أنفاس العائدين… وأنوار السالكين
29 نوفمبر، 2025
منبر الدعاة

الرحلة الخامسة من سلسلة ( رحلة القلوب إلى الله )
بقلم الدكتورة : إيمان إبراهيم عبد العظيم
مدرس بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر – واعظة بوزارة الأوقاف
أنفاس العائدين إلى الله… بداية العودة ورفرفة الروح، هي أنفاس ليست كغيرها؛ يغسلها الندم، ويُطهّرها الشوق، ويُزهر فيها الإيمان من جديد.
يعود العبد وفي صدره رغبة صادقة ألا يضيع ثانية، فيتنفّس:
“يا رب… إن لم تقبلني، فمن يقبلني؟”
وتأتي الإجابة في نعمة الطمأنينة التي تتسلل إلى قلبه كنسمة فجر لا تُرى ولكن يُؤمن بها.
يرى نورًا في آية، عزاءً في سجدة، حياةً في دمعة، ويشعر أن الطريق وإن طال، فإنه ممهد لمن أقبل بقلبه.
وهنا تبدأ رحلة السالكين… رحلة لا تُقاس بالخطوات، بل بما تغير في الداخل.
أنوار السالكين… نور يهدي، ونور يثبت، ونور يرفع
كل خطوة في طريق الله تحمل نورًا يناسبها:
نور الهداية الذي يوقظ القلب.
نور الطاعة الذي يطهّره.
نور السكينة الذي يسكن اضطرابه.
ونور القرب الذي يعجز اللسان عن وصفه.
إن أنوار السالكين ليست أضواء تُرى بالعين، بل إشراقات تُحسّ بالروح ، وإحساس بأنك لم تعد وحدك، وأن الله يدير حياتك برفق، وأن ما كنت تظنه ضياعًا كان طريقًا إلى مزيد من الوعي به سبحانه.
وبين الخوف والرجاء… يتنفس القلب حياة جديدة
يسير السالك بين خوفٍ يحفظه من الغرور، ورجاءٍ يحفظه من اليأس.
يلتفت إلى الأمس فلا يجد إلا مجاهدة، وينظر إلى الغد فلا يرى إلا وعدًا بلقاءٍ يليق بجلال الله.
وحين يشتد الطريق، يرسل الله لعبده من رحمته ما يقيم قلبه ويثبّته: كلمة يسمعها، آية يقرؤها، دعوة تُستجاب بلا ميعاد.
إنها لحظة الوصال… حين يسكن القلب بعد طول تعب
وحين يصدق العبد حق الصدق، ويتخفف من أثقاله، يأتيه نور الوصال:
نور يجعل الليل أنقى، والسجود ألذّ، والذكر أوسع من حجم الألم كلّه.
يدرك أن قرب الله لا يُنال بكثرة العمل فحسب، بل بكثرة الصدق، وأنه مهما ابتعد، فإن الله أقرب إليه من نفسه.
فأنفاس العائدين ليست نهاية، بل ابتداء حقيقي للعمر وأنوار السالكين ليست آخر الطريق؛ فالرحلة إلى الله رحلةٌ دائمة، تتجدد مع كل فجر، ومع كل سجدة، ومع كل لحظة يوقن فيها القلب أن الله هو ملاذه الأول والآخر.
فطوبى لمن عاد…
وطوبى لمن سلك…
وطوبى لمن جعل الله وجهته، ورضاه غايته، وقلبه طريقًا إليه لا يضل ولا ينسى.
أنفاسُ العائدين… وأنوارُ السالكين
أنفاسٌ تعود… وقلوبٌ تجود
فما أبهى لحظةَ عودةٍ يشرق فيها القلب بعد طولِ خفوت،
وما أرقَّ نسمةً تهبُّ على روحٍ أنهكَتها الطرقُ والبيوت.
هناك، حيث يُفتح بابٌ من رحمةٍ لا يُغلق، ويُكتب للعائدين عهدٌ لا يُمزَّق، يتنفس العبدُ أنفاسًا جبرها الندم، وزكاها الألم، فأصبحت كالمسك يفوح، وكالضياء تلمع وتسطع.
و ما بين خطوةُ المُقبل… ورفقةُ المُهتدي…يمشي العائدُ نحو ربّه خطوةً بعد خطوة،
فإذا كل خطوة نور، وكل زفرة سرور،
وإذا قاربتْ دمعتُه خده، مسحها الله بعطفٍ لا يفوقه عطوف.
يتردد في قلبه صوتٌ خفي:“ارجع… فإني القريب، وإن أطلتَ الغياب.”
فيمضي كالسائر بين رَوحٍ ورَيحان،
وكأنّ الطريق تمهّد لأجله، والأحزان وراءه تذوب وتنهان.
انتبه…. إنها أنوار السالكين… إشراقٌ يُحيي، ونورٌ يُهدي
ما أعجبَ أنوارَ السالكين!
تشرق في القلب قبل العين، وتُضيء الدرب قبل الخطوة.
هي أنوارٌ لو نزلت على الصخر لألانته،
ولو مرّت على الحائر لأوصلته، ولو لامست قلبًا منكسرًا لأقامته.
هي نور الهداية، ونور الكفاية، ونور العناية…نورٌ يُقال فيه:
“من وجد الله… فما فقد.”
و في هذه الرحلة وبين الخوف والرجاء… مقامٌ لا يبلَى حيث يقف السالك بين خوفٍ يحرسه من الغفلة، ورجاءٍ يرفعه عن وحشة الطريق.
لا يغترُّ إن أقبلت عليه النعم، ولا ييأس إن أدبرت عنه الأيام،
فالله عنده سرُّ الاتزان، ونفحةُ الاطمئنان، ولطائفٌ تُساق بلا إعلان.
وتصبح أنفاس العائدين، وصالٌ يُسكن، وقربٌ يُمكن، وحين يصدق القلبُ صدقًا لا يشوبه التردد، يُسقى برشفةٍ من سكينةٍ لا تشبه سكينة، ويُؤذن له بأن يدخل حضرة القرب،
حيث المناجاة لذّة،
والسجود راحة،
والدمعةُ شفاء.
هناك يدرك أنّ العمر يبدأ عند باب الله،
وأن الطريق إليه وإن طالت مسافاته…
فإنه أقرب من نبض، وأدفأ من روح، وأرحم من كل مخلوق.
وتبقى أنفاس العائدين عطرًا لا يزول،ختامٌ كابتداء… وسيرٌ لا انتهاء.
وتبقى أنوار السالكين نُورًا لا يَحول،
ويبقى القلبُ ما دام حيًّا…يبحث عن وجهٍ لا يغيب، ورحمةٍ لا تنقطع، وربٍّ إذا أقبل عليه العبدُ خطوة…
أقبل عليه ربُّه مدًّا بلا حدود.