بحث في( توقير الكبير وفضل من شاب في الإسلام ) للشيخ رضا الصعيدى
23 نوفمبر، 2025
خطب منبرية, منبر الدعاة

بحث في( توقير الكبير وفضل من شاب في الإسلام )
للشيخ رضا الصعيدى
ما هي كرامات من شاب في الإسلام ؟
وما كرامات من أكرمهم ؟
كيف توعد الله من قصر مع كبار السن ؟
وما الواجب علينا ؟
مع ذكر نماذج من حياة السلف الصالح في رعاية كبار السن ؟
ان الدنيا لا تدوم على حال والجزاء من نفس العمل :
ان سنة الله الكونية قد اقتضت أن الإنسان يمر بأطوار متعددة في حياته، فإنه ينشأ طفلًا ضعيفًا، ثم إنه بعد فترة الشباب والفُتوة يصير كهلًا وشيخًا كبيرًا، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: ٥٤].
وقال تعالى : { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68) } من سورة يس .. يقف الإنسان عند آخر هذه الحياة فينظر إليها وكأنها نسجٌ من الخيال، أو ضرب من الأحلام، يقف في آخر سِنِيِّ عمره وقد ضعف بدنه، ورق عظمه، فأصبحت آلامه متعددة: ضعُف البدن، وثقُل السمع، وتهاوت القوى، وتجعّد الجلد، وابيضَّ الشعر، يمشي بثلاث بدل اثنين، هكذا يكون حال الإنسان إذا تقدم به العمر، وهذه المرحلة من مراحل السن هي سنة الله في خلقه، ولم يسلم منها حتى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام..
ثمانية لابد منها على الفتى * ولابد أن تجرى عليه الثمانية
سرور وهم واجتماع وفرقة * وعسرٌ ويسرٌ ثم سقم وعافية
كما تدين تدان؛ حكي أن شابا كان بصحبة والده في رحلة الحج وفى رجوعهما أراد الأب أن يقضى حاجته، فقال لابنه انطلق مع القافلة وسألحق بكم، ومضى الشاب مع القافلة وبعد وقت ﺍﻟﺘﻔﺖ الشاب فوﺟﺪ أن والده قد تأخر كثيرا عن القافلة، فأسرع إلى والده يحمله على ﻛﺘﻔيه، متجها به نحو القافلة، وإذا به يشعر بدموع والده تتساقط على رأسه، ﻓﻘال يا أبى، والله ما أجد مشقة في حملك، فيجي الوالد، يا بني، ليس لهذا بكيت، ولكن في هذا المكان حملت أنا والدي… ، فالجزاء من جنس العمل، والحق تبارك وتعالى يقول: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}[الرحمن:60]..
فإن أحسنتَ إلى “الكبير” سيُسخِّر الله من يحسن إليك في عجزك وشيخوختك، {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: ١٤٠]؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ فعَنْ أَبِي قِلَابَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْبِرُّ لَا يَبْلَى، وَالْإِثْمُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ، فَكُنْ كَمَا شِئْتَ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» [رواه البيهقي في “الزهد الكبير”].
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ» [رواه الترمذي، والبيهقي في “شعب الإيمان”]… فيه بشارتان : 1- طول عمرك ، 2- وأن يهيئ الله لك من يرد لك الجميل.
كرامات من شاب في الإسلام :
رزقهم الله الخيرية :
– روي الترمذي: عن أبي بكرة أنَّ رجلًا قالَ : يا رسولَ اللَّهِ أيُّ النَّاسِ خيرٌ ؟ قالَ :”مَن طالَ عمرُهُ ، وحَسنَ عملُهُ” صحيح لغيره.
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا»..
وكبار السن هم خير الناس إن أحسنوا العمل فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ؟”، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: “خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا، وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا ” (رواه أحمد).
رزقهم الله بكرامات مع كل شيبة لها حسنة :
بل جعل الإسلام للشيب الذي يظهر على رأس المسلم ولحيته قيمة عظيمة، وأجراً كبيراً، قال -صلى الله عليه وسلم-: “ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، وحَطَّ عنه بها خطيئة” أخرجه الدارمي وصححه الألباني.
رزقهم الله البركة :
وعن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: “الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ” (صحيح ابن حبان) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ؟”، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: “خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا، وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا ” (رواه أحمد).
اكرامهم من اجلال الله :
ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ “(رواه أبو داود)، من كان حامِلاً لكتابِ الله: عاملا به ليس غاليًا فيه، أي متكبِّرًا على غيره، مكفِّرًا لغيره، معتقِدًا ضلالَ غيره ، أما الجافي عنه الذي حمَله فعطَّل العملَ به، ولم يَقُم بحقوقِه..
قرن الله (سبحانه وتعالى) ذكرهما بذكره وشكرهما بشكره:
وجاء الأمر بطاعتهما بعد الأمر بعبادته فقد قال الله (تعالى): ( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا … ) (الاسراء23-24)، ومن هذا يتجلى لنا مكانة الوالدين وعظم أمرهما؛ إذ قال فيه النبي (صلى الله عليه وسلم): “لاَ يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ”. وذاك رجل يطوف بالكعبة حاملا أمه على رقبته، إذ قال لابن عمر (رضي الله عنهما) أترى أني جزيتها؟ قال: “لا، ولا بطلقة واحدة، ولكنك أحسنت والله يثيبك على القليل كثيراً”.
– في اكرامهم زيادة العمر والرزق :
إذ يقول النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ” (رواه أحمد).
في اكرامهم تحصيل الخير بدعائهما:
فقد قال صلى الله عليه وسلم: “ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ”.
في اكرامهم مغفرة الذنوب:
فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٌ؟ قَالَ: “هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: “هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ” ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَبِرَّهَا “(رواه الترمذي)
– في اكرامهم نجاة وتفريح الكربات وإجابة الدعوات:
ولقد علمتم أمر أصحاب الغار (الثلاثة الذين أصابهم المطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم)؛ يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) فَقَالَ ” بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ “.فدعا الأول بما كان منه طاعة لوالديه وبرا ورعاية وإحسانا، ودعا الثاني بصدقه في البعد عن الفحشاء، وقصد طاعة الله (جل وعلا)، ودعا الثالث بما كان من حفظه للأمانة ورد الحقوق؛ كانت النجاة من الهلاك، إذ فرج الله عنهم ما كانوا فيه. (والقصة بتمامها في صحيح البخاري).
وفي الحديث: (أبغوني في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم) .
وفي الحديث: (لولا شيوخ ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا).
في اكرامهم أجر المجاهد فى سبيل الله :
-عَنِ ابْنِ عُمَرَ،قَالَ:مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ فَعَجِبُوا مِنْ خَلْقِهِ، فَقَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺفَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:”إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِبْيَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَعُفَّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ “صحيح الجامع (1428) .يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ :فى خدمتهما ورعايتهما مخلصاً لوجه الله تعالى (في سبيل الله) يعني: أجره كأجر المجاهد في سبيل الله سبحانه.(شرح رياض الصالحين –حطيبة (12/6).
في اكرامهم فلاح دائم ولن يخزيك الله أبدا :
ها هي السيدة خديجة (رضي الله عنها) تصرح بذلك، وتشهد على رعاية النبي (صلى الله عليه وسلم) لمجتمعه، ومشاركته (صلى الله عليه وسلم) في أتراحه وأفراحه، فتقول: (…أَبْشِرْ فَوَ اللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ…)(متفق عليه)..
في اكرامهم ثبات يوم القيامة :
في الحديث : ( وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا لَهُ ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ، وَإِنَّ سُوءَ الْخُلُقِ لَيُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ)(قضاء الحوائج لابن أبي الدنيا).
في اهمالهم اهانتهم بعد عن الإسلام ووعيد من الله :
يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) “مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا، فَلَيْسَ مِنَّا”. يحذرنا من مخالفة ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : (لَيْسَ مِنَّا) ، وللعلماء فيها أقوال : ففي تحفة الأحوذي للمباركفوري : قوله (ليس منا) قيل أي ليس على طريقتنا وهو كناية عن التبرئة ، وفى فيض القدير للمناوي: (ليس منا) أي ليس مثلنا ، ومعلوم أن مقصود الحديث ومراد أهل العلم بقولهم (ليس على طريقتنا ،أو ليس مثلنا) أنه ليس مثلنا في هذه الخصلة وليس المقصود أنه كافر ، أو ليس من المسلمين، إذ أن مرتكب هذا الذنب هو عاص ، وليس كافرا.
يقول يحي بن سعيد المدني (رحمه الله) ” بلغنا أن من أهان ذا شيبة لم يمت حتى يقيِّض الله (عز وجل) له من يهينه في كبره” … وعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: (ثَلَاثَةٌ لَا يَسْتَخِفُّ بِحَقِّهِنَّ إِلَّا مُنَافِقٌ: إِمَامٌ مُقْسِطٌ، وَمُعَلِّمُ الْخَيْرِ، وَذُو الشَّيْبَةِ فِي الْإِسْلَامِ)(مصنف ابن أبي شيبة )..
نماذج من رعاية المسنين :
نبينا محمد يوم أن دخل مكة، وإذا بأَبي بَكْرٍ (رضي الله عنه وأرضاه) آخذاً بيدي أبيه أَبِي قُحَافَةَ، ذلك الشيخ الكبير، إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَيقول له النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) “أَلَا تَرَكْتَهُ حَتَّى نَكُونَ نَحْنُ الَّذِي نَأْتِيهِ”، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَأْتِيَكَ (رواه أحمد) …
عنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءَتْ عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ: لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ أَنْتِ؟» قَالَتْ: أَنَا جَثَّامَةُ الْمُزَنِيَّةُ، فَقَالَ: «بَلْ أَنْتِ حَسَّانَةُ الْمُزَنِيَّةُ، كَيْفَ أَنْتُمْ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ؟ كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا؟» قَالَتْ: بِخَيْرٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُقْبِلُ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ هَذَا الْإِقْبَالَ؟ فَقَالَ: «إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَنَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواه البيهقي في “شعب الإيمان”].
سيدنا موسى عليه السلام حينما خرج طريدًا وحيدًا، وتوجَّه تلقاء “مَدين”، فوجد امراتين تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا من سقي مواشيهم، وقد تعللتا بأن أباهما لا يستطيع من الكِبر والضَّعف أن يَسْقِيَ ماشيته، فسارع عليه السلام لقضاء مصلحتهما، حتى كانتا أوَّل الرعاء ريًا، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} [القصص:٢٣: ٢٤]، فهو عليه السلام تحمل مشقة السقي، وآثر المزاحمة مع السقاة دون أن يطلب أجرًا منهما، رفقًا بحالهما، وحال أبيهما “الشيخ الكبير”.
قال السُّدّي: “رحمهما موسى عليه السلام حين {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}، فأتى إلى البئر فاقتلع صخرة على البئر، كان النفر من أهل مَدْيَنَ يجتمعون عليها حتى يرفعوها، فسقى لهما موسى دلوًا فأروتا غنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما تسقيان من فُضول الحياض”. [جامع البيان في تأويل القرآن].
-خرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى سواد الليل فرآه طلحة ، فذهب عمر فدخل بيتاً ،ثم دخل بيتاً آخر فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا عجوز عمياء مُقعدة ،فقال لها:ما بال هذا الرجل الذى يأتيك؟ قالت :إنه يتعاهدنى منذ كذا وكذا ،يأتينى بما يُصلحنى ،ويُخرج عنى الأذى. (الحدائق فى علم الحديث والزهديات (3/105)..
ولم تقتصر قيمة احترام الكبير ورعايته على المسلم؛ بل شملت غير المسلم طالما أنه يعيش بين المسلمين، فها هي كتب التاريخ تسطر بأحرف ساطعة موقف عمر -رضي الله عنه- مع ذلك الشيخ اليهودي الكبير، فيذكر أبو يوسف في كتابه (الخراج) أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مر بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر. فضرب عضده من خلفه فقال: من أي أهل الكتب أنت؟ قال يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الحاجة، والسن..قال: فأخذ عمر -رضي الله عنه- بيده، فذهب به إلى بيته، فأعطاه بعض ما عنده، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وأمثاله، والله ما أنصفناه إذا أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم! (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ…) [التوبة:60]، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضَع عنه الجزية وعن أمثاله ومَن هُم في سِنه في جميع البلاد الإسلامية.
وعن الإمام الشعبي قال: صلى زيد بن ثابت (رضي الله عنه) على جنازة (جنازة أمّه)، ثم قُربت له بغلة ليركبها فجاء ابن عباس (رضي الله عنهما) فأخذ بركابه، فقال له زيد: (خَلِّ عَنْهُ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)). فقال ابن عباس (رضي الله عنهما): (لَا هَكَذَا نَفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ)(المعجم الكبير، والمدخل إلى السنن الكبرى)، زاد بعضهم في هذا الحديث: إن سيدنا زيد بن ثابت كافأ ابن عباس على أخذه بركابه أن قبل يده وقال: (هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))(جامع بيان العلم وفضله)..
الواجب علينا :
تقديرهم وتوقيرهم والتواضع لهم :
يقول سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: “لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) غُلَامًا فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي “(رواه مسلم).
وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) رأى رجلا معه غلام، فقال للغلام: (مَنْ هَذَا؟). قال: أبي. قال: (فَلَا تَمْشِ أَمَامَهُ، وَلَا تَسْتَسِبَّ لَهُ (لا تكن سببا في سبه ولعنه، وشتمه)، وَلَا تَجْلِسْ قَبْلَهُ، وَلَا تَدْعُهُ بِاسْمِهِ)(رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة).
لا تبدأ حديثك قبل الكبير :
فهم أحق بالمبادأة بالكلام والحوار والإطعام والشراب فعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْل،ِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِم،ْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) “كَبِّرْ الْكُبْرَ” (رواه البخاري في الأدب المفرد).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضى اللهُ عنهما – قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” أَخْبِرُونِي بشَجَرَةٍ مَثَلُها مَثَلُ المُسْلِمِ، تُؤْتي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بإذْنِ رَبِّها، ولا تَحُتُّ ورَقَها, فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ، وثَمَّ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّما، قالَ النبيُّ ﷺ: هي النَّخْلَةُ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مع أبِي قُلتُ: يا أبَتاهُ، وقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ، قالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَقُولَها، لو كُنْتَ قُلْتَها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن كَذا وكَذا، قالَ: ما مَنَعَنِي إلَّا أنِّي لَمْ أرَكَ ولا أبا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُما فَكَرِهْتُ”.(البخاري). يقولُ الإمامُ ابنٌ حجرٍ رحمه الله: “وَقَعَ في نفْسِ ابنِ عُمَرَ أنَّها النَّخلةُ، ولكنَّه استَحْيا أنْ يَذكُرَ ما في نفْسِه تَوقيرًا لأكابرِ الصَّحابةِ الحاضِرينَ الذين لم يَعرِفوها”. (فتح الباري).
وسُئِلَ ابنُ المباركِ بحضورِ سفيانَ بنِ عيينةَ عن مسألةٍ، فقال: إنّا نُهينَا أنْ نتكلمَ عندَ أكابرِنَا.(سير أعلام النبلاء).
تقديم الكبير فى الطعام :-
-عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:”أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِي رَجُلاَنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا ” رواه البخارى (246)،ومسلم (2271) – الحديث: دليل أيضاً على اعتبار الكبر، وأنه يقدم الأكبر في إعطاء الشيء. ومن ذلك إذا قدمت الطعام مثلاً أو القهوة أو الشاي فلا تبدأ باليمين،بل ابدأ بالأكبر الذي أمامك؛ لأن النبي ﷺ لما أراد أن يعطيه الأصغر قيل له كبّر، ومعلوم أنه لو كان الأصغر هو الأيسر لا يذهب الرسول ﷺ يعطيه إياه فالظاهر أنه أعطى الأيمن من أجل التيامن، لكن قيل له كبّر: يعني أعطه الأكبر،فهذا إذا كان الناس أمامك تبدأ بالكبير، لا تبدأ باليمين، أما إذا كانوا جالسين عن اليمين وعن الشمال فابدأ باليمين.وبهذا يجمع بين الأدلة الدالة.(شرح رياض الصالحين (3/238 )..
لا تتقدم على الكبير في الطريق :
عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، فَصِرْنَا إِلَى مَضِيقٍ فَتَقَدَّمَنِي ثُمَّ قَالَ لِي” لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْبَرُ مِنِّي بِيَوْمٍ مَا تَقَدَّمْتُكَ “(رَوَاهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْجَامِعِ).
الصف الأول أولى بهم وكذلك الامامة :
وفي الصلاةِ وجَّهَ -صلى الله عليه وسلم- بأن يتقدم بعد الإمام البالغون وكبار السن، فعن أبي مسعود -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “لِيَلِيَنِي منكُم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم” رواه مسلم، كل ذلك تقديراً وإكراماً لهم، فإذا أقيمت الصلاة في المسجد وقام الناس لتسوية الصفوف فإن كبار السن أحق بالصفوف الأولى، أما إذا جاء أحدهم متأخراً فلا يجوز له أن يسحب أحداً من الصلاة ولو كان صغيراً حتى لا يشغله عن صلاته، ومراعاةً لشعوره وحقه في السبق.
جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجموعة من الشباب فأقاموا عنده، فلما قاربوا الانصراف قال لهم: (وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم) رواه البخاري.
ـ تقبيل يد الكبير:
أخرج أحمد والبخاري وأبو داود وابن الإعرابي عن زارع وكان في وفد “عبد القيس قال: لما قدمنا المدينة جعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله.
وروى البخاري عن الوازع بن عامر قال: قدمنا فقيل ذلك رسول الله فأخذنا بيده ورجليه نقبلها
توجيههم الى الأخذ بالرخص :
من رعاية الإسلام للكبار أنه رخص لهم في كثير من العبادات والطاعات في القيام والصيام والحج والجهاد؛ رحمةً ورأفةً بهم.
فهذا رجل كبير السن -كما في حديث عبد الله بن بسر- يأتي للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ! فأخبِرْني بشيء أتشبث به. وفي رواية: ولا تُكْثِرْ. فقال -عليه الصلاة والسلام-: “لا يزالُ لسانك رطباً من ذكر الله تعالى” رواه الترمذي وصححه الأرناؤوط.
التخفيف بهم :
جاء في صحيح البخاري يقول صلى الله عليه وسلم : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ » ..
مراعاة مشاعرهم في الخطاب :
وقد أكثر الله -تعالى- في القرآن في بيان ذلك الاحترام، والحث عليه، والترغيب فيه، والأمر به، والتحلي بحلية والتزين بزينته، فجاء الاحترام في الإسلام في المخاطبة؛ كقوله تعالى: (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) [البقرة: 83]، وهم أولى بالتلطف ، يقول تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلمَ-: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: 88]، ويقول له: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159].
تسليم الصغير على الكبير:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ» صحيح البخاى (6231).(يسلّم الصغيرعلى الكبير) تعظيمًا له وتوقيرًا قال في الفتح: وكأنه لمراعاة حق السن فإنه معتبرفي أمور كثيرة في الشرع. (شرح القسطلانى (9/136).
تقديم الرعاية الطبية :
كبير السن قد يمرض ومرضه يطول وعلاجه يطول ولذلك يحتاج منا إلى مزيد من الصبر لله تعالى فى رعايتهم وعلاجهم وادخال السرور عليهم .
معرفة أوجاع كبار السن :
قَالُوا: مَنِ ابْتُلِيَ بِالْكِبَرِ فَقَدِ ابْتُلِيَ بِأَلْفِ دَاءٍ- (مرقاة المفاتيح (7/2871 ).. فيرحم الله ضعفكم, ويجبر كسركم، في الله عوض عن الفائتين, وفي الله أنس للمستوحشين ، قد تجعّد جلدكم، وثقل سمعكم، وضعف بصركم ، فأبشروا… ان الآلام والأسقام والأمراض التي تُزعجكم ستجدونها بين يدي الله,حسنات ودرجات.
إجراءات عملية لترسيخ ثقافة احترام كبار السن ( حسب منشور الأوقاف ) :
التحية اللائقة: المبادرة بالسلام عليهم، والوقوف لهم عند قدومهم، وإظهار البِشر على الوجه.
إتاحة الأولوية: تقديمهم في الصفوف، والمقاعد، والمرافق العامة، والمناسبات.
خفض الصوت عند مخاطبتهم: لأن رفع الصوت يُشعرهم بالإهانة أو التقليل.
الإنصات والصبر عند حديثهم: وعدم مقاطعتهم، ولو طال كلامهم أو تكرّر.
إظهار التقدير اللفظي: استخدام ألفاظ الاحترام مثل: “تفضلوا”، “لو سمحتم”.
الاستفادة من خبراتهم: سؤالهم والاستماع لرأيهم في المواقف والتجارب.