أمانة الأجساد وخشية الخالق: رؤية أخلاقية لاسترداد إنسانية الطب

بقلم الدكتورة: تاليا عراوي كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان

تزدحم وسائل التواصل الاجتماعي اليوم بشكل متزايد بقصص مأساوية لمرضى يشعرون بالإهمال من قبل نظام يمنح الأولوية للأرباح على حساب البشر، حيث تسلط المنشورات الرائجة وسلاسل الأخبار الضوء مراراً على حالات يُتهم فيها أطباء بخيانة أقسامهم المقدسة من أجل مكاسب مادية، سواء عبر إجراءات طبية غير ضرورية، أو عمولات شركات الأدوية، أو التجاهل القاسي لأولئك الذين لا يملكون ثمن الرعاية المتميزة. يعكس هذا الصراخ الرقمي أزمة نظامية أعمق تتمثل في فقدان المهنية، والتي تُعرف بأنها ضياع ذلك الالتزام الخاص بالكفاءة والخدمة والإيثار الذي ميز المجال الطبي تاريخياً. في هذه البيئة الميكافيلية، غالباً ما يتم اختزال المهنة النبيلة في معاملة تجارية، مما يؤدي إلى شعور عميق بالارتهان للمادية حيث لا يعود المريض شخصاً، بل مجرد مصدر للدخل. ولعكس هذا المسار، يجب أن نتساءل عما إذا كانت الأخلاق والطباع الفاضلة محصورة فقط في الأنبياء، أم أنها قدوة نموذج يُحتذى به ومعيار يمكن تحقيقه حتى وسط اضطرابات الحياة الحديثة.

إن المساعي الحثيثة لاسترداد صورة الطب من تشوهاتها المعاصرة تستوجب الانتقال من نموذج الإتقان التقني الصرف إلى نموذج البناء القَصدي للشخصية، حيث تُصبح تنمية الروح الفاضلة ركيزةً لا تقل أهمية عن التحصيل العلمي. فبالاستناد إلى الفلسفة الأخلاقية، نجد أن الشخصية ليست كينونة فطرية ثابتة تولد مع الإنسان، بل هي نتاج عادة مقصودة وعملية تراكمية تتطلب رعاية مستمرة تبدأ من التنشئة الأولى وتتعمق خلال سنوات التدريب الطبي الصارمة.

ويتجلى هذا التأصيل الفلسفي بوضوح في أطروحة أرسطو ضمن كتابه “الأخلاق النيقوماخية”، حيث يقرر بأن الفضيلة لا تورث بيولوجياً، وإنما تُكتسب عبر التعود؛ فهي ممارسة طوعية وهادفة، تؤدي المداومة عليها إلى تحولها لطبيعة ثانية تحرك الممارس تلقائياً نحو الخير. وبناءً على هذا المنظور، يصبح من الضروري إحداث تحول جذري في معايير القبول بكليات الطب، بحيث يتجاوز التقييم عتبة الدرجات العلمية واختبارات الذكاء، ليمتد إلى فحص الأهلية الأخلاقية وضمان جهوزية أطباء المستقبل لحمل أمانة الشفاء بوعي قيمي.

إن الوحدة الموضوعية للأخلاق تقتضي ألا يكون الطبيب فاضلاً في سياقات ومفتقراً لها في أخرى؛ فالنزاهة التي يمارسها الفرد في أدواره الاجتماعية كوالد أو زوج هي ذاتها النزاهة الجوهرية التي يجب أن يستصحبها معه إلى سرير المريض. وتجد هذه البوصلة الأخلاقية رسوخها ومصدر قوتها في الرؤية القرآنية للنفس البشرية، التي تصف الذات الإنسانية بأنها جُبلت على نظام من التوازن والوعي الأخلاقي الفطري، كما نصت سورة الشمس في قوله تعالى :وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، مما يجعل الالتزام الخلقي استجابةً لنداء الفطرة السوية قبل أن يكون امتثالاً للوائح المهنة. ويتصل هذا المفهوم اتصالاً وثيقاً بمبدأ الفطرة في الإسلام؛ فالطبيب لا يكتسب الفضائل كقيم غريبة عن ذاته، بل هو يستعيد بالتدريب والتزكية أصلاً كامناً في جبلّته. فالفطرة هي المنبع الصافي الذي قد تكدره لوثات الجشع المادي، وما البناء الأخلاقي في كليات الطب إلا محاولة جلاء لهذه الفطرة، ليعود الطبيب إلى جوهره ككائن رحيم ونزيه بالفطرة قبل أن يكون ممارساً بالمهنة.

ولإضفاء الطابع الرسمي على هذا الالتزام بالفضيلة ضمن إطار مهني حديث، يتطلع العديد من الممارسين إلى قسم الطبيب المسلم. تم اعتماد هذا القسم رسمياً من قبل الجمعية الطبية الإسلامية في أمريكا الشمالية (IMANA) عام 1977، وانتشر لاحقاً على مستوى العالم من خلال المؤتمر الدولي الأول للطب الإسلامي الذي عُقد في الكويت عام 1981. وخلافاً لقسم أبقراط، يبدأ قسم الطبيب المسلم بالاستعانة باسم الله، مما يجعل محاسبة الطبيب لا تقتصر على النقابة أو القانون فحسب، بل تمتد إلى الخالق عز وجل. إنه بمثابة إعلان عام عن نية الطبيب تقديم الرعاية “باسم الله”، واعداً بأن يكون “أداة لرحمتك” وأن يمد يد العون الطبي للجميع، بغض النظر عن العرق أو الدين أو المكانة الاجتماعية. يعمل هذا القسم كجسر بين التقاليد التاريخية لأخلاقيات الطب الإسلامي والممارسة المعاصرة، مذكرًا الطبيب بأن مهاراته هي أمانة يجب استخدامها لصالح البشرية.

تُقدم المبادئ التأسيسية للقرآن الكريم إطاراً منهجياً صلباً لهذا الترميم الأخلاقي المنشود؛ فمن خلال اتخاذ النبي محمد ﷺ قدوةً عملية يمكن ممارستها، يستطيع الطبيب التنقل في مجاهل الحياة الحديثة بطبعٍ متزن ومعتدل. ويُعدّ النبي ﷺ التجسيد الحي والمثالي لمفهوم الحكيم العملي (أو ما يُعرف فلسفياً بالفرونيموس(؛ فهو لم يطرح مبادئ أخلاقية مجردة، بل قدّم نموذجاً واقعياً يمتلك البصيرة النافذة التي تُمكّنه من تطبيق القيم الأخلاقية في مواجهة تعقيدات الواقع، واختيار الأفعال التي تحقق أفضل النتائج بأقل قدر من الآثار الجانبية السلبية.

وتقدم المبادئ التأسيسية للقرآن الكريم إطاراً منهجياً صلباً لهذا الترميم الأخلاقي المنشود؛ فمن خلال اتخاذ المنهج النبوي مرجعيةً عملية، يستطيع الطبيب التنقل في مجاهل الحياة الحديثة بطبعٍ متزن ومعتدل. ويتجلى هذا النظام القيمي في معيارين جوهريين ذكرهما القرآن الكريم في قوله تعالى: “إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ؛ حيث تمثل القوة هنا الكفاءة العلمية والتقنية، بينما تمثل الأمانة النزاهة الأخلاقية والرقابة الداخلية.

كما يشكل الأمر الإلهي في قوله تعالى: وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ مخططاً أخلاقياً متكاملاً للطبيب؛ فالإحسان يتجاوز مجرد أداء الواجب الوظيفي ليشمل إتقان العمل والتلطف بالمرضى ورعايتهم رعايةً فائقة. وبناءً على ذلك، لا يصدر سلوك الطبيب المهني عن خشيةٍ من العقوبات القانونية فحسب، بل يكون نابعاً من بناء شخصيته الذي يجعل من فعل الصواب سلوكاً تلقائياً وانسيابياً، تماماً كما تتدفق المياه من نبعها الأصيل.

ويبرز المصدر اللغوي والفلسفي لهذه الرؤية في مصطلح الحكيم، وهو اللقب الذي يجمع في الثقافة الإسلامية بين صفة صاحب الحكمة ومهنة الطبيب؛ مما يجعل من هذه الازدواجية حجر الزاوية في تعريف السلطة الطبية. إن هذه الهوية المركبة تؤكد أن دور الطبيب ليس مجرد دور تقني إجرائي، بل هو دور فكري وأخلاقي في جوهره، إذ لا يُمكن للمرء أن يكون معالجاً حقيقياً ما لم يتضلع في الأخلاق.

فالطبيب الذي يقتصر علمه على تشريح الجسد وفهم وظائفه العضوية بمعزل عن الحكمة الممتزجة بالرحمة والتعاطف، يُعد ممارساً ناقص الأهلية. ويتجلى هذا النموذج في الهدي النبوي؛ حيث كان النبي ﷺ يزور المرضى، ويدعو لهم، ويطيب خاطرهم، مما وضع الأسس الأولى لما يُعرف بالأخلاقيات السريرية .لقد أرسى النبي ﷺ قيمة الرفق كركيزة للتعامل الإنساني حين قال: “إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ. ” إن هذا الرفق هو الذي يسمو بالعلاقة العلاجية من مجرد فحص سريري بارد إلى مواساة إنسانية عميقة، تمنح الطبيب القدرة على رؤية المريض ككيان متكامل وليس كمجرد آلة بيولوجية، مما يضمن ممارسة السلطة الطبية بروح التواضع التي تكسر حواجز الغطرسة المهنية. إذ إن الحكمة في المنظور الإسلامي ليست مجرد رجاحة عقل، بل هي فيض من اللطف والتواضع يسمو بالعلاقة العلاجية من مجرد فحص سريري إلى مواساة إنسانية.

إن هذه الملكات الأخلاقية هي التي تمنح الممارس القدرة على رؤية المريض ككيان إنساني متكامل وليس كمجرد آلة بيولوجية، مما يضمن ممارسة السلطة الطبية بروح التواضع التي تكسر حواجز الغطرسة المهنية. إن الطبيب الفاضل الذي يتمثل رتبة الحكيم لا يمكن أن يسخر مكانته لتحقيق مكاسب مادية غير مشروعة؛ لأنه محكوم بمبدأ الانضباط القيمي والشفقة على الخلق، وهو ما يجسد المبدأ القرآني في نهي النفس عن الهوى وتزكيتها بالفضائل، مما يجعل من الرعاية الطبية عبادةً تبتغي الفوز الروحي والرضوان الإلهي، كما في قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ.

وتستوجب هذه السلطة الأخلاقية من الطبيب استحضار قيمتين جوهريتين تُعدان ركيزتي العمل الطبي، وهما: الصدق والنزاهة السريرية. ففضيلة الصدق تُمثل الأساس في بناء جسر الثقة مع المريض، وهي ترجمة للمبدأ القرآني الذي ينهى عن خلط الحق بالباطل أو كتمان الحقيقة، مما يفرض على الطبيب صراحةً تامة في إطلاع المريض على حالته الصحية وتفاصيل علاجه، مع الالتزام الصارم في الوقت ذاته بصون الخصوصية وحفظ الأسرار ؛ إذ يعد كتمان سر المريض أمانةً أخلاقية وشرعية تقتضيها حرمة النفس الإنسانية، وضابطاً يضمن حماية كرامة المريض وحقوقه الشخصية في كافة مراحل الاستشفاء.

أما النزاهة السريرية، فهي الالتزام الأخلاقي الذي يحكم ممارساته المهنية بعيداً عن المصالح الشخصية؛ وهي التي تمنعه من تزوير السجلات الطبية أو الانقياد خلف الإغراءات المادية مقابل إجراءات غير ضرورية. وتجد هذه النزاهة أسمى بواعثها في خشية الله القائمة على العلم، كما نص القرآن الكريم: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ؛ فالطبيب الحق هو من يورثه علمه بجلال الخالق وتصريفه في الأجساد خشيةً تدفعه للإخلاص والترفع عن الصغائر. وبجانب هاتين الفضيلتين، يبرز التواضع كدرعٍ ضد نزع الإنسانية عن المرضى؛ فبدلاً من التعالي المهني، يلتزم الطبيب بالتحذير القرآني من الاختيال والفخر، مما يدفعه للاستماع لمرضاه باحترامٍ وتقدير، معترفاً بدوره كمعالج مؤتمن وليس كمتسلطٍ على الضعفاء.

علاوة على ذلك، تتم معالجة الإدارة المسؤولة للموارد من خلال الأمر “وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”. في سياق طب القرن الحادي والعشرين، يعمل هذا كدليل ضد طلب فحوصات غير ضرورية أو إهدار المستلزمات الطبية، مما يشجع على ممارسة مستدامة اقتصادياً وأخلاقياً. كما يشير المؤلف إلى وجوب التزام الطبيب بمعايير عالية في السلوك اللفظي، وتجنب السخرية أو الألقاب المهينة، لأن القرآن ينهى عن سخرية قوم من قوم قد يكونون خيراً منهم. ومن خلال استيعاب هذه الالتزامات الروحية والأخلاقية، يتجنب ممارس الرعاية الصحية الفتور الأخلاقي الطبي الذي يبتلي العصر الحديث، وبدلاً من ذلك يتصرف بالتقوى، وهي شكل مستمر من محاسبة الذات تميز الأبرار عن المتظاهرين.

وفي هذا السياق، يغدو من الضروري أن تشمل معايير القبول في كليات الطب آليات تقييم دقيقة تتجاوز التحصيل العلمي الصرف، لتشمل اختبارات ومقابلات معمقة تهدف إلى كشف مكنونات شخصية المتقدم؛ ومدى امتلاكه لفضائل الرحمة، واللطف، والإيثار، أو غيابها. إذ لا يصح الاكتفاء بالتميز الذهني، بل يجب أن يكون فحص الأهلية الأخلاقية حجر زاوية في الانتقاء؛ بحيث يُستبعد من هذه الكليات كل من يثبت افتقاره لهذه الملكات الإنسانية الجوهرية، فمن عجز عن إظهار الرحمة في اختباره، لن يؤتمن على أرواح الناس في ممارسته. وبناءً على ذلك، لا ينبغي ضمان تخرج طلاب الطب لمجرد استيفاء المتطلبات العلمية؛ بل يجب تقييم شخصيتهم باستمرار لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم تحمل مسؤوليات الشفاء العظيمة. ومن خلال مقاومة تيارات الجشع والفساد، يجد الطبيب الفاضل القناعة الشخصية ويحقق الهدف الحقيقي للطب: وهو مساعدة المريض على العيش بكرامة حتى عندما لا يكون الشفاء ممكناً.

إن الطبيب الفاضل هو ذاك الذي يلتزم بفعل الصواب والتمسك بالحق حتى وإن غابت عنه أعين الرقباء والبشر؛ ذلك لأنه يوقن تمام اليقين بأن الخالق سبحانه مطّلعٌ على كل خلجات نفسه وخبايا عمله. فالنزاهة لديه ليست استجابةً لرقابة خارجية، بل هي ثمرة وعيه القلبي بآية الله العظيم: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وانطلاقاً من المبدأ الإسلامي الشامل بأن العمل عبادة، يغدو عمل الطبيب من أسمى صور العبادات وأجلّها؛ فهو الذي يقضي يومه في تأمل عظيم صنع الله، يرى بعينه معجزات الخلق في ثنايا الجسد البشري، ويشهد تجليات القدرة الإلهية في توازن الأعضاء ودقة الوظائف الحيوية. إن هذا الاتصال المعرفي بآيات الله في الأنفس يحول ممارسته الطبية من مجرد مهنة تقنية إلى محراب للذكر والتفكر، تبتغي مرضاته وتخدم خلقه.

فالطبيب في جوهر رسالته ليس إلا وسيطاً لاستكمال سعي الإنسان نحو البقاء بكرامة. وبقدر ما يكون الطب علماً بآليات الجسد، فهو في عمقه شهادة حية على دقة الصانع؛ إذ إن كل تشخيص هو حالة تأمل، وكل علاج هو إقرار بضعف المخلوق أمام عظمة الخالق. وحين تلمس يد الطبيب موضع الألم، فإنها تلامس أعمق أسرار الوجود؛ حيث يتحول العلم إلى بصيرة، والعمل إلى عبادة، كي لا يغيب الخالق عن المشهد بينما يغرق الممارس في تفاصيل خلقه.