الأسري، لأنه يحمي الأسرة كوحدة مجتمعية، ويكسر دورة العنف المتوارثة، ويعيد تأصيل العلاقة الزوجية على قيم الرحمة والعدل والاحترام المتبادل، بما يتوافق مع مقاصد الدين وسلامة المجتمع.
ويعد الإعلام شريك أساسي في تشكيل الوعي، فحين يتناول الحوادث الأسرية بمنطق الإثارة يضاعف الألم ويغفل الجذور، أما حين يقدم معالجة مسؤولة تربط الحدث بسياقه وتفتح نقاشًا حول الوقاية والحلول، فإنه يتحول إلى أداة إصلاح، وهناك ضرورة لمواجهة الأزمات الزوجية ومنع تكرار حوادث مأساوية مثل حادثة البشعة بحيث لا تترك للصدفة أو لردود الفعل بعد وقوع الكارثة، ولكن تستلزم مقاربة شاملة تتكامل فيها أدوار الدولة والمجتمع والأسرة.
والدولة مطالبة بتدعيم منظومة الإرشاد الأسري كخط دفاع أول، من خلال مراكز دعم نفسي واجتماعي متخصصة وسهلة الوصول، وإدماج برامج التوعية بالعلاقات الزوجية وإدارة الخلاف والصحة النفسية ضمن المناهج التعليمية وبرامج إعداد المقبلين على الزواج، لتحويل الوقاية إلى سياسة عامة، كما يجب تطوير الإطار التشريعي لضمان حماية فعالة من العنف الأسري، مع سرعة آليات التدخل، وتوفير خطوط ساخنة آمنة للإبلاغ، بما يضمن أن يصبح القانون، مقرونًا بالعدالة والسرعة والإنصاف، أداة ردع وحماية.
ويقع على مستوى المؤسسات الدينية، مسؤولية تقديم خطاب أسري رشيد يواجه أي تأويل يبرر العنف، ويؤكد مقاصد الشريعة في السكينة والرحمة وصون النفس، ليصبح الدين قوة ووقاية مع الالتزام في الإعلام بالمعالجة المسؤولة كضرورة أخلاقية، تقوم على تفكيك الأسباب، ونشر الوعي ببدائل العنف، وخيارات الدعم المتاحة، بدل الاكتفاء بسرد الوقائع الدموية، والاهم سعي المجتمع والأسرة، كسر ثقافة الصمت، وتعزيز الحوار، وطلب المساعدة عند الحاجة، مع إدراك أن اللجوء للإرشاد أو العلاج النفسي مسؤولية وليس ضعف، فالتدخل المبكر قد ينقذ حياة ويمنع مأساة.
إن حادثة البشعة يجب ألا تمر كحادث عابر في سجل الجرائم، ولكن يجب أن تكون جرس إنذار جماعي، يدفعنا إلى مراجعة علاقتنا بالأسرة، والحوار، والقيم، والصحة النفسية، ويحفز الدولة والمجتمع على تحمل مسؤولياتهما في الوقاية والحماية، فحماية الأسرة مشروع مجتمعي ودولي، وإذا أردنا أن نمنع تكرار المآسي، فعلينا أن نعيد الاعتبار للرحمة، وللغة العقل، ولثقافة الاحتواء، وأن نؤمن بأن الخلاف مهما اشتد لا يبرر العنف، وأن الحياة الإنسانية تظل خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه تحت أي ظرف.