لماذا ينجذب التائبون إلى التشدد؟

بقلم الأستاذة: سيدة حسن 

لماذا يختار كثير من المبتدئين في طريق الالتزام الديني المنهج الأكثر تشددًا؟ ولماذا يستمر البعض ويغوص في المغالاة بينما يستيقظ آخرون وينتقلون إلى التوازن والاعتدال؟

هذا السؤال ليس نقدًا لفئة، بقدر ما هو محاولة لفهم مسارٍ إنساني متكرريبدأ بالبحث عن الله، وينتهي أحيانًا عند أشخاص لا يشبهون منهج النبي ﷺ في الرحمة والرفق.

أولًا: لماذا ينجذب المتشددون إلى التائب؟

1. لأن التائب يبحث عن يدٍ تمسكه بقوة :
الإنسان الخارج من ذنب أو ضياع يشعر بأنه ضعيف مكسور ويحتاج لمن يمسك بيده بقوة لا تردد فيها والخطاب المتشدد عادةً خطابٌ جازم هذا حلال، وهذا حرام ،افعل ،لا تفعل  ، لا أسئلة، لا اجتهاد، لا تدرُّج. فيتوهّم التائب أن القوة = الصواب.

2. لأنهم يقدمون هوية جاهزة وانتماءً سريعًا :
المتشددون يجيدون صناعة “الجماعةيُشعرون التائب بأنه أصبح واحدًا منهم أنت الآن على الحق… أنت من الفرقة الناجية… أنت خاصتنافيجد التائب دفئًا كان يفتقده، فينجذب إليهم قبل أن ينضج علميًا وروحيًا.

3. لأن خطابهم عاطفي يعتمد على الخوف والندم :
التائب قلبه ليّن، والندم يملكه فإذا سمع بكاءً، وصوتًا يهزه، وحديثًا عن النار والعذاب، ظن أن هذا هو الصدق، مع أن النبي ﷺ كان أكثر الناس رحمة وابتسامة وبُشرى.

ثانيًا: لماذا يذهب التائب إليهم أصلًا؟

1. حرارة البداية :
البدايات دائمًا فيها اندفاع ولأن التائب يريد أن يتطهّر بسرعة، يظن أن الطريق الأصعب هو الأقرب إلى الله.

2. غياب العلم الشرعي :
من لا يملك أدوات الفهم يقع تحت تأثير من يملك الصوت الأعلى، لا العلم الأكبر.

3. الهروب من الماضي :
التشدد يعطي انطباعًا بقطع كل علاقة مع الحياة السابقة فيشعر التائب أنه “ولد جديد”، حتى لو كان ذلك على حساب الفهم الصحيح.

4. الخلط بين الجدية والتشدد :
التائب يريد الجدية،لكن يُخدَع أحيانًا ويظن أن الجدية هى الصرامة، وأن الدين هو المشقة.


ثالثًا: لماذا يستيقظ البعض ويترك هذا الطريق لاحقًا؟

1. لأن القلب لا يحتمل الغلو طويلًا:
الغلو يُرهق يصنع قلقًا روحيًا، لا طمأنينةومع الوقت يكتشف الإنسان أن الطريق الذي يستهلك قلبه لا يمكن أن يكون طريق الله.

2. رؤية التناقضات:
المشاكل تبدأ حين يرى المبتدئ المنهج المتشدد من الداخل قسوة بلا مبرر أحكام بلا دليل أحاديث تُقتطع تكفير وتخوين وعظ الناس مع سوء معاملة أهل البيت فيبدأ عقله في طرح الأسئلة والأسئلة بداية الشفاء.

3. التعلم الصحيح :
من يفتح كتب الفقهاء الكبارأو يسمع العلماء الراسخين يكتشف فجأة أن الدين أرحب بكثير مما ظنه.

4. التجارب القاسية :
بعض الناس تتأذى من الغلو في الزواج، أو التربية، أو العلاقات فحين يرون أن التشدد يُنتج ظلمًا يتراجعون عنه.

رابعًا: لماذا يزداد آخرون تشددًا ويصبحون نسخة من شيوخ الغلو؟

1. الشعور بالتفوق الروحي:
الغلو يعطي الإنسان وهم الأفضلية أنا أشد إذن أنا أطهر إذن أنا أقرب إلى الله وهذا شعور خطير يلتهم النفس من الداخل.

2. الانغلاق داخل جماعة واحدة :
تبدأ القصة بطاعةوتنتهي بعزلة فكرية تمنع الإنسان من سماع أي رأي آخرفيغيب العقل، ويقود الطريق الخوف.

3. التدرج في الانزلاق :
الغلو لا يبدأ شديدًا بل يبدأ خطوة صغيرةتشدد في عادة ،ثم سلوك ثم حكم ثم نظرة للناس، حتى يصل الإنسان إلى أن يظن أن الرحمة ضعف وأن القسوة عبادة!

4. الحاجة النفسية للشعور بالانضباط :
بعض الشخصيات يجد في التشدد ملجأً نفسيًا قواعد صارمة تخفف عنه عبء التفكيرفيتعلق بها ويقدسها.

خامسًا: ما الطريق الصحيح إذن؟
الدين لا يُبنى على الخوف وحده،ولا على الحماس وحده،ولا على الانتماء لجماعة،بل على العلم، القصد، الرحمة، والتدرُّج والنبي ﷺ الذي جاء بالدين نفسه هو الذي قال:هلك المتنطعون ، وهو الذي اختار الأيسر ما لم يكن إثمًا،وهو الذي جمع الناس على الرحمة لا الغلظة.

فالطريق إلى الله طريقٌ مستقيم،لا يميل إلى التشدد الذي يكسر القلوب،ولا إلى التسيّب الذي يميت الروح،بل إلى وسطية تهذّب النفس، وتُكرم الإنسان، وتُنير القلب.

خاتمة:
ظاهرة الانجذاب للتشدد في بدايات الالتزام ليست حكمًا على التائب بل دليل على أنه يبحث عن الحق بمنتهى الصدق.

والدور الحقيقي للدعوة اليوم هو مده بالعلم والرحمة والاحتواء، حتى لا يقع في أيدي من يشوّهون صورة الدين باسم الغيرة عليه.

فالدين الذي نزل على قلب محمد ﷺهو دين يسع البشرية،ولا يضيق بالعبد إذا رجع إلى ربه بقلب مكسور ونيّة صادقة