محمد بن عبد الوهاب رجل الكنهوتِ

  المقال الرابع عشر من سلسلة رواية (قرن الشيطان)

للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

 

الشيخ والهاوية :

كان الليل قد بدأ يرحل عن الدرعية، لكن شيئًا في داخل الشيخ محمد بن عبدالوهاب لم يكن يغادره، بل يثقل عليه أكثر فأكثر.

ظل جالسًا أمام القبر العتيق، حيث أنهى ليلته السابقة، لم يُغادر المكان، وكأنّ الزمن علق هناك بين خشونة الحجر وبكاء القلب.

في الصباح، جاء أحد طلبته الصغار، يركض وقد حمل معه خبزًا وتمرًا.

قال بخجل:

– “مولاي الشيخ… الناس يبحثون عنك، والإمام عبدالعزيز أرسل من يسأل عنك.”

لم يرد.

أخذ التمر من الطفل، ووضعه في حجره، ثم قال:

– “يا بني… من علّمني في صغري أن قبرًا لا يُزار… لم يعلّمني أن القلب إن ضلّ فلا هادي له.

الناس تبحث عن جسدي، فهل تبحثون عن روحي أيضًا؟”

في اليوم التالي، عاد إلى مجلسه في المسجد.

لكن الناس وجدوه متغيرًا… لم يكن في ملامحه تلك الحدة التي عرفوها.

كان يرد على السائل، لا بغضب، بل بصوت منخفض، يحمل مفردات الشك أكثر من يقين القاضي.

أحدهم سأله:

– “يا شيخ، هل يجوز أن نكتب آيات على البيوت للبركة؟”

فقال:

– “كان قولي في ذلك أنه بدعة… لكني الآن أقول: إن لم تكن شركًا، فلا تُحمل أكثر مما تحتمل.”

ذلك التغير لم يُرضِ تلاميذه المتشددين.

جلس إليه عبد الرحمن بن حسن، أحد أنشط من تتلمذ عليه، وقال:

– “شيخي، لقد تغيّر لسانك، وما عهدنا منك المواربة.”

فأجابه:

– “وهل أنت ممن يرضى بأن يُسمّى الجدار شركًا لمجرد أن عليه كتابة؟

وهل نُحاسب على نيات الناس أم على ظاهرهم؟

هل أصبحنا نحكم على الأمة كلها بالجهل، وننجو نحن فقط من الغفلة؟”

قالها بصوت متعب، كأنّه يُعاتب نفسه أكثر مما يُعاتب غيره.

لكن تلك التحولات لم تقتصر على الداخل فقط، بل بدأت تصل إلى حدود السياسة.

ففي مجلس الأمير عبدالعزيز، حضر عدد من التجار والعلماء، يشكون من أن تشدد الدعوة بدأ يُنفّر الناس، ويجعل من دعوة “التوحيد” سيفًا للتسلط لا بابًا للهداية.

قال أحدهم:

– “يا أمير، إن كانوا كلهم مشركين، فمن بقي للمسلمين؟”

رد عليه آخر:

– “بل ومن بقي للبشرية؟”

فأجابهم الأمير:

– “شيخنا هو القائم على الدين، ونحن على ما يرى، لكنه بات يميل إلى التروي.”

قالها وفي عينيه شيء من الحيرة… وشيء من الحذر.

في المساء، دعا الأمير عبدالعزيز الشيخ محمد إلى لقاء خاص.

لم يكن في المجلس إلا الخدم عن بعد، وبعض كتب فقه ودفاتر.

قال الأمير:

– “يا شيخ، أريد أن أقول شيئًا… وأرجو ألا تغضب.”

ابتسم الشيخ، وقال:

– “قل، فإني ما عدت أغضب إلا من نفسي.”

فقال الأمير:

– “لقد كانت دعوتك في بدايتها نورًا، تضيء العقول. لكنها، بمرور الوقت، صارت نارًا… تحرق الأجساد.”

سكت الشيخ، ثم قال:

– “ما أشدّ أن تتحوّل الرسالة إلى لعنة.”

سأله الأمير:

– “أتندم؟”

أجاب الشيخ، وهو يطرق رأسه:

– “أندم أني لم أفرق بين ما هو شركٌ فعليّ، وما هو جهلٌ مغفور.

أندم أني تركتُ لأتباعي السيف، فأحبّوه أكثر من العلم.

أندم أنني سعيت للسلطة تحت ستار الدين، ثم علّمتهم أن الدين هو أنا.”

في تلك الأيام، اشتدت الحروب في الأحساء والقطيف، وكانت رايات آل سعود ممهورة بتوقيع الشيخ.

كل أرض تُفتح، يُطرد منها من لا يوافق “دعوة التوحيد”، وتُهدم القباب، وتُحرق المصاحف المكتوبة بخطوط غير معتمدة، ويُجلد الناس لأنهم قالوا: “يا نبي الله.”

كان كل ذلك يُنسب إلى محمد بن عبدالوهاب، وكان هو صامتًا.

لكن ذلك الصمت، كما قال في دفاتره، لم يكن رضا، بل عجزًا عن وقف ما بدأه بيده.

في أحد الأيام، دخل عليه ابنه عبد الله، وقد عاد من إحدى حملات “التطهير”، وقال له:

– “أبشرك، يا أبي، قد كسرنا ضريحًا في منطقة الجشة، وكانوا يعبدونه كإله.”

قال له الشيخ، وعيناه دامعتان:

– “هل رأيتهم يعبدونه؟ أم سمعتهم يقولون: يا فلان اشفع لنا؟

وهل تُكسر الحجارة من أجل التأويل؟”

قال عبد الله:

– “لكنك من علمنا أن هذا شرك!”

فقال الأب:

– “نعم، علّمتك… ولكني لم أعلّمك أن تكون القاضي والجلاد معًا.

إنك الآن تفعل أكثر مما قصدت أنا يومًا.”

في اليوم التالي، كتب رسالة لطلابه، يُمليها على خادمه بصوت متهدّج:

“إلى كل من سمع مني، أو نقل عني، أو قاتل باسمي، أو دعا بدعوتي:

اعلموا أن لا عصمة إلا لنبي.

وما دعوت إليه من توحيد، فهو في أصله حقّ، لكن ما اتُخذ باسمه من عنف، فإني منه براء.

إنني الآن، في آخر أيامي، لا أرى الناس إلا قومًا ضلوا بجهل، لا بشرك، ويُردّ الجاهل بالعلم، لا بالحدّ.

فلا تجعلوا من الدين سلطة، ولا من التوحيد منصةً للتكفير، ولا من المخالفة خيانة.

وإن مت، فادفنوني بعيدًا عن المساجد، ولا تبنوا لي قبة، ولا تكتبوا على قبري شيئًا.

واتركوا الناس لربهم… فهو أرحم بهم منكم جميعًا.”

في الأسبوع الأخير من حياته، لم يخرج من بيته، لم يخطب، لم يُدرّس.

كان يقضي يومه في التأمل، والقراءة، ومناجاة الله.

كان يقول:

– “يا رب، إن أخطأت فاغفر، وإن أصبت فاهدِ من بعدي… فأنا ما كنت إلا رجلًا يحبك، وخاف أن يُحب نفسه أكثر.”

ومات الشيخ محمد بن عبدالوهاب.

وماتت معه صفحة من التاريخ، لا تزال مفتوحة.

لكن لم يمت الجدل.

ولا انتهت الرايات.

ولا تفرّق الأتباع.

بعضهم قال:

– “كان إمام التوحيد، قدّس الله سره.”

وبعضهم قال:

– “بل كان مفرّق الأمة، سفك الدم باسم الدين.”

أما قبره، فقد دُفن دون شاهد.

كما أوصى.

لكن أثره… لم يُدفن.

وظل السؤال يتردّد في سماء الجزيرة، بين المآذن والقبور:

“هل كان الشيخ مصلحًا… أم فاتح باب للدم؟

هل كان سراجًا منيرًا… أم شرارة أحرقت الأمة؟

هل كان الله معه… أم كان مع الله؟”