تصوير الإنسان في الأرحام – الجزءالاول

المقال الخامس والعشرون من سلسلة (الاعجاز الطبى في القرآن والسنة)

 

اعداد الاستاذ الدكتور/ عبد الحميد محمد صديق
استشارى الجراحة العامة

قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العزيز الحكيم ) . ال عمران: ١٦

من الآيات الكونية المعجزة في سورة آل عمران الإشارة إلى أن الله تعالى هو الذى يصور الخلق فى أرحام الأمهات كيف يشاء، وذلك كما جاء في الآية السادسة من السورة المباركة.

ومن الدلالات العملية للآية الكريمة: مراحل نمو الجنين من الاسبوع 8 حتى الأسبوع 40 .

من الثابت علمياً أنه لم يخلق فردان من بنى الإنسان أو من غيرهم من مختلف صور الأحياء الحيوانية والنباتية وصفاتهما الحيوية متشابه تشابهها كاملاً إلا في حالات التوائم الصحيحة المتماثلة.

وهي حالات نادرة وحتى في هذه الحالات يبقى التوأمان مختلفين في :

ـ الطبائع الشخصية

ـ والصفات الذاتية

ـ والنوازع النفسية

ـ والميول والرغبات

ـ والقدرات العقلية

ـ والمهارات اليدوية

وإن تشابها من الناحية الشكلية واحتمالات التشابه الحيوي بين فردين من بنى البشر غير التوائم الصحيحة هو أمر يكاد أن يكون مستحيلاً من الناحية الإحصائية.

وعلى ذلك فإن عملية تخلق كل فرد في مراحله الجنينية هي عملية تصوير خاصة به لا يقدر عليها إلا رب العالمين. وذلك لأن المخزون الوراثي للبشر أجمعين كان في صلب أبينا آدم عليه السلام لحظة خلقه ثم أعطيت أمنا حواء شطراً من هذا المخزون الوراثي الذي انفرد وتعدد بالتزاوج بين الذكور والإناث مع الزمن بالتدريج ليعطي البلايين من البشر من زمن أبوينا الأولين آدم وحواء عليهما السلام إلى اليوم. وسيظل يعطى كل نفس منفوسة أي قدر الله تعالى لها الوجود إلى قيام الساعة.

فالبلايين السبعة من البشر الذين يملكون جنبات الأرض اليوم والبلايين التي عاشت من قبل وماتت والبلايين التي سوف تأتى من بعدنا إلى قيام الساعة كانت كلها في عالم الذر في صلب أبينا آدم عليه السلام لحظة خلقه وقد أشهدهم الله تعالى جميعاً على حقيقة الربوية..

قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدَنا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِينَ ) سورة الأعراف : ١٧٢ .

فكل إنسان مقدر له أن يحيى على سطح هذه الأرض ولو للحظة واحدة معروف بصفاته المحددة عند خالقه ، وكان موجوداً في عالم الذر في صلب أبينا آدم عليه السلام لحظة خلقه ثم تقاسمت أمنا حواء معه هذا المخزون الوراثي، الذي وهبه الله تعالى لأبوينا آدم وحواء عليهما السلام.

ثم بدأ فى الانفراد مع الزمن ليعطي بلايين البلايين من بني آدم الذين خص الله تعالى شأنه. كل فرد منهم بصفات محددة يقررها نصيبه المفروض له من المخزون الوراثي للإنسان، والذى قسمه لنا الخالق عز وجل منذ الأزل ويعرف هذا التسلسل فى عالم الوراثة التنوع من الأصل الواحد.

ولولا هذا التنوع لكان أفراد الجنس البشري على نمط واحد من الخلقة، ولأدي ذلك إلى التنافر بين الناس ولإستحالت الحياة أو أصبحت ثقيلة كريهة لا تطيقها النفس الإنسانية لذلك خلق الله تعالى لآدم زوجة وقال تبارك وتعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنسَاء وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا “. النساء : ١ .

ولذلك أيضا خص الخالق عز وجل كل نوع من أنواع الحياة بعدد معين ومحدد من الصبغيات وخص الإنسان بستة وأربعين صبغياً في نواة خلاياه الجسدية، وخص خلايا التكاثر بنصف هذا العدد ۲۳ صبغياً حتى إذا التقت النطفتان من الزوج والزوجة واتحدتا بمشيئة الله تعالى لتكوين النطفة الأمشاج المختلطة، تكامل عدد الصبغيات وجاء نصفها من الأب وأسلافه والنصف الآخر من الأم وأسلافها فيأتي الجنين على قدر من التشابه والاختلاف مع الوالدين ولذلك يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله الشريف: “إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله تعالى كل نسب بينها وبين آدم” أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم.