سر التغيير

بقلم الدكتور : إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام المصرية 

إنَّ النفس البشرية لغز عميق، ومسيرتها في الحياة ليست خطًا مستقيمًا ثابتًا، بل هي مجموعة من المنعطفات الحادة التي لا يخرج منها المرء كما دخلها. 

وكما قيل، يتغير الإنسان في جوهره لحقيقة مزدوجة: إما لأنه تعلَّم أكثر مما أراد، أو لأنه تأذَّى أكثر مما يستحق. 

وهاتان الحقيقتان هما اليدان الخفيتان اللتان تعيدان تشكيلنا؛ يد العلم والمعرفة التي تبني، ويد الألم والتجربة التي تهدم، ثم تعيد البناء من جديد.

حين ينهل المرء من معين المعرفة، متجاوزًا حدود رغبته، فإنه بالضرورة يخوض غمار التغيير؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على حفظ المعلومة، بل على إعادة صياغة الوجود بناءً على ما اكتشفه حديثاً.

تتبدل المفاهيم الراسخة، وتتسع دوائر الإدراك، وتتساقط الأصنام الفكرية التي طالما عبدها، ليدرك أن الحق أوسع، والكون أرحب مما كان يظن. هذه القفزة المعرفية هي تغيير هادئ، يترك أثره في العمق، فيصبح الشخص أكثر حكمة، وأكثر تسامحًا، وأكثر قدرةً على رؤية الأبعاد المتعددة للأشياء والأشخاص ولجميع الكائنات.

إنه التغيير الذي يرفعه من مجرد مستهلك للحياة إلى مُتأمِّل ومتدبر فيها، يدفع ثمن ارتقائه ذهنًا منيرًا متقدًا شغوفًا للمعرفة لا يقبل التوقف عند حد.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: “من يُرد الله به خيرًا يُفقّهْهُ في الدين”، فإن معنى “الدين” في هذا الحديث، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، أوسع بكثير من مجرد العبادات والشعائر (صلاة، وصوم، وزكاة، وحج؛ أي أن كلمة “الدين” في هذا الحديث تعني: النظام الإلهي الكامل للحياة والكون الشاسع، وهذا التغيير يُعد أعمق أنواع التغيير الإيجابي.

أما التغيير الآخر، فهو الذي يأتي على وَقع الصدمة والكسر، حين يجد المرء نفسه غارقًا في أذى، أيًا كان نوعه وسببه، يفوق قدرته على الاحتمال، أو حجم استحقاقه للشدة، وهذا الألم ليس مجرد شعور عابر، بل هو نار شديدة الصهر تعيد تشكيل ذاته ووجدانه.

إن المعاناة التي تجاوزت الحد المعتاد تُجرّد الروح من كثير من الأوهام والزيف، وتعيد ترتيب الأولويات بصرامة لا تترك مجالًا للتفاهات؛ فيصبح الإنسان أكثر مرونةً، وأكثر حزمًا وصلابةً، وأكثر وعيًا بقيمة الوقت والزمن واللحظات العادية التي كان يستهين بها.

إنه تغيير قسري، يُعلّم أن الحياة ليست وعدًا بالإنصاف، وأن القوة تكمن في النهوض بعد السقوط، لا في تجنبه.

وهذا المعنى نجد له صدىً عميقًا في التذكير القرآني بأن الحياة مزيج من الابتلاءات والمنح، حيث يقول الحق سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، ويقول تعالى أيضًا: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، إشارة إلى أن مسيرة الحياة محفوفة بالمكابدة والمشقة والاختبارات وأن هذا الكبد، وذلك الابتلاء هما سر التطور والتغيير.

وفي نهاية المطاف، سواء جاء التغيير من ضوء المعرفة الساطع، أو من جرح التجربة الغائر، فكلاهما ضروريان لصناعة نسخة أعمق إدراكًا، وأكثر نضجًا وتسامحًا من الإنسان.