موازين العظمة في شخصية الرسول ﷺ
24 ديسمبر، 2025
بستان النبوة

بقلم: دكتور/ مصطفى طاهر رضوان
عضو هيئة التدريس في قسم العقيدة والفلسفة
بكلية أصول الدين والدعوة ـ جامعة الأزهر
إن للعظمة مقاييس وموازين تُقاس بها النفوس وتُستدل بها على علوّ مكانة الإنسان، وما أرقى من أن نتمعن في شخصية خير البرية ﷺ لنكشف عن سِرِّ عظمتها، ونتلمس مدى استحقاقه لكل صفة كمال ونُبل.
أولًا: العظمة الذاتية والمثالية:
لقد ارتبطت العظمة في الإنسان أحيانًا بالنجاح المادي أو الاجتماعي، أو بالمكانة التي يبلغها بين الناس، لكن عظمة النبي ﷺ كانت فوق كل هذا وأكثر، فهي عظمة الذات التي تستمد قوتها من القيم والمبادئ التي يعيشها ويجسدها في كل تصرف وسلوك.
فقد نشأ يتيمًا، فقيرًا، لا حول له ولا قوة، لكنه بفضل الله عز وجل أصبح رائد أمة، ومؤسس حضارة، وقائد أجيال، وصاحب رسالة هداية للعالمين. كان مثالًا للنجاح الذي لا يُقاس بالمناصب أو المال، بل بالإنجاز الحقيقي في إصلاح النفوس والنهضة بالناس.
ومع ذلك، لم تكتف عظمته بما تحقق في الخارج، بل تمثل المثال الأعلى في حياته العملية؛ فقد جسد الكمال الأخلاقي في كل أعماله، فكان الصادق الأمين، الحليم الرحيم، العادل، الأمين على العهود، ورافدًا للرحمة والإنسانية في كل تعاملاته. كما وصفته خديجة رضي الله عنها: «والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق».
ثانيًا: العظمة الروحية والفكرية:
العظمة الروحية للرسول ﷺ تتجلى في قدرته على حمل الرسالة الإلهية، وإيصال نور الله للنفوس البشرية، وتحقيق التوازن بين الروح والجسد، بين الواجبات الدينية والحياة اليومية؛ فقد أنزل الله عليه القرآن ليكون دستور الحياة، ونور الهداية، ومنهجه الحضاري في التعامل مع الإنسان والطبيعة. قال تعالى: ﴿وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْأٓخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].
أما الفكرية، فقد كانت عظمة النبي ﷺ الفكرية تتمثل في رؤيته الشاملة التي جمعت بين حرية الفكر وصدق الضمير، بين الشورى والعدل، بين مكافحة الفساد والحفاظ على القيم، ليكون لكل فرد في مجتمعه مكانة وحق، ولينشر العلم والمعرفة، ويحرر الحياة من الظلم والاستبداد. لقد أسس حضارة قائمة على التوازن بين العقل والوحي، وبين الحرية والالتزام، وبين التقدم المادي والسمو الروحي.
ثالثًا: العظمة الاجتماعية والإنسانية:
إن مكانة النبي ﷺ في مجتمعه كانت مقياسًا لعظمته؛ فقد أحببته القلوب، وأجمعت عليه النفوس، وكان قدوة في السلوك، وأساسًا للألفة والرحمة بين البشر؛ ففي مكة كان الصادق الأمين، وفي المدينة كان القائد الحكيم، المبادر إلى العدالة، المبين للحق، والمربي للأمة على الأخلاق السامية.
وفي بعده الإنساني، كان ﷺ الأب الروحي لكل الإنسانية، لم يقصر قلبه عن أي مخلوق، فقد كان يحزن على الضالين والخاطئين، ويبكي على موت أي إنسان، ويحرص على وحدة الناس في دينهم وأخلاقهم وحقوقهم. لقد جمع بين الرحمة بالضعفاء والعدل مع القوي، وبين التواضع مع الحكمة، وبين الشفقة مع القوة، فكان حقًا قدوة عالمية في الإنسانية.
رابعًا: العظمة الحضارية والدعوية:
لقد جسدت حياة الرسول ﷺ حركةً حضارية متكاملة؛ فهو لم ينهض بنفسه فحسب، بل حرك الأمة كلها نحو الإصلاح، وقيادة البشرية نحو العدل والعلم والمعرفة. كانت دعوته دينًا حيويًا وديناميكيًا، يُلهم الإنسان على العمل والإبداع، ويحث الشعوب على السعي للبناء والتعمير والإصلاح.
ففي زمنه ازدهرت العلوم والفنون، وبنيت المدارس والمكتبات، وعمّت الزراعة والصناعة، ونشأت طرق التجارة والمدن المستقرة، وصارت الأمة الإسلامية قوة حضارية أثرت في العالم كله، حتى إن أوروبا ارتبطت حضارتها لاحقًا بالإرث الإسلامي في العلوم والمعرفة والنظام الاجتماعي.
إن هذا العرض لموازين العظمة في شخصية النبي ﷺ ما هو إلا لمحة عن عظمة خارقة للعادة، لا يحيط بها غير الله، ولا يُقاس بها إلا بميزان الوحي والقيم الإنسانية العليا، فكل جانب في شخصيته يدل على أنه ﷺ كان القرآن يمشي على الأرض، ناطقًا بالحق، مطبقًا للعدل، وهادياً للعالمين.