بين الحديث الصحيح والدعوى الباطلة : حقيقة شرب بول الإبل

بقلم فضيلة الشيخ : محمد إسماعيل المالكي ( السودانى )

وهم العلاج بفضلات الإبل: تفكيك خطاب الإعجاز العلمي الزائف

كثر الحديث والتناول في العقود الأخيرة لما يُعرف بـ”الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية”، حتى صار بابًا واسعًا يستدرج الناس إلى تصديق كل ما يُلبس ثوب الاكتشاف، ولو افتُعل.

ومن أكثر القضايا إثارة للجدل في هذا الباب مسألة التداوي بشرب بول الإبل، لا بناء على تجارب علمية مختبرية كما هو المفترض، إنما بناءً على الحديث المعروف في الصحيحين عن العرنيين، الذين أمرهم النبي ﷺ بشرب ألبان الإبل وأبوالها، فشفاهم الله.

وقد اتخذ بعض الدعاة من هذه الحادثة دليلًا على سبق علمي، واعتبروها من دلائل النبوة، بل ادّعى بعضهم أن في بول الإبل علاجًا عامًا للأمراض، وأن الطب الحديث بدأ يكتشف “أسراره”. غير أن هذا الادعاء يتطلب وقفة هادئة، متأنية، تفرّق بين المعجزة الخاصة، والتشريع العام، وبين الخبر الصادق، والتوظيف المؤدلج.

لا ريب في أن نبينا محمدًا ﷺ قد أُيّد بأنواع كثيرة من المعجزات، منها ما كان خرقًا للعادات، كنبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع، ومنها ما كان إشارات غيبية صدقها الواقع لاحقًا، ومنها ما ثبت بالتجربة أنه من خير الهدي، كتوجيهاته في الطب والطعام والنظافة. ولسنا ننكر ذلك، ولا نتردد في التسليم بما صحّ سنده، ووافق المعنى، وتعلّق بالحكمة. ولكننا نُطالب بالفصل الصارم بين ما لم يكن كذلك، وإخراج ما هو خاص بحادثة بعينها، وبين ما يمكن تعميمه على الأمة كلها، ثم جعله من معالم الدين أو مظاهر الإعجاز.

أما حديث العرنيين فهو ثابت، لا خلاف ولا إشكال في صحته، فقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث، وجاء من طرق عدة عن جمع من الصحابة. وقد ثبت فيه أن قومًا من عُكل وعُرينة قدموا المدينة فأسلموا، ثم أصابتهم الحمى وتغيرت أجسامهم، فتأذوا من جو المدينة، فأمرهم النبي ﷺ بأن يخرجوا إلى إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا، فشفاهم الله. ثم إنهم ارتدوا بعد ذلك وقتلوا الراعي بعد أن عذبوه وقطعوا أطرافه وسملوا عينيه، فقطع النبي ﷺ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم جزاءً لما فعلوا، وقصاصًا لذلك الراعي القتيل ظلمًا.

لم يقع الإشكال يومًا في ثبوت هذه الحادثة، وإنما وقع الإشكال في كيفية فهمها:
هل أراد النبي ﷺ أن يشرّع للناس دواءً عامًا، فدلّهم على علاج مكتشف قبل زمن الطب الحديث، أم أن الأمر كان معجزة خاصة لهؤلاء، وبالتالي لا تعني تعميم الحكم ولا ترتّب عليه توصية دائمة؟

وهل يصح أصلًا جعل هذا الحديث من دلائل الإعجاز العلمي كما يُروّج له بعض الخطباء؟

وهل توافق معطيات العلم الحديث على هذا الاستخدام، أم تعارضه؟

عند التوقف والتأمل، نجد أن المرجّح أن هذه الحادثة كانت معجزة خاصة، وليست قاعدة عامة، وأن شفاء العرنيين لم يكن لخصوصية بول الإبل في ذاته، بل لخصوصية التوجيه النبوي في ذلك المقام. والدليل على هذا أن النبي ﷺ لم يقل في أي رواية: “تداووا ببول الإبل”، ولا وردت عنه صيغة تعميم تدل على أن هذا دواء دائم لكل من أصيب بما أصيب به العرنيون. بل لم ينقل لنا التاريخ كله أن النبي ﷺ وجه أحدًا آخر، لا من الصحابة ولا من غيرهم، لشرب البول علاجًا، رغم كثرة من أصيبوا بالحمى والأمراض في المدينة، خصوصًا من المهاجرين في بدايات الهجرة، وقد نقلت كتب السيرة عنهم أشعارًا تبكي تلك الأوجاع.

ثم إننا لم نرَ أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم تداوى بالبول، ولا دلّ عليه، ولا استعمله في علاجه، رغم أنهم كانوا أسرع الناس إلى تطبيق السنّة، وأشدهم حرصًا على الاقتداء برسول الله ﷺ. ولو كان في الأمر سنّة طبية، أو علاج نبوي عام، لتناقلوه كما تناقلوا غيره. لكن هذا لم يقع.

بل إن النبي ﷺ حين تفل في عين سيدنا علي رضي الله عنه يوم خيبر، فزال عنها الرمد، لم يجعل ذلك علاجًا عامًا للرمد، ولم يتفل في أعين غيره ممن أصيبوا، وإنما كانت معجزة خاصة له، لا تُقاس عليها الأحكام. فكذلك كان شفاء العرنيين بأمر وفعل خارق مخالف للعادة، لا بمادة البول نفسها.

وإذا انتقلنا إلى ما يُعرف الآن من معطيات العلم الحديث، فإننا لا نجد فيه ما يوافق دعاوى “الإعجاز العلمي” في هذه المسألة. بل إن كثيرًا من الهيئات الطبية، ومنها منظمة الصحة العالمية، قد أصدرت تحذيرات صارمة من تناول أبوال الحيوانات، ومنها بول الإبل، لما قد يحمله من فيروسات وطفيليات، يمكن أن تسبب أمراضًا خطيرة، منها فيروس كورونا المرتبط بالجِمال (MERS-CoV). كما نشرت وسائل الإعلام أخبارًا عن ضحايا في مصر وغيرها، دخلوا في حالات تسمم وتدهور صحي بعد أن تداووا ببول الإبل في مزارع يدّعي أصحابها أنهم يطبّبون به.

وهذا يؤكد أن بول الإبل ليس علاجًا عامًا، ولا يمكن تعميم فائدته بناءً على واقعة واحدة، حصل فيها شفاء، قد يكون له أسباب أخرى خفيّة، أو يكون شفاءً خاصًا كرامة من الله للنبي أو ابتلاءً لهؤلاء القوم قبل أن يرتدوا. وبهذا تنتفي دعوى “الإعجاز العلمي”، التي تعتمد على تحويل كل حادثة شفاء إلى قاعدة طبية، دون تحقق من الأدلة الشرعية أو المعطيات الطبية.

إن الزعم بأن بول الإبل فيه إعجاز علمي دائم، يدخل في باب التكلّف في إثبات الإيمان، والتكلّف مذموم. ولسنا بحاجة إلى إثبات نبوة محمد ﷺ بهذه الطريقة، فقد ثبتت بالقرآن، والمعجزات، والسيرة، والشهادة التاريخية والوجدانية، والاستدلال العقلي. أما تعمّد تلفيق البراهين، أو تأويل الأحاديث على غير وجهها، لموافقة بعض النظريات، فإنه لا يخدم الدين، بل يضعف صورته، ويجعل خصومه يطعنون فيه من هذا الباب.

ومن المؤسف أن بعض من يروّج لهذه المزاعم ليس من أهل الفقه، ولا من أهل الطب، بل هم في الغالب من حملة الشهادات في الهندسة أو الكيمياء أو مجالات أخرى، يدخلون ميدان الشريعة دون عدّة علمية، ويخوضون في تأويل النصوص دون علم بالنقد الحديثي أو الفهم الأصولي. وبعضهم يستدل بأحاديث ضعيفة أو موضوعة، ويحمّل النصوص ما لا تحتمل من المعاني، ويجعل اللغة العربية تابعة لهواه، لا مرجعه في الفهم. فيفسدون في مجال الطب وفي مجال العلم الشرعي أيضا، وهذا مسلك ينبغي التنبيه لخطره، والتحذير منه.

فليس كل ما ورد في السنة يُعمّم، ولا كل شفاء يكون دليلاً على إعجاز علمي. الفارق كبير بين الطب النبوي، والمعجزة الخاصة، والتشريع العام، والادعاء الزائف. ومن لم يميز بين هذه الفئات، خلط الأمور، وجرّ على السنّة تهمًا لا قبل لها بها.

ولذلك، فإننا نرفض جعل حديث العرنيين من دلائل الإعجاز العلمي، لأنه لم يُفهم كذلك من قبل الصحابة ولا من قبل السلف، ولم يُعمم في النص، ولا ثبت طبًا، بل يخالف ما تقرره الهيئات الطبية المعاصرة. والحكمة تقتضي أن نلتزم النص بفهمه الصحيح، دون تعسّف في التفسير، ولا تهويل في النتائج، ولا خلط بين الخارق والعادي.

وفي النهاية، نبينا محمد ﷺ أوتي جوامع الكلم، ولو أراد أن يبلّغنا دواءً عامًا لبينه بوضوح لا لبس فيه. لكنه لم يفعل، ولا وجّه الأمة إليه، ولا جعله من السنن المتّبعة. وما دام كذلك، فإن العقل والنقل والعلم، كلّها تتضافر لتؤكد أن شرب بول الإبل ليس إعجازًا، وإنما معجزة خاصة، وفرق بينهما كبير.

وهنا لا بد أن نتوقف ونسأل: ما سر هذا العلاج المستقذَر الذي وُجِّه إليه أولئك القوم؟
كيف أُرشدوا إليه من قبل نبيّ كريم، عُرف بنقاء الفطرة، وسمو الشريعة، وجمال التوجيه؟ وكيف يتسق ذلك مع مقام النبوة وعلوّ رسالتها؟

 

الجواب يكمن في فهم طبيعة المعجزات النبوية، فإنها ليست نمطًا واحدًا يُلقى على كل الناس، بل هي رسائل موجهة، تتنوع بتنوع المتلقين، وتخاطب كل قوم بما يناسب حالهم وعقولهم ومدى استعدادهم للإيمان. لكل قوم آية تليق بهم، ومن جنس ما يعرفون أو يُبتلون به، وفي هذا سرٌّ من أسرار التربية والتمييز.

وأولئك العرنيون لم يكونوا أصحاب قلوب طاهرة تطلب الحق، بل كانوا قومًا دَنّسَت نفوسهم الشهوات، وتلطّخت بالغلظة والخيانة، فجاءت المعجزة على قدرهم: شفاءٌ من مرض، ولكن من طريق لا يلتفت إليه العقل السليم إلا باستهجان. كان شفاؤهم مرتبطًا بما تستقذره الفطرة وتتنزه عنه الطباع، فلم ينتبهوا للمعنى المستبطن في ذلك التوجيه، ولم يرَوا في هذا العلاج المقرف مرآةً تكشف لهم عن قبح دخائلهم، ولا دليلاً على حقيقتهم الداخلية. عميت أبصارهم وبصائرهم معًا، فارتدوا وقتلوا وسرقوا، فنزل بهم العقاب بما يليق بفعلهم، عدلًا وبيانًا.

أما المؤمن، فقد جعل الله له من الطيبات رزقًا ودواءً، وأبعد عنه الخبائث، كما قال تعالى: “ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث”. وليس في فضلات الإبل ما يُعد طيبًا، لا في طبع، ولا في عقل، ولا في نقل. فلا يصلح غذاءً لإنسان كرّمه الله، ولا دواءً لمن جعله الله خليفة في الأرض، ولا دليلاً لمن أُعطي عقلاً يميز بين الداء والدواء، وبين المعجزة والمهانة. ومن ثم، فإن تحويل هذه الحادثة الخاصة إلى وصفة عامة، أو إقحامها في خطاب الإعجاز العلمي، ليس سوى تكلف مفضوح، وافتراء على الشريعة، وعبث بجمال السنة، وتشويه لحكمة النبوة.

ومن أراد التداوي بفضلات الإبل فهو حر يفعل في نفسه ما يشاء، غير أن غيره حر كذلك في نفي هذه الترهات عن الدين الذي يؤمن به، وإن نبينا صلى الله عليه وسلم جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، لا ليدعوهم إلى اتخاذ فضلات البهائم علاجًا دائمًا. ومعجزاته صلى الله عليه وسلم أسمى من أن تُربط بمثل هذه الظنون، أو تُختزل في مادة تستقذرها الفطرة قبل أن يرفضها العقل والعلم.