هل الوهابية مجسّمة ؟ قراءة علمية في ضوء كلام الأئمة


بقلم الشيخ : سيف الدين سمير الأزهري

من المهم قبل إطلاق أي حكمٍ على مذهبٍ أو اتجاهٍ عقديّ، أن نُحكّم كلام الأكابر من علماء الأمة، وأن نفصل بين منهج أهل السنة والجماعة في التنزيه، وبين ما ظهر في القرون المتأخرة من اتجاهاتٍ نَسبت نفسها إلى السلف، ولم يكن السلف على طريقتها.

أولًا: أصل المسألة

أجمع أئمة أهل السنة – من علماء الأثر ومن علماء النظر – على تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات، ونفوا عنه كل ما يقتضي الحدّ، والجهة، والحيّز، والمقدار، لأن الله تعالى يقول:

{ليس كمثله شيء ﴾

وهذا هو المنهج الذي سار عليه:

الإمام الباقلاني، الجويني، الغزالي، البيهقي، النووي، الرازي، ابن حجر، ابن فورك، وغيرهم من أئمة الأشاعرة والماتريدية والسادة الصوفية، بل هو أيضًا منهج المحققين من الحنابلة قبل ظهور التجسيم الحنبلي المتأخر.

ثانيًا: عبارة ابن عثيمين ودخولها في باب التجسيم

قال ابن عثيمين في شرح العقيدة الواسطية (دار ابن الجوزي 1/394): «لله جسمٌ لا كالأجسام »

وهذه العبارة – مهما حاول البعض تلطيفها – هي قولٌ صريحٌ بالجسمية؛

لأن كلمة جسم في العقل واللغة لا تُتصوّر إلا ومعها لوازم:

– الحيّز
– المقدار
– الأبعاد
– الحدّ
– الجهة

وهذه كلها ممتنعة على الله تعالى باتفاق أهل السنة.

ثالثًا: موقف الإمام أحمد بن حنبل من هذا القول

العجيب أن الإمام أحمد نفسه حَكم على هذا القول بالكفر.
قال كما نقل الزركشي في التشنيف:

«من قال إن الله جسم لا كالأجسام فقد كفر»

ونقله عنه أيضًا:
ابن الجوزي
والسبكي
وأبو يعلى

وهذا يبيّن أن نسبة الجسم إلى الله تعالى— حتى مع قول لا كالأجسام—مخالف لعقيدة الإمام أحمد ولعقيدة السلف عمومًا، وما قاله ابن عثيمين لا يمتّ لمنهج السلف بصلة.

رابعًا: الفرق بين تنزيه أهل السنة وبين التجسيم الحديث

أهل السنة يثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، من غير تشبيهٍ ولا تمثيل، ومن غير تكييفٍ ولا تجسيم.

أما الاتجاه الوهابي المعاصر فقد أثبت لله ما يقتضي الجسم والحد والجهة، ثم زعم أن هذا هو مذهب السلف، بينما السلف وأئمة المذاهب والاعتقاد على خلاف ذلك تمامًا.

الخلاصة

تجسيم الله تعالى قولٌ باطلٌ عند أهل السنة.

وقول: «جسم لا كالأجسام»
كما قال الإمام أحمد كفرٌ؛ لأنه يثبت لله ما لا يليق بجلاله.

وما قيل على ألسنة بعض المتأخرين ليس من منهج أهل السنة، بل من الانحراف الذي لبس ثوب السلف وهو في الحقيقة نقيض منهجهم.