غرس التوحيد في قلوب الأبناء: طريق التربية الأصيل


بقلم . أ : أحمد عوف

تعليم الولد الاستشعار بمعية الله وحده لا شريك له في كل أمر من أمور حياته، مع محبّة أوامره، وكراهة نواهيه.

وعلى الولد أن يعرف إجمالًا أن له خالقًا، وأنه مخلوق لا حول له ولا قوّة، وذلك منذ بداية وعيه لمعاني الكلمات وما تحتويه من مفاهيم.

ودلالة الأثر على المؤثّر هي أكبر دليل للطفل على أن ما في العالم من آثار: شمسٌ تعطيه الحرارة، وقمرٌ ينير له ظلامه، ونباتٌ يزيّن له محيطه، ويأكل منه ما ينفعه من خضرواتٍ وفواكهَ يتقوّى بها على شؤونه، وتمنحه الطاقة للحركة والحياة.

وحيواناتٌ يظهر أنها خادمةٌ له: فحولَه الطيورُ يخدمونه، فهو يأكلها ويتقوّى بها، والخراف والماعز، والأبقار يشرب لبنها ويأكل لحومها، ومن لبن الأبقار والجاموس يُصنَع الجبن والسمن وسائر مشتقّات الألبان الممتعة.

وحتى الغابات، فإنها تخدم النظام البيئي للكوكب، فالظاهر أن كل ما فيه من أمورٍ هو في خدمة الإنسان. فهو نظامٌ قويٌّ متين، فهل يمكن أن يكون هذا النظام من غير مُنظِّم؟!

فطبيعة الإنسان، وهي ضرورةٌ فطرية عنده، أن يبحث عن المؤثّر إن وُجد الأثر. فإذا كنتَ تسير في الطريق ورأيتَ دخانًا، فالطبيعي أن تقول: هناك نارٌ هي سبب هذا الدخان. حتى الطفل إذا وجد لعبةً سيسأل: من اشترى لي هذه؟ وإن كُسرت لعبتُه قال: من كسر لي لعبتي؟

وهكذا السؤال: من نظّم لك كل هذا؟

ستكون الإجابة: هناك مُنظِّم. فيعلم أن مَن نظّم له هذا كله قادرٌ عليه؛ فمن جعل الشمس العظيمة تخدمه جبرًا، قادرٌ على أن يعاقبه إن أخطأ، وأن يُنعِمه إن أطاع.

وحينها يعلم الولد أنه في هذه الحياة مسؤول، وأن هناك من سيقوم بسؤاله لا محالة.

ثم علينا أن نجعله يشعر بما أردنا أن يشعر، وهي معية الله في كل أمرٍ يفعله أو يخطر بباله، ولن يحدث هذا إلا إذا علم الولد صفات الكمال لله من قدرةٍ وإرادةٍ وعلمٍ وحياةٍ وسمعٍ وبصرٍ وكلامٍ وغيرها من الصفات الواجبة في حقه تعالى.

والسؤال: كيف نجعل الولد يدرك أن الله معه في كل وقتٍ وحين؟

في البداية علينا أن نجعل الولد يتأمل في خلق الله: الشمس والقمر والنجوم والماء في البحار والأنهار والأمطار، وكيف يسير كل أمرٍ بلا هوانٍ ولا تخلفٍ، فكلٌّ مقهورٌ تحت طاعته.

والقصة الشهيرة المنتشرة عند بني إسرائيل أن رجلًا سأل: كيف لا ينام رب العزة؟

فجاءه الملك وأعطاه قارورة ماء، وطلب منه أن يحافظ عليها، فلو نام الرجل سقطت القارورة.

فالله ممسك السماء والأرض، فلو علم الولد أن العالم بما فيه مقهور في يد الله، وأن الله يراه ويعلم ما يُخفي وما يُظهر، وأن الله سميع لما يقوله ولما لا يقوله، راعى الله في كل أعماله، واتقى الله في كل شئونه.

فأول الواجبات في التعليم تكون بتعليم الولد وتعريفه بربه، ومعرفة الله تكون بأن يعرف ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حقه تعالى، وأن الله متصف بكل كمال، ومنزّه عن كل نقصٍ سبحانه.

وهنا نقول: أليست الشمس خادمةً لك، تعطيك الحرارة؟ أليس القمر خادمًا لك، يعطيك الضوء؟ أليست الحيوانات والنباتات جعلها الله مقهورةً في يدك؟

فما سبب وجودك أنت؟ ما هي مهمتك في هذه الحياة؟

وأنت الذي قهر الله له الأشياء، وسخّر له الجبال والرياح والكواكب والحيوانات والبحار والأنهار؟

أنت المدرك لكل هذا، المسيطر عليه، المستخدم له، ولا يستطيع أحد أن يمنعك من استخدام البحار ومياه الأنهار ومياه الأمطار.

حتى الحيوانات الأليف منها والمفترس أنت عليها متحكم، ولها منظم.

فالسؤال هنا: ما سبب وجودك أنت؟

فالمؤكد أنك أعلى منهم قيمةً، فكلٌّ منهم له هدفٌ وعملٌ يقوم به، فمؤكد أن لك أيضًا عملًا أسمى منهم.

فقد أخبرنا رب العزة بسبب وجودك، وأنك مخلوق لتكون خليفة الله في الأرض، الحاكم بأمر الله تعالى في الأرض، المحافظ على ما فيها من كنوزٍ ومخلوقات، وأنك خُلقت للعبادة، والعبادة هي الطاعة، والطاعة تكون بتنفيذ أوامر الله، والبعد عما نهى الله عنه.

تلك هي الطاعة، وتلك هي غاية الاستخلاف، فقد قال الله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) وقال (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) سبحانه.

أتي السؤال بعد أن يعلم الولد أن لكل مخلوق خالقًا، فيسأل: “من خلق الله إذن؟”

فنقول له: هل قلنا إن لكل خالقٍ خالقًا، أم قلنا إن لكل مخلوقٍ خالقًا؟

فالله خالقٌ وليس مخلوقًا.

وهذه الطريقة تعتمد على أن الطفل قد علم أن وجود الإله ثابت من خلال دليل النظم والعناية، والله لا يحتاج إلى عنايةٍ لأنه غنيٌّ مطلق الغنى، بل كل ما في العالم مفتقر إليه سبحانه.

ولابد أن يصل للولد أن الله غنيٌّ مطلقًا، لا يفتقر إلى أحدٍ من خلقه.

وهناك طريقة أخرى لتوضيح ذلك، وهي أن نسأله:

لو قلنا إن هناك من خلق الله، لكان الله حينها مخلوقًا، والمخلوق لا يكون إلهًا قويًّا غنيًّا، لأن كل مخلوقٍ فقيرٌ إلى من خلقه، ومن خلقه أولى بالعبادة منه.

وهكذا نصل إلى أنه لابد من وجود أولٍ لم يُخلَق، بل هو الموجود دائماً، الذي خلق كل شيء، وهو رب العزة سبحانه وتعالى.