التوبة بين الشريعة والحقيقة عند العارفين بالله
17 نوفمبر، 2025
منبر الدعاة

بقلم الشيخ : محمد رجب أبوتليح الأزهرى
عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف
المقال الأول من سلسلة : مقامات السلوك إلى حضرة ملك الملوك :
التوبة في الإسلام ليست مجرد ترك الذنب والندم عليه، بل هي مرتبة روحية عليا، تبدأ من تحرير الإرادة من أغلال الشيطان، وتنتهي بانكسار القلب بين يدي الله في حضرة الجلال، فتُصبح رحلةً من التحول الذاتي إلى التحول الوجودي أي اليقين بوجود الله تعالى.
وقد ورد مفهومها في القرآن الكريم بألفاظ منها: “تُوبُوا” و”ليتوبَّ” و”تَوَّاب”، “فتاب” ، مما يدل على كونها فعلاً إلهيًا قبل أن تكون فعلًا بشرياً، قال تعالى: {ثم تاب عليهم ليتوبوا} (التوبة: ١١٨)، وقال جل شأنه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31)، فالأمر بالتوبة موجّه للمؤمنين، لكنها في حقيقتها استجابة قلب العبد لدعوة إلهية تجلت عليه، فتحوله من الشقاوة إلى السعادة، ومن أغلال الشبطان إلى رحمة الغفار، كما سبق في الآية السابقة، وهي رسالة حب من الله لمن أحبه من عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222).
أقسام التوبة: شرعيّة، وحقيقية
على المستوى الشرعي، تُقسّم التوبة إلى ثلاثة أركان: الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة، وهي ما أجمع عليه الفقهاء والعلماء.
أما عند الصوفية، فلها ثلاث مراتب هي أعمق فهما:
1- توبة العوام: ترك المعاصي خوفاً من العقاب.
2- توبة الخواص: ترك المعاصي حياءً من الله، لا خوفاً فقط.
3 – توبة خاصة الخاصة: وهي ترك الخوف والرجاء، والقيام في حال الفناء فتكون العبادة لله لا لثوابٍ ولا لعقاب، بل لذاتِهِ حبا وفناء في جماله وجلاله. كما قال قائلهم: “أحبّك لا لثوابٍ أرجوه، ولا لعذابٍ أخافه، بل لِمَا أنتَ أهلاً له”.
توبة الرسل والأنبياء:
العُلماء والعارفون يرون أن أنبياء الله، رغم عصمتهم، لم يخلوا من “توبة” تُشبه الانكسار أمام جلال الله، ليس كتوبة المذنبين، بل كتوبة المُقرّبين الذين يرون في كل نعمةٍ فضلا عظيما لم يقوموا بشكره، وفي كل طاعةٍ يؤدونها لم يفعلوها كما يليق بجمال الله وجلاله.
ولسان مقالهم وحالهم: سبحانك لك الحمد ما عبدناك حق عبادتك.
فآدم عليه السلام، بعد إخراجه من الجنة، لم يقل: “أخطأت”، بل قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(الأعراف: 23) فلم يُقرّر ذنباً، بل اعترف بظلم النفس، وهو أرقى أشكال التوبة.
وإبراهيم عليه السلام حين قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: 80)، لم يُقرّ بمرض جسدي فقط، بل بحاجةٍ دائمةٍ لله، فكانت توبته توبة عما يشغل القلب عن خالقه.
وحتى نبينا محمد ﷺ، رغم أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يُكثر من التوبة، فيقول: *(يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم مائة مرة) . (رواه مسلم).
فهذا يدل على أن التوبة ليست مقصورة على المذنب، بل هي حال العارف مع ربه، الذي يرى في كل لحظةٍ تقصيرًا في حضرة المحبوب.
توبة العارفين:
العارفون يرون التوبة ليست محو الذنب، بل إعادة صياغة للذات والنفس، فلربما يرزق الله العبد الذنب ليقربه، فيذكر ذنبه ويندم ، فيدعو ربه ويستغفره وقديما قالوا: رب معصية خير من طاعة، رب معصية أورثت العبد ذلا وندما وانكسار، خير من طاعة أورثت عزا وافتخارا.
قال الجنيد: “التوبة ألا ترى نفسك في شيءٍ من الأشياء”. أي لا ترى لنفسك ولا لعملك قيمة تفتنك، فلا تكون مفتونا بنفسك، ولا محجوبا بحسك.
وقالوا: “من تاب، فلم يرَ نفسه بعد التوبة، فقد تاب توبةً صحيحة”.
وهذا ما أشار إليه ابن العربي في “الفتوحات المكية” – فيما معناه- : “التوبة الحقيقية هي أن ترى أنك لم تكن تعبُد الله حق عبادته، فتُعيد عبادتك من حيث بدأت.”
وقد كان كثير من أولياء الله تعالى مع اجتهادهم في العبادة وإرشاد الخلق وهدايتهم إلى الحق ومع ذلك يرون أنفسهم أنهم غير صحيحي الإسلام .
فالتوبة عند العارفين ليست توقفاً عن الشر، بل انتقالاً من الوجود الذاتي إلى الوجود الإلهي، فتُصبح النفس كأنها ممحوة، لا ترى لنفسها حضوراً، بل ترى الله في كل حركةٍ وسكون.
فالتوبة إذن ليست مجرد ركنٍ فقهي، ولا مجرد ممارسةٍ أخلاقية، بل هي أعلى مقامات السلوك، تبدأ من الشريعة، وتنتهي في مقام الحقيقة.
فمن تاب توبة العوام، نجا من العقاب.
ومن تاب توبة الخواص، نجا من الهوى.
ومن تاب توبة خاصة الخاصة، لم يبقَ له وجودٌ إلا بوجود الله، ومع الله، وفي الله.
وهي الرحلة التي تُعيدك من الغفلةٍ إلى الحضور، ومن الظلامٍ إلى النورٍ، وتورثك في الدارين السرور والحبور.، ومن صحبة ذاتٍك إلى معية الله.وفي النهاية:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وإلى لقاء اخر ان شاء الله….