دولة التلاوة… رسائل مشفرة


بقلم فضيلة الشيخ : يوسف محمد السعداوى
من علماء الأزهر والأوقاف

لم يكن برنامج دولة التلاوة برنامجاً عاديا لكشف المواهب فى تلاوة القرآن فحسب على الرغم أن هذا هو الهدف الاسمى منه

إلا أنه من وجهة نظرى أن صياغة البرنامج بهذا المحتوى الرائع الجميل وبكل مكوناته يحمل عدة رسائل مهمة تخاطب العالم بعدة رسائل مهمة جداً عن الهوية الدينية المصرية الحقيقية التى يتم ابرازها بعدما حاول الكثيرون طمسها أو الاستعلاء عليها

أول هذه الرسائل

مائدة القرآن الكريم

عندما تم اختيار المحكمين كان الاختيار نموذجا مهما جداً لما عليه جمع المصريين حتى عند الاختلاف الفكرى وتنوع المشارب
إنه اختيار يرسم لوحة رائعة تبين أن المنهل العظيم للمصريين هو كتاب الله تعالى ، وهو منهل سائغ عذب طيع مع كل الافهام وهو الجامع الحقيقى لكل الاطياف وتوجهاتها لتقدم بذلك النموذج الحقيقى الأصيل والعريق المتجذر للشعب المصري
والذى حاولت الجماعات المتطرفة استبداله بنماذج متناحرة وفشلت فشلا زريعا

فالصورة احتملت المشرب الروحانى الصوفى القائم على التزكية والحب وتعظيم رموز الإسلام واحترام تراثهم الروحانى المجسد الفعلى لقوله تعالى (قد افلح من زكاها)
وكان هذا النموزج متثمل فى الشيخ جابر بغدادى والذى حل ضيفاً على لجنة التحكيم

ثم الجانب الوعظى الذى يستميل القلوب ويلتف حوله الشباب
برقائق واسلوب رائع جذاب ومؤثر لم يتخلف أيضاً عن منهج التزكية والارتقاء الاخلاقى
ويتمثل فى الداعية “مصطفى حسنى ”

ثم الجانب الاصولى المتخصص فى العلمين العظيمين
علم التجويد والتلاوة وعلم المقامات الذى يهدف الى تزيين القرآن بالاصوات الحسنة كما أمر النبى صلى الله عليه وسلم عندما قال (زينوا القرآن باصواتكم)

ففى جانب التجويد والتلاوة يحضر قاماتان عظيمتان أحدهما علم من أعلام علم التجويد والقراءات فضيلة الشيخ “حسن عبد النبى” وهو من كبار واضعى هذا العلم واحد كبار لجنة مراجعة المصحب الشريف

والعلم القرآنى المحبوب صاحب مدرسة جميلة ومتأصلة يزين وقعها العلم والأداء القارئ الاذاعى الشيخ “طه النعمانى”

وعالم المقامات العظيم الدكتور ” طه عبد الوهاب” الذى يضفى لمسات الحكم الصائب على قدرة القارئ على تزيين القرآن بصوته من عدمه وهو اساس ماتميزت به المدرسة المصرية على سائر مدارس العالم الإسلامي فى تلاوة وتجويد القرآن الكريم

إذا أردنا أن نتحدث عن المدرسة المصرية فى تلاوة وتجويد القرآن الكريم

فعلينا أن نفهم أننا نتكلم عن مصنع متكامل او جامعة متنوعة الفنون تخدم على إخراج اعظم سفراء العالم الإسلامي للقرآن الكريم حول العالم

إنها مدرسة قائمة على عدة علوم لا يمكن أبدا أن نتخلى عن علم منها حتى يكون المنتج عالى الجودة وليس له منافس
تشكيل منصة التحكيم فى مسابقة دولة التلاوة يجسد هذه العلوم والفنون ويضع عنواناً رائعا لهذه المسابقة “دولة التلاوة”
فهى حقا دولة بكل اركانها ومؤسساتها

الرسالة الثانية

لم يعرف أبدا عن المدرسة المصرية وقراء مصر أنهم حملوا القرآن إلى العالم كسفراء نصا بلا روح

ولكن بفضل هذه المدرسة المتأصلة غزى القرآن الكريم قلوب العرب والعجم من المسلمين كحياة تدب فى اجسادهم تبعث نور الإيمان من جديد وتجذب الخلق نحو مائدة القرآن الكريم

وذلك لأنهم كانوا يجسدون معانى القرآن الكريم تجسيداً حسيا يلامس القلوب باصواتهم ومقامتهم التى تهيج المشاعر وتبعث على الخشوع وحسن الانصات لكلام خالق البريات

فترق له القلوب وتزرف معه الدموع وتهتدى بهده النفوس وتنشرح الصدور وتصفوا الحياة من كدرها وتترنم بنغمات تبعث الايمان فى القلوب نبعا صافيا

إنها مدرسة متفردة ولا شك

الرسالة الثالثة

إنها الرسالة التى تبرز منهجاً أصيلاً فى ديننا الحنيف

رسالة المذيعة المتألقة “أية عبد الرحمن “
بحشمتها وحجابها الانيق

إنها رسالة تجسد أن العفة والحياء والحشمة والحجاب الذين هم من صميم تعاليم الإسلام للمرأة لا يكونون ابدا عائقا أمام نجاحها فى عملها أو تألقها فى مجتمعها كما زعم بعض العابثين بتعاليم الإسلام

إنها صورة حية ناجحة لمرأة مسلمة التزمت بوقارها وعفتها نجحت وتألقت واشتهرت كما ينبغى لترد على كل صيحات وصراخ العابثين الذين ادعوا زورا وبهتانا أن المرأة المجبة إنما هى مقيدة دون نجاحتها وريادتها

الرسالة الرابعة

ثم ها هو المجتمع المصرى يكشف عن هويته الحقيقية حيث لاقها بالترحاب والحب والإعجاب ويدعمها ويدافع عنها فى كل الميادين ضد الظلاميين واصحاب القلوب المريضة يعلنها صراحة فى وجه اصحاب النعرات التى تهاجم ادبيات ديننا الحنيف أنه مجتمع المقبول عنده والمرضى لديه هو ادبيات هذا الدين وأنه لن يفرط فيها مهما تعالت الصيحات

فأدبيات المصريين على مر العصور أن المرأة نصف المجتمع وهى شريكة الرجل فى كل جوانب الحياة ولها مع ذلك كل الحب والاحترام والتقدير والدعم بل والمكافأة على نجاحاتها
وحضارة مصر القديمة تعج بالنقوش والنصوص التى تصور وتحكى ذلك

فمشاركة المرأة المصرية بدورها الإجتماعى ثقافة متجزرة لدى المصريين من فجر التاريخ

الرسالة الخامسة

اختيار المذيعة المذيعة المتألقة”آية عبد الرحمن” بهذا المظهر يجسد الرؤية الحقيقية للإسلام بالنسبة للمرأة

أنها نصف المجتمع ولا مانع أبدا من خروجها للعمل وممارسة كل الانشطة والمشاركة فى كل الفعاليات مع المحافظة على ادبيات دينها ويبرز أن النظرة المتشائمة نحوها من الكائنات الظلامية المفرطة ما هى إلا نظرة سوداوية ذكورية بحتة تحط من شأن وكرامة المرأة التى حارب من أجلها الإسلام رجعيات الجاهلية الأولى وظلامها

فكان تواجد المذيعة الفاضلة”آية عبد الرحمن” فى هذا المحفل القرآنى العالمى على مرأى ومسمع العالم رسالة أن الإسلام يعترف بدور المرأة فى النهوض بمجتمعها ويرسم لها شخصيتها ومظهرها الذان يليقان بها عند الظهور والمشاركة بدورها فى مجتمعها

فى الختام
إن مصر لا ينضب معينها أبدا وستظل مصر حافظة لكتاب الله تعالى ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولادة بنشأها وازهرها وجامعته العريقة التى لا طالما خرجت سفراء القرآن والإسلام لكل ربوع الدنيا

وبرنامج “دولة التلاوة”خير شاهد على ريادة مصر للعالم الإسلامي بلا منازع

لقد أعجبتني جداً فكرة البرنامج على هذه الصورة وبهذه البوتقة الرائعة الجميلة

لأنها حقا تجسد شخصية مصرنا الحبيبة وهويتها الدينية المتزنة التى لا تميل إلى افراط ولا إلى تفريط وتنبذ كل الأفكار المظلمة والتى لا تمثل إلا شخصية مروجيها ولاتمت إلى الإسلام بصلة

إنها الشخصية التى يذوب فى جوانبها كل اطياف المجتمع فتشكل بلدا فريداً مختلفاً عن كل بلدان وشعوب العالم

إنها تلفظ الإفراط والتشدد لأنه قسوة مهلكة وهو ضد طيبة ورحمة هذا الشعب العطوف

وترفض التفريط لأنه خلاعة ومجون وعدم مروءة تتنافى أيضاً مع نخوة ورجولة وعفة هذا الشعب العظيم

حق لمصر أن تكون عناية الله فى قرآنه وعناية المصطفى صلى الله عليه وسلم فى سنته ووصاياه

فهى بارضها وأهلها مختلفون حقا , اجتمعنا فجمعنا الحب والود وزاد جمعنا تماسكا وترابطا كتاب الله الذى بأيدينا مهما اختلفت مشاربنا منه إلا أنه يظل حلقة الوصل بين الجميع

كانت هذه هى رسالة مسابقة دولة التلاوة وبرنامجها المبارك بجمعه الكريم ، الذى جمع بين الشخصية المصرية والأداء المصرى الخالص والفن والعلم

وفى ختامى أتوجه بخالص الشكر والتقدير لفخامة رئيسنا المبارك فخامة ” الرئيس عبد الفتاح السيسى ” الراعى لكل مصرنا الحبيبة

ومعالى الأستاذ الدكتور ” أسامة الازهرى ” وزير الأوقاف الراعى لمسابقة دولة التلاوة

جعله الله تعالى فى ميزان حسناتكم وكل القائمين على تنظيم هذه المسابقة

حفظ الله مصرنا الحبيبة وجعلها دائماً ابدا رائدة فى كل مجالات الحياة