بدعة … وضالّون


بقلم الشيخ : صالح علي صالح الفقي

موجه عام بوعظ الأزهر الشريف.

لقد أصَمَّت الآذانَ عقودًا طويلة تلك الفئةُ المحدودةُ الأفق، التي أُصيبت بنوعٍ من التوحّد الفكري والانغلاق المعرفي، فاستوردت منهجًا غريبًا عن ميراث الأمة وتاريخها، ثم رفعتْ شعارًا مبتورًا: «كل بدعة ضلالة»، وكأنها تمتلك مفاتيح الحق وحدها، وتُوزّع صكوك الهدى والضلال على الخلق.

والحقّ أن هذه الكلمة لا يستقيم ميزانُها إلا بضابطها الشرعي: كل بدعة على غير أصلٍ ضلالة؛ إذ ليست كل إضافة مذمومة، ولا كل جديد مُنكر، ما دام منغرسًا في أصلٍ راشدٍ من هدي الشريعة وروحها.

وقد تفرّعت عن هذا الانغلاق مظاهرُ شتى من التشدد، لا في أبواب الدين فحسب، بل في مناحي الحياة كلها، حتى غابت القدوة العملية، وانكشف زيف كثير ممّن انتسبوا إلى هذا التيار انتسابَ منفعةٍ لا انتسابَ بصيرة.

وقد فشل هؤلاء في الوصول إلى قلوب العامة، كما لم يجدوا لهم موطئ قدم بين أهل الفكر والثقافة؛ لأن الرسالة التي حملوها كانت مشبوهةً في أصلها، مضطربةً في غايتها.

لقد كانت الأموالُ التي سُخِّرت يومًا من آلِ… لبثّ هذا الفكر الأحادي، وتعبيد الناس لِمَراميه، رافدًا أساسيًا لقوّته وتمدده؛ غير أن تلك الينابيع نضبت، وتبدلت الحال، وتغيّرت أرضهم من نقيضٍ إلى نقيض، فتحوّل من كان يملك الصوت الواحد إلى من يبحث عن صوته بين ضوضاء التغييرات الجارفة.

واليوم – وقد انكشف الغطاء – آن الأوان لمنتسبي هذه المدرسة المبتدعة أن يقفوا وقفة صدق وأمانة، يراجعوا فيها مبادئهم المهترئة، ويعيدوا صياغة أفكارهم المعوجّة، لا على هوى الانغلاق، بل على مناهج الوسطية التي تجمع ولا تُفرّق، تبني ولا تهدم، وتُعلي قَدرَ العقل، وتستنير بنور الوحي.

والحمد لله على نعمة الأزهر الشريف؛ منارة الوسطية، وحارس التراث، وملاذ الأمة حين تشتدّ عليها الفتن.