لماذا يجب مواجهة الفكر المتطرف والتحذير منه؟


بقلم الشيخ : نور عبدالبديع حمودة الأزهرى الشافعي

إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية

تمهيد

يُعدّ الفكر المتطرف من أخطر ما ابتُليت به المجتمعات الإسلامية في عصرنا، إذ تسلّل إلى عقول الشباب، وغيّر مفاهيم الناس، وأحدث شرخًا في بنية الوحدة الدينية والاجتماعية. وليس خطره مقصورًا على فرد أو جماعة، بل يمتد أثره إلى الأمة كلها، في عقيدتها، وفكرها، وتعليمها، وأمنها، وصورتها أمام العالم.

لم يكن الخطر على الأمة يومًا من عدو يواجهها بسلاح ظاهر، بقدر ما كان من فكر يتسلّل إلى العقول، ويتخذه بعض الناس دينًا وهو في ميزان العلم دخانٌ لا حقيقة له.

والفكر المتطرف واحد من أخطر هذه الآفات، إذ شتّت الصف، وأفسد العقول، وبدّل معالم السماحة التي جاء بها الإسلام، وطمس نور الوسطية الذي حمله الأزهر الشريف قرونًا طويلة.

ومن هنا جاءت الضرورة الشرعية والعقلية والاجتماعية لمواجهته، وكشف زيفه، والرد على شبهاته بالحكمة والعلم، حفاظًا على الدين الصحيح، وصيانةً للعقول، ووفاءً لمنهج الإسلام المستنير الذي حمله الأزهر الشريف عبر القرون.

نشر ثقافة التكفير والتبديع والتعصب

لقد روّج الفكر المتطرف لثقافة إلغاء الآخر، واحتكار الحقيقة، واتهام المخالفين بالضلال والبدعة بل والشرك، حتى صار التكفير عند بعضهم أيسر من شرب الماء!
وقد أدى ذلك إلى تفكك الروابط الأخوية، وتعميق الشقاق بين أبناء الأمة، وتحويل الخلاف الفقهي إلى عداوة دينية.

حتى صار الخلاف الفقهي سببًا للتباغض، وأصبح رأي الفرد ميزانًا يوزن به إيمان الناس.

مثال واقعي: انتشار فتاوى غير منضبطة تحكم على المجتمعات والحكومات والأفراد بالخروج من الملة، بلا علم ولا ورع، مما تسبب في موجات عنف وإرهاب ودمار.

إشغال العوام بدقائق العقائد والفقه

انصرف كثير من الناس عن أعمالهم النافعة، وتخصصاتهم المفيدة، وأصبحوا يخوضون في مسائل دقيقة لا يحسنها إلا كبار العلماء؛ ففسد العمل الدنيوي، وفسدت معه العلوم الدينية.

الشريعة لم تُكلّف العاميَّ إلا بسؤال أهل الذكر، لا أن يتحول إلى مفتي أو مناظر دون أدوات العلم.

مثال واقعي: عامل بسيط يجادل في “الصفات الإلهية” و“البدع” و“الولاء والبراء”، بينما يجهل أبسط أحكام الطهارة والصلاة!

أخرج هذا الفكر الناس من أعمالهم ومهنهم، ودفعهم إلى الخوض في دقائق العقيدة ومسائل الفلسفة الدينية التي لا يحسنها إلا كبار العلماء.

فلا هم أتقنوا حرفهم، ولا هم فهموا دينهم، وكلا الجانبين جناية على الشرع وفساد للعمران.

تشويه صورة الأزهر الشريف

نالت الجماعات المتشددة من الأزهر الشريف—قبلة العلم ومهوى أفئدة المسلمين—ووصفته بالضلال والبدعة، رغم أنه الحصن الأكبر لحماية العقيدة الوسطية.

منهج الأزهر قائم على الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح، واجتهادات الأئمة الأربعة، وميراث ألف عام من العلم المتوازن.

لم يسلم الأزهر – ومنارة العلم وميزان الاتزان – من سهام الغلو، إذ اتُّهم ظلمًا بأنه ضال ومبتدع، مع أنه المؤسسة التي حملت على عاتقها حماية الإسلام الوسطي، وتراث الأمة، وعلوم السلف والخلف.

مثال واقعي: يحذرون الناس من علماء الأزهر، ثم يعودون إلى كتبه ليقتبسوا منها، ويدرسون فيه لينالوا شهادته!

تعليم الناس النفاق العملي

رغم طعنهم في الأزهر، أدخلوا أبناءهم إليه لينشروا فكر جماعتهم بين جنباته، فصار الطالب يعيش بوجهين:
وجه للأزهر طلبًا للشهادة، ووجه للجماعة اقتناعًا وقولًا وعملًا.

مثال واقعي: طالب يرتدي العمامة الأزهرية في الصباح، ويؤدي دور “الناشط الحركي” في المساء.

حصر العلم في أسماء محددة

ادّعوا اتباع السلف، ثم حصَروا علم الإسلام في عدد قليل من الأشخاص المختلف في منهجهم وعلمهم، وتركوا تراث أهل العلم من السلف والخلف.

هذا حصر للحق في دائرة ضيقة، ومصادرة لإجماع الأمة وعلمائها.

مثال واقعي: شباب لا يعرف من العلماء إلا أسماء أربعة أو خمسة، ويطعن في كل من خالفهم من أئمة الإسلام الكبار.

ادعاء الاحتكار الحصري للإسلام

زعمت الجماعات المتطرفة أنها وحدها على الصواب، وأن من خالفها مبتدع أو ضال أو مشرك.
هذا ادعاء خطير يناقض قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾

ويخالف منهج العلماء الذين لم يكفّر بعضهم بعضًا رغم خلافاتهم.
زعموا أنهم وحدهم الممثل الحقيقي للإسلام، وأن من خالفهم مبتدع أو مشرك.

وهذا الادعاء يناقض منهج العلماء، ويجعل الأمة أشتاتًا، والأصل أن الدين رحمة لا سجنًا.

تقسيم مساجد المسلمين

قسموا بيوت الله إلى “سُنّة” و“بدعة”، وجعلوا صحة الصلاة مرتبطة بالمسجد، لا بالشرع.

مثال واقعي: شباب يفتي بعدم الصلاة في مسجد به ضريح، رغم أن أئمة الأمة أجازوا الصلاة في المساجد الجامعة ما لم تُصرف العبادة لغير الله.

تحويل المسائل الفقهية إلى قضايا عقدية

انشغل المتطرفون بقضايا مثل: اللحية، تقصير الثياب، النقاب، التوسل، التبرك… وجعلوها معيارًا للإيمان والكفر، مع أنها من فروع الفقه، وليست من أصول العقيدة.

هذا قلب لأولويات الدين، وإبعاد للمسلمين عن جوهر الرسالة.

مثال واقعي:
شاب يحكم على إيمان الناس بطول اللحية، ولا يتحدث عن الصدق، والأمانة، والعمل، والإحسان!

التحريم بلا علم ثم التراجع بلا بيان

حرّموا التصوير، والتلفاز، والسبحة، والعمل السياسي زمنَ الضعف، ثم لما دارت الدائرة واحتاجوا إليها في مشاريعهم الحزبية، أباحوها بغير تردّد، وكأن شيئًا لم يكن.
فأصبح الدين عندهم رهين المصلحة، يتغيّر بتغيّر الأرباح والخسائر، لا بثبوت الدليل والحق.

ومن عجائب واقعهم: أن جماعة كانت ترى التصوير منكرًا عظيمًا، فإذا بها تُنشئ قناة فضائية تبث ليلًا ونهارًا!

فتبيّن للمتأمل أن المبدأ لم يكن يومًا هو الحُكم الشرعي، بل هو حُكم المصلحة الذي تتغير فتاواه كلما تغيّرت الرياح.

مثال واقعي: جماعة حرّمت التصوير ثم أنشأت قناة فضائية تعمل أربعًا وعشرين ساعة!
وهكذا صار الدين عندهم تابعًا للمصلحة لا للحق.

الفجور في الخصومة والعدوان في الحوار

ابتعدوا عن منهج الإسلام في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، واستبدلوه بالتطاول، والسب، والسخرية، والتشهير، والتكفير.

الوحيان الشريفان أثبتا أن هذه الصفات من علامات النفاق والفجور.

مثال واقعي:
مناظرات تتحول إلى ساحات للسباب والاتهام بدلًا من العلم والتحقيق.

خاتمة
إن مواجهة الفكر المتطرف ليست خيارًا ترفيهيًا، بل واجب شرعي لحماية الدين، وضرورة اجتماعية لحفظ المجتمع، ومسؤولية علمية يتحملها الأزهر الشريف وعلماؤه وكل الغيورين على الإسلام الوسطي.