قصيدة : مِصْرُ الكِنَانَةُ


من ديوان ( لأمة التصوف )

للكاتب والشاعر الإسلامى : بدرى البشيهي

مِصْرُ الكِنَانَةُ، وَحِّدُوا مَوْلَاهَا
بِالْأَمْنِ والتَّوْحِيدِ قَدْ أَوْلَاهَا

مُذْ أُجْرِيَ النَّهْرُ الفَتِيُّ عُذُوبَةً
مُذْ خَطَّ إِدْرِيسُ النَّبِيُّ عُلَاهَا

مُدُنًا تُوَحِّدُ مَنْ حَبَاهَا صَبْرَهَا
فَاحْذَرْ نَفَادَ الصَّبْرِ يَا أَشْقَاهَا

إِنَّ الحَضَارَةُ أُخْرِجَتْ مِنْ نِيلِهَا
وَالجُنْدُ تَحفْظُ أَرْضَهَا وَسَمَاهَا

جَيْشٌ لَهُ فِي النَّازِلَاتِ مَعَامِعٌ
شَابَ الوَلِيدُ إَذَا يُدِيرِ رَحَاهَا

وَبِهِ أَمَانٌ لِلْفَقِيرِ وَرَمْيَةٌ
لِلْمُرْجِفِينَ فَكُفَّ عَنْ إِيذَاهَا

هِيَ فِي رِبَاطٍ لِلْقِيَامَةِ مُوَثَقٍ
وَبِذِمَّةٍ فِي القِبْطِ عَزَّ خُطَاهَا

هِيَ جَيْشُهُ الغَرْبِيُّ قَدَّرَ سَرْدَهُ
دَاوُودُ يَذْكُرُ رَبَّهُ فَحَمَاهَا

والنَّصْرُ أُنْزِلَ فِي الكِتَابِ أَنِ ادْخُلُوا
مِصْرَ الأَبِيَّةَ وَاحْتَمُوا بِحِمَاهَا

فَقِبَابُهَا فِيهِا النَّدَى لِمَنِ ارْتَدَى
ثَوْبَ السَّلَامِ وَمَا أَرَادَ أَذَاهَا

وَتُرَابُهَا فِيه الرَّدَى لِمَنِ اعْتَدَى
وَبِسَهْمِ كَيْدِ الوَاهِنِينَ رَمَاهَا

فَهُنَا تَجَلِّي النِّسْرُ يَصْعَقُ بِالعَصَا
لِمَا انْجَلَتْ قَدْ أَوْجَلَتْ مُوسَاهَا

وَالنَّارُ أَضْرَمَهَا الجُنُودُ لِمَنْ عَصَا
وَالأَمْنُ فِيهَا مُنْذُ قِيلَ دَحَاهَا

مِنْ مَرْيمَ العَذْرَاءِ حَتَّى آلِهِ
أَمِنُوا بِهَا فَالحَقُّ مَنْ يَرْعَاهَا

والأَزْهَرُ الوَسَطِيُّ صَخْرَةُ خِضْرِهَا
مَا عَاشَ يَغْرِسُ فِي النُّفُوسِ هَوَاهَا

وَالشَّيْخُ أَحْمَدَ فِي عِمَامَتِهِ عَلَا
وَسَمَا عَلَى بُسُطِ الهُدَى فَتَنَاهَى

مَا أَطْرَبَ الدُّنْيَا نَشِيدُ مَحَبَّتِي
وَلُحُونُهُ تَزْهُو بِحُسْنِ صِبَاهَا

مَا اسْتَبْسَلَ السَّادَاتُ مَا عَرَفُوا الكَرَى
حَتَّى أَعَادَ أُسُودُهَا سَيْنَاهَا

مَا أَقْدَمَ الأَبَرْارُ نَحْوَ قَنَاتِهَا
مَا أَدْبَرَ الأَشَرَارُ عَنْ صَحْرَاهَا

مَا صَاحَ طَيْرُ النِّيلِ في أَجْوَائِهَا
وَاللهُ أَكْبَرُ فِي الوَغَى بُشْرَاهَا

وَ(المِيجُ) تَحْفَظُهَا (الرَّفَالُ) فَلَا تَكُنْ
بَيْنَ الأَعَادِي حِينَ تَفْغُرُ فَاهَا

وَعَلَى حُدُودِ النَّهْرِ أَرْفَعُ رَايَتِي
فَارْفَعْ شِعَارِ النَّصْرِ حِينَ تَرَاهَا

فَعَلى شَوَاطِئِها العِنَايَةُ لاحَظَتْ
سُفُنَ النَّجَاةِ فَمِصْرُنَا مَجرَاهَا

وَالطُّورُ جُودِيٌّ عَلَيْهِ نِدَاؤُهَا
قَرَّتْ فَقَرَّتْ بِالنِّدَا عَيْنَاهَا

وَرِيَاحُ إِيمَانِي تُزَمْزِمُ مَوْجَهَا
وَعَلى مَآذِنِ فَجْرِنَا ألْقَاهَا

فَاللهُ رَبِّي لَا مَرَدَّ لِحُكْمِهِ
وَعَلَى ضِفَافِ وِلَايَةٍ أَرْسَاهَا

هُوَ رَبِّيَ الخَلَّاقُ جل جلاله
هوُ مُخْرِجٌ مِنْ كَوْثَرِي مَرْعَاهَا

فِي جَنَّةِ الرِّضْوَانِ دَرْوِيشٌ أَنَا
نِلْتُ الكَرَامَةَ وَالنَّدَى وَالجَاهَا

وَنَشَأْتُ فِي طُهْرِ الصَّعِيدِ مُوَحِّدًا
رَبَّ الوَرَى في خِرْقَتِي أَوَّاهَا

مُتَشَرِّعًا مُتَحَقِّقًا مُتَصَوِّفًا
بِالدَّمْعِ في الخَلَوَاتِ شَكَرَ اللهَ

شُكْرًا لِمَنْ جَعَلَ الكِنَانَةَ مَوْطِنِي
فَخْرًا وَتِيهًا لا أُحِبُّ سِوَاهَا

مَحْبُوبَتِي مَعْشُوقَتِي بِعُيُونُهَا
شَبَّ المَشِيبُ فَجَلَّ مَنْ سَوَّاهَا

وَالرُّوحُ تَفْدِيهَا وَمُهْجَةُ شَاعِرٍ
صاَغَ القَلَائِدَ فَارْتَدَتْ أَغْنَاهَا

أُنْشُودَةُ العِشْقِ المُعَتَّقِ فِي دَمِي
وَالطَّيْرُ فِي لَحْنِي أَنَا غَنَّاهَا

وَتَرِي شَغَافُ القَلْب يَنْزِفُ بَوْحَهُ
فِيهِ المَحَجَّةُ عَانَقَتْ مَغْنَاهَا

هِيَ دَوْحَةُ المَحْيَا وَصَوْتُ خُلُودِنَا
وَقَصِيدَتِي مِنْ وَحْيِهَا مَعْنَاهَا

أَنْشَدْتُهَا فِي حِقْبَةٍ عَمْيَاءَ لَمْ
تُبْصِرْ فَأَشْرَقَ بالتُّقَى جَفْنَاهَا

فَعِبِيرُ يُوسُفَ فِي قَوَافِيَّ الهُدَى
وَقَمِيصُهُ مَا قُدَّ مِنْ إِغْوَاهَا

وَعُلُومُ آمُونٍ وَنْفَحَةُ هَاجَرٍ
تَسْعَى فَعَظَّمَ رَبُّنَا مَسْعَاهَا

عِنْدَ الصَّفَا نَبْعٌ صَفَا فِيهِ اصْطَفَى
مِسْكَ الخِتَامِ المُصْطَفَى فَرَوَاهَا

طَهَّرْتُهَا في زَمْزَمٍ مِنْ جَدَّتِي
وَلَّيْتُ وَجْهِي قِبْلَةً تَرْضَاهَا

وَقَصَرْتُ عُمْرِي فِي هَوَاهَا عَاشِقًا
وَالشِّعْرُ مَهْرِي بِاللِّسَانِ تَبَاهَى

لُغَتِي الفَصِيحَةُ وَالكِتَابُ بَيَانُهَا
وَالسِّرُّ بِ”اقْرَأ” فَاسْأَلُوا أُوْلَاهَا

فَاقْرَأْ لتَفْهَمَ قَصْدَها وَمَجَازَهَا
وَابْنِ البِلَادَ عَلَى بَدِيعِ سَنَاهَا

لُغَتِي بَنَتْ فِي الأُولَيَاتِ حَضَارَتي
لَوْلَا الَّذِي بِالأُخْرَيَاتِ قَلَاها

لَوْلَا الصَّبَابَةُ مَا غَزَلْتُ فَرَائِدِي
مَا ذُقْتُ لَذَّةَ كَأْسِهَا لَوْلَاهَا

قَلَّدْتُهَا جِيدَ الزَّمَانِ مَفَاخِرِي
فَمَضَى يُغَرِّد في الوُجُودِ وَتَاهَا

مِصْرِيَّتِي تَاجٌ يُكَلِّلُ هَامَتِي
مِصْرِيَّتِي أُمِّي، وَمَا أَغْلَاهَا!

وَأَبِي وَجَدِّي وَالرِّفَاقُ وَبَسْمَةٌ
وَأَخِي وَعَمّي خَالُهَا وَشَّاهَا

مِصْرِيَّتِي وَلَدِي وَزَوْجِي كَوْثَرٌ
مِصْرِيَّتِي بِنْتِي، وَمَا أَحْلَاهَا!

مِصْرِيَّتِي وَطَنٌ وَفِيهِ مَوَدَّةٌ
عِيسَى وَأَحْمَدُ شَمْسُهَا وَضُحَاهَا

وَمَتَى تَدُقَّ كَنِيسَتِي أَجْرَاسَهَا
تَرَنِي أُصَلِّي فِي طَهُورِ ثَرَاهَا

مِصْرِيَّتِي شَعْبٌ تَحَمَّلَ صَابِرًا
مِصْرِيَّتِي جَيْشي يَرُدُّ عِدَاهَا

إِنْ شِئْتَ لِلْأَقْصَى الأَسِيرِ تَحَرُّرًا
فَاجْمَعْ إِليَّ وَقَاتِلَنْ بِلِوَاهَا

وَاحْذَرْ فُتُونَ المُرْجِفِينَ وَلَا تَكُنْ
-يَا ابْنَ الكِنَانَةِ- حَامِلًا بَلْوَاهَا

تِلْكُمْ مُوَاطَنَةٌ عَلَيْهَا أَقْسِمُوا
بِالرُّوحِ نَفْدِي صُبْحَهَا وَمَسَاهَا