الوهابية مشروع هيمنة مغلفًا بالدين؟
24 ديسمبر، 2025
الوهابية ومنهجهم الهدام

المقال الثامن عشر من سلسلة رواية (قرن الشيطان)
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
الطوفان بلا سفينة :
كانت الساعات التي تلت هزيمة الحلف الغربي – الوهابي في الشمال أشبه بما يُشبه الطوفان الذي لا ينتظر سفينة. بدت الأرض وكأنها تنقلب على ظهرها، والسماء ترقب هذا المشهد بصمت كئيب، فيما كان محمد بن عبدالوهاب يشعر أن ما بناه، لبنة لبنة، بدأ يتفكك تحت قدميه.
لم تكن الخسائر عسكرية فقط، بل كانت أعمق: انكسار الهيبة، تراجع الحاضنة، وانكشاف التصدعات التي لطالما غطاها بالنصوص. بات واضحًا أن ثمة فجوة بين خطاب العقيدة وشروط السلطة، بين الحماسة الأولى والنهايات المترجرجة.
في أحد أزقة الدرعية، عاد محمد بن عبدالوهاب إلى بيته، وأغلق عليه باب الغرفة التي اعتاد أن يخلو فيها للقراءة والكتابة. لكن هذه المرة لم يكن في نيته لا قراءة ولا كتابة. جلس على حصيره المتآكل، وأخذ يتأمل جدران المكان. صور الشهداء، رسائل التهنئة من أمراء القبائل، صفحات الكتب التي كتبها في فورة الحماسة… كلّها كانت تلمع في عينيه بوميض خاطف، ثم تختفي.
تساءل بصوت خافت: “أكان هذا كله لأجل الله… أم لأجلي؟”
كان وحده في الغرفة، لكن صدى السؤال بدا وكأنه يتردد في كل زوايا البيت. لم يكن هذا هو أول سؤال يشكك في دوافعه، لكنه هذه المرة بدا كأنّه يملك من الجرأة ما يكفي ليطرحه بصوت عالٍ.
استعاد شريط السنين: من العيينة إلى الحجاز، من البصرة إلى الأحساء، ومن هناك إلى الدرعية… كل تلك المدن، وكل تلك الخطابات، وكل تلك المواجهات التي شنّها ضد من اعتبرهم أهل الشرك والبدعة، كانت تمر أمامه كما تمرّ لقطات فيلم طويل. لكن الجديد في هذا العرض، هو أن بطل الرواية بدا مترددًا، غير واثق من نهايته.
تذكّر أخاه سليمان بن عبدالوهاب، الذي كان أوّل من جادله وحاجّه، والذي كتب فيه كتابه الشهير “الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية”. لطالما اعتبره محمد خصمًا لدعوته، لكن الآن… بدا له صادقًا على نحو مروّع. كيف لرجل أن يعارض أخاه ويقول له: “إنك فتنت الناس وضيّعت الأمة”، إن لم يكن يرى الخطر بعيْنه؟
تذكّر زوجته التي كانت في بدايات دعوته تسأله ببراءة: – “لماذا تغضب حين لا يؤمن الناس بكلامك؟ أليس الأنبياء صبروا؟”
فكان يرد بغضب: – “أنا لا أغضب لأني أُكذّب، بل لأني أُخذّل عن الحق.”
لكنّه الآن يدرك أن شيئًا من ذاته كان يصرخ حين لا يُتبع، وكان يغضب حين تُرفض سلطته، لا حين يُرفض قوله.
أبناؤه… تذكّرهم واحدًا واحدًا. عبد الله، حسين، علي، إبراهيم… كلهم تربّوا على نصوصه، على أحاديثه، على تأويلاته. وكان يرى فيهم الامتداد الحي لدعوته. لكنه اليوم، وبعد كل ما جرى، بدأ يتساءل: “هل أورثتهم فهمًا… أم مشروع هيمنة مغلفًا بالدين؟”
فيما كانت الدرعية تستعد لجولة جديدة من النزاعات، حيث يتهيأ آل سعود لإعادة التموضع وتحالفات جديدة، كان محمد بن عبدالوهاب يتأمل خريطة الجزيرة العربية التي رسمها على جلد قديم في إحدى كتبه.
دوّن عليها بخط دقيق:
“التوحيد لا يُفرض، بل يُعرض. وإذا صار التوحيد شرطًا للنجاة السياسية، فلا بد أنه حُمّل ما لا يحتمل.”
ثم كتب تحتها:
“أخاف أن أُسأل: هل كانت دعوتي حقًّا لله، أم كانت لله… وللدولة؟”
دخل عليه أحد أبنائه وسأله: – “أبتاه، هل سنبقى في الدرعية؟”
رد بعد لحظة صمت: – “الدرعية في قلوبنا، أما على الأرض… فالأرض لله.”
خرج الابن، وبقي محمد وحده. كان يعلم أن هذا السؤال لم يكن عن المدينة، بل عن المصير. عن البقاء.
تذكّر تحالفه مع محمد بن سعود. يوم قدّم له بيعته المشهورة، وأعطاه وعده: “الدم دون الدين، والدرعية حصن لك وملاذ لدعوتك.”
لكنّه أيضًا تذكّر الشروط التي فرضها، والقبائل التي أُجبرت على دخول طاعته، والبيوت التي أحرقت، والكتب التي أُتلفت.
كم شيخًا أُهين؟ كم قرية نُكّلت؟ كم روحًا خافت أن تُكفَّر إن لم تقل: “أنا على مذهب محمد بن عبدالوهاب”؟
جلس يكتب، لكن هذه المرة، كتب لنفسه:
“ليس أخطر من رجل يظن أنه يحمي الله من عباده، فيتحوّل هو إلى الله على الأرض.
لا أدري إن كنت هذا الرجل، لكني لا أستبعد ذلك بعد اليوم.”
ثم مزّق الورقة.
في صباح اليوم التالي، جلس مع بعض تلامذته، وأملى عليهم فصلًا جديدًا من كتابه:
“باب: من جادل عن بدعة فقد أحبها، ومن أحبها فهو على خطر عظيم.”
سأله أحد التلاميذ: – “يا شيخ، وما حال من ارتكب البدعة ولم يجادل عنها؟”
فقال: – “نخشى عليه، وندعوه للحق، ولا نكفره حتى تقوم عليه الحجة.”
ابتسم التلميذ وقال: – “هذا قولك، أم قول العلماء؟”
أجابه بهدوء: – “كان قول العلماء، فصار قولي.”
ثم أضاف: – “لكن لعلي أرجع إليه قبل أن أُسأل.”
رحلة لا تعود :
حين سقط محمد بن عبدالوهاب في فراشه الأخير، لم يكن صدى معاركه الفكرية قد خفت بعد. كان الشيخ العجوز قد تجاوز التسعين من عمره، جسدٌ أنهكته السنين، وعقلٌ لم تهدأ فيه رياح التبرير، ولا أسئلة التردد.
كانت حرارة الصيف تلفح البيوت الطينية في الدرعية، وكان صوته بالكاد يُسمع في المجالس، لكنه ظل حاضرًا، يشرف، يوجّه، ويؤنّب حتى وهو على سريره.
في تلك الأيام الأخيرة، كان محاطًا ببعض تلامذته، وأولاده الذين سار بعضهم على نهجه، فيما تنكّر له آخرون بصمت، لم يكونوا يجرؤون على إعلانه، فقد تجاوز نفوذه حدود الفقه… إلى السياسة، ومن السياسة إلى الحكم ذاته.
من حوله، بدأت الدولة التي قامت على تحالفه مع آل سعود تكبر وتتعاظم. وها هو عبدالعزيز بن محمد بن سعود، الذي صار إمامًا للدولة، لا يقطع أمرًا دون استشارته، ولا يُسيّر جيشًا دون فتاواه.
ومع ذلك، لم يكن أحد يعرف إن كان محمد بن عبدالوهاب، وهو يحدق في السقف المتهالك، يشعر بالفخر… أم بالقلق.
في الأيام الأخيرة، زاره حفيده عبدالله، شابٌ ذكي، لم يكن على انسجام كامل مع طريقة جده. جلس عند قدميه وقال:
– «جدي، يقول الناس إنك كفّرت أهل الأرض، وإنك لم تُبقِ لأحدٍ شفاعة ولا توبة، ولا حتى ظنًا بالخير…»
تنهد الشيخ ببطء، وصوته بالكاد يُسمع:
– «الناس يقولون كثيرًا… لو علموا ما أعلم، لسكتوا.»
– «لكنهم يتحدثون يا جدي… عن دماء، عن غزوات، عن قُرى أُحرقت، ومساجد هُدمت، وشيوخٍ شُهِّر بهم، وأطفال يتامى… كل هذا باسمك.»
كان محمد بن عبدالوهاب يحدّق في وجه حفيده كمن يرى نفسه في مرآة أصغر.
– «لم يكن ذلك باسمي يا بني… بل باسم الله.»
لكنّ عبد الله قال بتردد:
– «أم باسم السلطة؟»
لم يجب. أغلق عينيه لحظة، كأنما يريد أن يعود إلى بداية الطريق، إلى ذلك الفتى الذي خرج من العيينة يطلب العلم، ويستنكر التبرك بالأشجار، وينكر على الطائفين حول القبور.
في الليالي الأخيرة، بدأ يهمس بكلمات غريبة:
– «لم أطلب الدنيا… لكنها ركضت إليّ»
– «ما أشد فتنة السلطة إذا اقترنت بالدين… تبرر كل شيء، تغفر كل شيء، وتسميه دعوة»
– «كان عليّ أن أكتب بمدادٍ آخر… لا مداد الخوف، ولا مداد الغضب»
سمعه أحد أبنائه يبكي عند الباب، لم يجرؤ على الدخول. كان يدرك أن والده ليس مجرد رجل دين، بل مؤسس عقيدة، وصاحب إرث سيُقاتَل باسمه وتُسال دماء لأجيال قادمة.
وفي اليوم الأخير، حين ثقلت أنفاسه، قال بصوت مرتجف:
– «يا رب… أنت تعلم أنني دعوتك، لا دعوت نفسي… لكن إن زاغت دعوتي عن طريقك، فامحُ اسمي من لوح الذاكرة، وابقِ دينك…»
ثم رفع سبابته، كما لو كان يودّع الأرض التي لم تغفر له، ولا هو غفر لها.
بعد وفاته، لم تُرفع له جنازةٌ كأحد العاديين، بل شيّعه أتباعه كما يُشيّع الأنبياء.
لكن في صمت الدرعية، في زوايا المساجد التي هُدمت على شبهة البدعة، في وجوه الشيوخ الذين كُفّروا، والأمهات اللواتي بكت أبناءهن ممن سقطوا في غزوات “التوحيد”… كان هناك سؤالٌ يتردّد دون صوت:
– «هل مات محمد بن عبدالوهاب… أم بدأ لتوّه؟»
من مكة إلى نجد، ومن الدرعية إلى عُيينة، كانت الأحاديث لا تتوقف، كتبٌ تُنسخ، فتاوى تُعمم، مقابر تُنبش، قبور تُسوّى بالأرض، وكل ذلك يُقال إنه “بأمر الشيخ” حتى بعد موته.
لكن أكثر ما أرّق الذين عرفوه جيدًا، أنه لم يترك خلفه إجابة واضحة عن سؤالي البداية:
– «أأنا الذي يقود الدعوة؟ أم الدعوة هي التي تقودني؟»
كان لبعض أبنائه رأيٌ مخالف. كتب أحدهم لاحقًا:
ـ «رحم الله والدي، لقد كان قويًا في ظاهر أمره، لكنه كثير البكاء في خلواته… يردد دومًا: اللهم لا تجعلني فتنة… اللهم لا تجعلني فتنة.»
لكن الفتنة، كما بدا، لم تكن في شخصه فقط، بل في الفكرة التي أشعلت فتيلها، ثم خرجت من يده… وأصبحت مشروعًا سياسيًا باسم الدين.
أما خصومه، فلم يتأخروا عن رسم صورة أخرى له. بعضهم كتب:
ـ «كان رجلًا يطلب الحكم من طريق العقيدة، أراد أن يحكم الناس بسلطة الله، لا ليعلي كلمته، بل ليُسكت كل معارض.»
كتب آخر:
«بنى مذهبه على تكفير المخالف، فلا عجب أن تسرّبت الدماء من كتبه قبل سيوف أتباعه.»
وفي كل ذلك، ضاع الرجل بين من جعله “مجدد الدين” ومن جعله “مبدد الأمان”.
هكذا انتهت حياته… أو لعلها بدأت من جديد.