منزلة اليقظة
29 نوفمبر، 2025
منبر الدعاة

(مقامات السلوك إلى حضرة ملك الملوك) (٣)
بقلم الشيخ : محمد رجب أبوتليح الأزهرى
عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف
واليقظة : ضد الغفلة، وهي في اللغة ضد النوم، والغفلة، وتعني الإنتباه.
وفي الاصطلاح: الانتباه وحسن معرفة الأمور، والتفطن وأخذ الحذر لها.
وقال الكفوي: (التيقظ: كمال التنبه والتحرز عما لا ينبغي) .
وهي مقام ينتقل فيه القلب من منزلة الغفلة إلى منزلة الانتباه لما كلف به من أداء المأمورات، والحذر من الوقوع في المخالفات لأمر رب الأرض والسموات، في حال سيره إلى الله.
وهي أول منازل العبودية، تحدث بانزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين. وما أنفع هذه الروعة، وما أعظم قدرها وخطرها، وما أشد إعانتها على السلوك، وإلا وقع القلب في سكرات الغفلة، وصار أسيرا في حبال الهوى وحب الشهوات، فإذا انتبه شمّر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي جاء منها.
فأخذ في أهبة السفر، فانتقل إلى منزلة العزم، وهو العقد الجازم على المسير إلى الله، ومفارقة كل قاطع ومعوّق، ومرافقة كل معين ومُوصّل.
وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمه، وبحسب قوة عزمه يكون استعداده.
فإذا استيقظ أبصر في كل وقت الحال الآخرة وعاين تلك المشاهد، فيكون مستعدا للقاء، فبيصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مُهْطِعين لدعوة الحق، وقد نزلت ملائكة السماوات فأحاطت بهم، وقد جاء الله، وقد نُصِب كرسيُّه لفصل القضاء، وقد نُصِب الميزان، وتطايرت الصحف، واجتمعت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه، ولاح الحوض، وكثُر العطاش وقلّ الوارد، ونُصِب الجسر للعبور، ولُزَّ الناس إليه، وقُسّمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه، والنار يحطِم بعضها بعضاً تحته، والمتَساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين.
فينفتح في قلبه عين يرى بها ذلك، ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه الآخرة ودوامها، والدنيا وسرعة انقضائها.
فتتحقق حقائق اليقظة، في قلبه، بالتوبة، والمحاسبة، والإنابة، والتفكر، والتذكّر.
وشاهدها من قول الله عز وجل: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله} فالقُومة لله هي: اليقظة من سنة الغفلة والنهوض من ورطة الفترة.
وهي أول ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه.
وهي كما قال العارفون: ثلاثة أشياء:
الأول: لحظ القلب إلى النعمة، على الإياس من عدّها، والوقوف على حدّها، والتفرّع إلى معرفة المنّة بها، والعلم بالتقصير في حقّها.
والثاني: مطالعة الجناية
والوقوف على الخطر فيها، والتشمّر لتداركها والتخلّص من ربقها، وطلب النجاة من أسرها.
الثالث: الانتباه لمعرفة الزيادة والنقْصان في الأيام ، والتنصّل عن تضييعها، والنظر إلى الضنّ بها ليتدارك فائتها، ويعمر باقيها.