الخطاب الدينى بين المغالى فيه والجافى عنه
3 ديسمبر، 2025
الوهابية ومنهجهم الهدام

بقلم فضيلة الشيخ : يوسف محمد السعداوى
من علماء الأزهر والأوقاف
الدعوات الهدامة من أين تولدت
نبدء معا بهذه القصة الحقيقية والتى عايشتها بنفسى.
يوما ما وأنا إمام لأحد المساجد اذكره جيدا كنت أصلي بالناس المغرب وسهوت عن التشهد الأوسط واعتدلت للقيام وكبرت تكبرة الانتقال فأخذ الناس ينبهوني للسهو ولكني طبقت القاعدة الشرعية الخاصة بالسهو في هذا الموضع من الصلاة
ثم بعد أن أتممت الصلاة واستدرت للجمهور أوضح لهم الحكم الفقهي الذي تعلمناه من فقه المذاهب
وشرحت للناس رأي الإمام الشافعي عليه رحمة الله تعالي وما استند اليه من سنة النبي صلي الله عليه وسلم الفعلية والقولية في ذلك الموضوع الذي أريد طرحه……………
كان يصلي معنا زميلا من الزملاء وكان ممن جلس للدرس فإذا به يشير إلى معترضا علي شرحي رأي الإمام الشافعي!
فقلت له وماذا اقول ؟
قال لي ؛ ألست عالما مثله ؟
قلت وماذا بعد ؟
قال ؛ تحدث للناس من كتاب الله وسنة رسوله فليس هناك مايسمي مذاهب….
فنظرت إلى الناس وأنا مبتسم واسألهم…. هل تريدون أن افتي لكم أنا وتثقون في اجتهادي لكم كما يريد الشيخ أم اظل احدثكم بما حدث به واجتهد فيه ائمتنا مادام عندهم حل ؟
فرد أغلبهم وقال ؛ أنت علي الرحب شيخنا مادمت تحدثنا بما قال به أهل الثقة من العلماء الربانيين (نحن نثق في اجتهاد ائمة الفقه ولا نثق في اجتهاد غيرهم)
بيت القصيد ……….. هذا كان في بداية الألفية الثالثة تقريباً من اعوام تتعدى العقدين من الزمن ………….
الخديعة من أين اتت
من هنا تذكرت سنة قبيحة ابتدعت وهي سنة الندية التي اصطنعها الخبثاء ليمرروا خنجرهم المسموم فى جسد الأمة، والتى جعلت ممن لا علم لهم وانصاف المتعلمين ندا للعلماء و يعلوا صوتهم فوق صوت العقل والحكمة والعلم الشرعي بل زكوا أنفسهم علي أهل الذكر والعلم وعطلوا فرض القرآن (فسئلوااهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)
أن ما خدعنا به أهل الأغراض والتوجهات من اصحاب الهوي هو مثل ماقال به هذا الزميل – متأثرا بفكرة فقه الدليل المشؤومة – أن يجتهد كل منا في فهم النصوص واستخراج الحكم الفقهي من تلقاء نفسه دون الرجوع إلى أهل العلم والاستئناس برأيهم والاستنارة بفقههم .
غزت هذه الفكرة من خلال المساجد التي ليس لها إمام أزهري – وخصوصاً المساجد التي كانت تدار بمعرفة الجمعيات بمصرنا الحبيبة – أئمة سموهم المجتهدين ؛ ربوهم علي نفس المذهب وهو هدم فقه المذاهب واحلال فكرة فقه الدليل محله – حجتهم أنه بين أيدينا كتاب الله وسنة نبيه ، أما علماء المذاهب الفقهية فهم اناس مثلنا ليسوا انبياء ولا رسل ولنا عقول كما لهم عقول – فخرجوا علينا بكل الشذوذ والاعوجاج العقدى والفقهي والتشدد في الفتوي واتباع ظاهر النصوص بكل خفة حلم وقلة علم فربوا جيلا علي تسيه اساطين الأمة من العلماء والأخذ منهم والرد عليهم بلا ادنى تجرد أو انصاف ،وها نحن نعاني منهم الآن وتكونت علي هذ الفكر هذه الجماعات التي ظهرت مؤخرا فكفرت الأمة واستأثروا لانفسهم بالدين كما يزعمون .
ثم ثم اتخذوا رؤسهم علماء وخلعوا عليهم القدسية ، ثم نفوها عن رعيل العلماء الأول، واولوا علماءهم المزعومين السمع والطاعة ، ثم اصبحوا فرقا تتبع ائمتهم وتركوا مادونهم ونبذوا كل رأي دون رأيهم ثم تناحروا مؤخراً فيما بينهم يسفه بعضهم بعضاً على ما نرى ونسمع
كان هدفهم ولا يزال هدم ارث المسلمين من صحيح الإسلام، وسماحة شريعته ،واتساع الفتوي الشرعية للرأي والرأي الآخر، تيسيرا علي الناس ،واستيعاب ضعافهم قبل اقواياءهم ؛ الي منهج متشدد ، نظر إلى الإنسان علي أنه آلة يجب أن ينتج عبادة حسب كتالوج العبادة الذي ابتدعوه
منهج نحي منحي القشرية
السطحية وظاهر النص مبتعدا عن الثوابت التي يتعارف عليها العالم كله في اصول البحث العلمي ومنهجة الادوات ومنطقة المقدمات والنتائج واصول اللغة وعلومها مخالفا حتي الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهي حب الخير وعمارة الأرض .
فكرتهم قائمة علي فكرة رجل الدين المقدس التي اغرقت الغرب في الظلام والجهل في العصور الوسطى وهذا ما يدل على أنها فكرة معلبة مستوردة لها اهدافها الممولة .
لقد جردوا الدين من روحه الي جعله جسد ميت وارث من النصوص ينعقون بها ولا يفقهون شيئا مما يقولون حجتهم في عدم الفهم هى وضوح النص وقطعية الدلالة -علي حسب قولهم ـ تمسكا بظاهره دون فهم مقاصده أو الوقوف عليها
هذا فريق بفكره
وهناك فريق آخر بأفكار مضادة مستوردة أيضاً ومعلبة
خرج علي نفس فكرتهم الهدامة دعاة العلمانية والتنوير ،يرون في انفسهم المخلص الاوحد من هذا الكهنوت الذي يحاول السيطرة باسم الشريعة والدين في بوتقة جديدة ،حجتهم في ثورتهم ماخلفه الفريق الأول من آثار كان مردودها علي الدنيا والدين مالا يخفي علي عالم أو جاهل ،و أن النصوص الشرعية ارث معتم لا يتوافق مع التقدم والرقي متأثرون بثقافة الغرب وثورتهم علي الدين بسب فساد رجاله وكهنته وتعطيلهم للعلم والمعرفة ظننا منهم أن الإسلام ينهج نفس المنهج المعطل متمثلا في رجاله .
فأثار الفكر المتشدد الذى يجذب الناس نحو التجمد والوقوف بالحياة عند مظاهر الحياة فى القرون الأولى كان دافعاً قوياً لخروج فكرة التخلص من الإرث الثقافي الإسلامي بحجة أنه الرافد لهذه الأفكار المتشددة المعطلة لسير التقدم والمدنية.
وللأسف بنوا فكرتهم علىأساس ماتخلف من آثار فكر مخالفيهم ويضعون في عراكهم النصوص الشرعية التي لويت اعناقها وجمدت مقاصدها الحقيقية لحساب اهواء وتوجهات الفريق الأول ؛دون أن يكلفوا انفسهم النظر في اصوليتها ومقاصدها فراحوا يرجمون بها الدين ويدعون للتحرر من قيوده .
لو أردت تشبيها أقول انها كمعركة العميان حتي أن الجميع في نهاية المطاف يستدير كل منه علي رفيقه فيضربه ويستدير بيده التي بها العصا علي يده الاخري الخالية فيضربها لمجرد أنها ليس بها عصا
إنها اشبه بخروج شيطان يهزي مستندا إلى سوء فعل شيطان سبقه في أحقية مايدعوا اليه .
إن الحقيقة أن فقه التشدد والجمود والتمسك بظاهر النصوص فقه عقيم ومتجافي عن حقيقة الإسلام وشريعته ويضر بمجتمع الانسانية ؛إلا أن دعوات الخروج علي الشريعة وتعطيل العمل بها أضر… لأنها أغلبها دعوات تهدم كل الثوابت والقيم والأخلاق الاجتماعية التي لا غني لاي مجتمع ـ سويُّ المبادئ والتوجه ـ عنها .
ما خرج به الفريق التنويري لمواجهة الفكر المتشدد أنه يري اليوم أن فقه الأمس لا يصلح لنا
ربما هى رؤيا تزامنت مع ضياع الهوية الثقافية والتبعية التي حلت علي المجتمع على أثر غزوات ثقافة الخارج ، والتهميش الفكري والثقافي ، و والجنوح إلى الاعتماد على العقل وحده ومنطقة الامور دون تكلف الجهد للتأصيل والتنقيح الأفكار وتفنيدها ،سواء أكان منطقا سليما اوغيره وتزامن أيضا مع ماحل ببلاد الإسلام من ضعف وهوان وتكالب علي الدنيا .
إن شريعة عصور الثقافة والفكر وكثرةالموارد الثقافية وازدهار الاداب والعلوم والقوة والاتحاد حقا لا يستطيع أن يحكم بها الضعيف المشتت فخروجنا عليها هو امر طبيعي تجسده حالة الأنقياء والتبعية الفكرية والثقافية للآخر حتى أنه يفرض علينا مظهرنا من خلال مايسمونه بصيحات الموضة والعالمية …… ثقافة الببغاوات ……..
إن قوما اصبحت ثقافتهم تقليد الآخر في كل مايفعل وتسليم العقل لها تسليما بديهيا دون النظر في نفعه وضره حق بهم أن يتمزقوا وتضعف مجتمعاتهم
لو نظرنا بتدقيق لوجدنا أن العوالم من حولنا يحافظون على هويتهم وثقافاتهم وحتي ادابهم ولغاتهم ،ونحن فقط من يريد أن ينسلخ من عراقته واصوليته، متمردا على مجتمعه ليس لشئ إلا لانبهاره بالصورة الإعلامية التي يروج بها كل من يرد ان يسود غيره ويهمن علي مقدراته ويجعله تابعا له يروج بذلك لنفسه “
انظروا حولكم ستجدون ذلك واضحا في شتي صور الحياة من حولنا
إنها مقصودة
فما بين جاهل ينعق بمالا يسمع الا دعاءا ونداءا ،ومقلد لا ثقافة لديه سو انبهار السفيه بنار حريق يأكل الاخضر واليابس ، يوضع المجتمع بين ضروس الإنهيار والتمزق
إن آلة المديا التى بين ايدينا ونفقد السيطرة والتحكم فيها وتحكمها بيد غيرنا أدت إلى الاستغناء عن الكتب وضعها علي رفوف المكتبات بعض الوقت لتنزع من الصدور ثم تحرق بعد ذلك كتراث عفا عليه الزمن ؛ ويحل محلها السوشل مديا والمعلومات الموجهة والمستهدفة ؛ والإعلام بمواده الساذجة والرديئة لتتشوه النفوس والعقول وتضطرب التوجهات وتضمحل روافد الثقافة والفكر ليحل محلها السفسطة والجهل والتشكك فى القيم والثوابت التى تقوى عضد المجتمعات وترابطها وتحافظ على هويتها ، وهذا مايحتاجة كل من يريد أن يغير هوية أي مجتمع ويمحوا شخصيته ويجعله مجتمع تافه متحول منخلع من جذوره تابع منقاد يسهل تطويعه والسيطرة عليه والاستيلاء علي مافي يده من نعمة أو اخضاعه لتبعية فكرية لتحقيق مآرب سُلطوية واحياء ملك بائد
ولو نظرنا نظرة تمحيص إلى منشأ الفكر المتطرف ونقيضه من الفكر المنفلت المتحرر سنعلم على اليقين أنه تنافس بين اطماع فى الشرق والغرب للنفوذ والسيطرة واخضاع الشعوب
فهل نستفيق وندحر هذا الغزو ونتمسك بحضارتنا وعراقتنا بين الأمم وهويتنا وثقافتنا التى علمت العالم كيف تقوم الحضارات وتبقى الأمم خالدة على مر التاريخ