غَزْوَةُ حَمْرَاء الْأَسَدِ
24 نوفمبر، 2025
قبس من أنوار النبوة

بقلم : أ . د : السيد أحمد أحمد سحلول
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في كلية أصول الدين والدعوة في المنصورة
وعضو لجنة المحكمين لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين
كانت في يوم الأحد الموافق الثامن من شوال في السنة الثالثة للهجرة بين المسلمين وقبيلة قريش .
وسميت باسم المكان التي وقعت فيه وهو جبل أحمر جنوب المدينة على ( 20 كم) ، وتقع حمراء الأسد على الضفة اليسرى لعقيق الحسا ، على الطريق من المدينة إلى الفرع ، يمر في فيئها .
وكان عدد المسلمين فيها(540)
وتُعد تكملة لغزوة أحد، كان يخشى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفكر المشركون أنهم لم يستفيدوا شيئًا من النصر والغلبة التي كسبوها في معركة أحد؛ لأن المدينة لم تمس وقيادات المسلمين لم تقتل.
فبعد غزوة أحد وفي طريق العودة لمكة نزل كفار قريش بالروحاء، وأخذوا يتلاومون فيما بينهم، فيقول بعضهم لبعض: «لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم»، والمتكلم بهذا عكرمة بن أبي جهل، وكانوا يقولون: «لا محمدًا أصبتم ولا الكواعب أردفتم فبئس ما صنعتم»، وكانوا مجمعون على الرجوع، وكان صفوان بن أمية ينهاهم عن الرجوع ويقول: «يا قوم لا تفعلوا، فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف من الخروج، فارجعوا والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم»، إلا أن هذا الرأي رفضه أغلبهم، وعقدوا العزم علي المسير نحو المدينة.
فبعث النبي ﷺ ثلاثة نفر طليعة في أثر قريش، وهم سليط بن سفيان ونعمان بن سفيان ورجل ثالث، وتجهز الرسول ﷺ والمسلمون للخروج، ودعا بلوائه وهو معقود لم يُحل من الأمس فدفعه إلى علي وقيل دفعه إلى أبي بكر، ودخل المسجد فصلى ثم دعا بفرسه على باب المسجد، وعليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه، وتلقاه طلحة الذي رُوي عنه قوله: «إن بي لتسع جراحات ولأنا أهم بجراح رسول الله مني بجراحي» فسأله النبي: “ترى القوم الآن؟”، فأجابه طلحة أنهم بالسيالة، فقال رسول الله: “ذلك الذي ظننت، أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا”
فخرج صلى الله عليه وسلم من المدينة مع جيشه صباح الغد من معركة أحد وَاسْتَعْمَلَ على المدينة ابن أم مكتوم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ـ ، فوجدوا أن قريش قد ظفروا بالأخوين من رجال الطليعة وقتلوهما، فدفنهما المسلمون في قبر واحد، وعسكروا هناك، وكان رسول الله ﷺ يأمرهم في النهار بجمع الحطب، فإذا جاء الليل أوقدوا النيران، فيوقد كل رجل منهم نارا حتى زادت النيران على خمسمائة نار، تُرى من المكان البعيد، فانتشر الخبر حول معسكر المسلمين ونيرانهم.
وقد خرج مع رسول الله ﷺ كل من شهد غزوة أحد، ولم يأذن النبي ﷺ لمن تخلف عن أُحد أن يأتي معه، لكن جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ جاء لرسول الله ﷺ يستأذنه في الخروج معه للقتال؛ لأن جابر لم يشهد أُحد، وقدم جابر عذره لرسول الله ﷺ عن تخلفه عن أُحد بأن أباه عبد الله قد خلفه على أخواته لخوفه عليهن، وكان أبوه قد استشهد يوم أحد، فأذن له رسول الله ﷺ بالخروج معه.
وعلمت قريش بخروج النبي محمد ﷺ وأصحابه، وفضلوا الرجوع إلى مكة خوفًا من المسلمين الذين ظلوا بحمراء الأسد ثلاثة أيام إلى أن رجعوا بعد ذلك إلى المدينة.
ولم يحدث قتال بل أسر المسلمون رجلان، وقتل أبو عَزَّة الْجُمَحِيّ الشاعر؛ وكان من أسارى بدر الذين أفرج عنهم الرسولr لفقره وكثرة بناته وأخذ عليه عهد ألا يظاهر عليه أحدًا ولكنه نكث عهده وحرض الناس بشعره على النبيr والمسلمين وخرج لمقاتلتهم في أحد فأمر الرسولrعاصم بن ثابت فضرب عنقه وقال: « لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ »( متفق عليه)
كما حكم النبي ﷺ بقتل أحد جواسيس مكة وهو معاوية بن المغيرة الذي مثل بجثة حمزة بن عبد المطلب مع هند بنت عتبة، وكان ابن عمه عثمان بن عفان قد استأمن له رسول الله ﷺ فأمنه، على أنه إن وجد بعد ثلاث قُتل، فلما خلت المدينة من الجيش أقام فيها أكثر من ثلاث يتجسس لحساب قريش، فلما رجع الجيش خرج معاوية هاربًا، فأمر رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وعمار بن ياسر، فتعقباه حتى قتلاه.