حقيقة مقام السيدة زينب في القاهرة


بقلم فضيلة الشيخ : محمد إسماعيل المالكي

بسم الله الرحمن الرحيم

من يتتبع تاريخ البشر يجد فيه الكثير من الأسماء التي أثرت في مسيرة الحياة البشرية، وتركت خلفها آثارًا يستفيد منها الناس، رغم مرور مئات أو ألوف السنوات على وفاتهم، وذلك شامل لكل جوانب الحياة وفروع المعرفة.

لكن الشيء المشترك بين هذه الشخصيات هو إمكانية التشكيك في وجودها غالبًا، بسبب عدم وجود آثار مادية تؤكد وجودهم فعلا، وتنفي كونهم أساطير اخترعتها أذهان بعض البشر، ونسبوا إليها بعد ذلك ما شاءوا من أفكار ومعتقدات وإنجازات.

فأرسطو وسقراط وأفلاطون وغيرهم من الفلاسفة، وجالينوس وأبقراط وغيرهما من الأطباء، والاسكندر وقيصر وغيرهما من القادة والملوك، وكونفوشيوس وبوذا وغيرهما من المصلحين، جميعهم تم التشكيك في وجودهم، وربما كانوا جميعًا محض أساطير حقّا لا وجود لها.

وقل أن تجد في شخصية تاريخية قديمة اجتماع عمق التأثير مع الدلائل القطعية على الوجود، ما عدا في التاريخ القريب لبضع عشرات أو مئات من السنين فقط.

الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة العامة هي شخصية النبي اﻷعظم صلى الله عليه وسلم، فكل أحداث حياته تقريبا توجد آثار مادية تدل على حدوثها، بداية من مكان ولادته، مرورا بمكان حياته في بيته، ومكان تعبدّه في غار حراء قبل البعثة، وحيث بدأ الوحي الإلهي، ومواقع غزواته صلى الله عليه وسلم، ومدافن الشهداء من الصحابة في تلك الغزوات، وهكذا في جميع مراحل حياته، حتى نصل إلى مكان قبره الشريف، حيث انتقلت روحه الشريفة إلى الرفيق اﻷعلى، ودفن جسده الشريف، صلوات ربي وسلامه عليه.

بل إنّ الأنبياء العظام من أولي العزم، إبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، لولا أن القرآن الكريم والسنة النبوية أخبرانا بوجدهم لما وثقنا في وجودهم مطلقًا، فلا توجد أدلة تثبت وجودهم يقينا خارج القرآن الكريم والسنة المشرفة، وحتى غير القرآن من الكتب تعرض للدس والتغيير في محتوياته، مما يفقد الثقة بما فيه عند الدارسين.

ولذلك نجد أصواتا كثيرة ترتفع بإنكار وجود هؤلاء الأنبياء العظام، والزعم بأنهم شخصيات خيالية، اختلقها البعض، وأقنعوا البسطاء من الناس بوجودها.

أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلا يستطيع عاقل من عقلاء البشر، مهما كان موقفه الإيماني منه، أن ينكر وجوده أو يشكك فيه، إلا لو أراد أن يجعل من نفسه أضحوكة، ولن يجد لزعمه هذا أي مستند علمي او حجة عقلية، يدحض به الآثار النبوية الباقية، منذ عهد الرسالة إلى يومنا هذا.

وكذلك الحال بالنسبة لمن تشرفوا بصحبته صلى الله عليه وسلم، وكذلك من تشرفوا بأن يكونوا من أهل بيته، وغالبية العلماء والصالحين، ممن أشاع الله ذكرهم وخبرهم بين المسلمين على مر التاريخ. ولن تجد أمة من الأمم أو ملة من الملل تعرف أماكن حياة رموزها وعلمائها كما يعرف المسلمون مراقد علمائهم ورموزهم.

ومن أسباب هذا التوثيق والتحقيق الدقيق أن الشريعة الإسلامية جعلت من ضمن شعائرها زيارة القبور، وجعلتها عبادة يتقرب بها المسلم لله تعالى، ولعل الحكمة منها التذكر والاعتبار بحال هؤلاء المنتقلين للدار الآخرة، وتذكر سيرتهم وإنجازاتهم دائمًا، والاقتداء بهم في حياتنا والدعاء لهم؛ فلا يكون وجودهم في كتب التاريخ فقط، دون امتداد عبر التاريخ، ودون آثار مادية تذكرنا بهم وتربطنا بهم، كما هو الحال عند غيرنا.

غير أن هذه الصفة المميزة لرموز أمتنا تتعرض لمحاولات طمس وإزالة، بصورة واضحة في العقود الأخيرة، بداية من التشكيك في هذه العبادة الشريفة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في غيرما حديث، وانتقالًا للتشكيك في تاريخية هذه المراقد، بالتشكيك في أنها تحتوي فعلا على هؤلاء الصالحين، ومرورا بهدم وازالة ما تصل إليه الأيدي الآثمة، بزعم حماية جناب التوحيد على أيدي المتطرفين في فهم الدين.

ومن الشخصيات التي مرت على تاريخنا الاسلامي، وتركت فيه أثرًا كبيرًا شخصية السيدة زينب، حفيدة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنت ابنته سيدتنا الزهراء رضي الله عنها، وبنت سيدنا الإمام علي رضي الله عنه، وحفيدة ام المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها، وشقيقة سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين رضي الله عنهما، التي وصفها سيدنا عبد الله بن عباس بعقيلة أهل البيت، أي سيدتهم وأفضلهم وأجودهم كما تقول قواميس اللغة.

السيدة زينب رضي الله عنها شاهدت مقتل والدها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وشاهدت في يوم كربلاء مقتل شقيقها الحسين رضوان الله عليه، وشهدت في نفس اليوم مقتل اثنين من أبنائها، ومقتل أبناء إخوانها، ومع ذلك بقيت ثابتة الجنان، بعد رحلة مروعة لسيدات بيت النبوة من العراق للشام، وخطبت في مجلس يزيد بن معاوية خطبة سجلتها دواوين التاريخ وكتب الفصاحة والأدب، فأصبحت بذلك نموذجًا تقتدي به نساء المسلمين على مر التاريخ.

ولو كان المقام لتفصيل مكانتها وفضلها لاحتجنا عشرات المقالات للإحاطة بشيء من ذلك.

دفنت هذه السيدة الكريمة بأرض مصر وأصبح مرقدها مقصدًا لمحبي النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبي آله ومحبي أصحابه، فقد حازت شرف الصحبة دون نزاع في ذلك بين المؤرخين.

ويبدوا أن هذا التزاحم على مرقدها الشريف قد أزعج من يرغبون في طمس آثار النبي صلى الله عليه وسلم وآثار أهل بيته واصحابه، وبين كل حين وآخر ترتفع أصواتهم تحاول أن تصرف الناس عن هذا المقام، بدعوى بدعية هذه الزيارة، وحصول ممارسات شركية فيها بزعمهم، وإذا وجدوا أن هذا الاسلوب لا ينفع أضافوا لدعاويهم هذه التشكيك في أن هذا المرقد المشهور في مصر للسيدة زينب بنت علي رضي الله عنها وأرضاها، ولو وجدوا سبيلا لنسف هذا المرقد كما فعلوا بغيره مما وصلته أيديهم لفعلوا دون تردد.

وليس الغرض هنا أيضًا البحث في مشروعية زيارة مراقد الصالحين، ومشروعية ما يحدث عندها، وتفصيل المشروع والممنوع مما يحصل هناك، كما في مقال مشاهداتي في مقام سيدنا الحسين رضي الله عنه، لكنّ الغرض مناقشة دعاوى من ينفون أن هذا المرقد هو مرقد السيدة زينب رضي الله عنها.

والأقوال في مكان مرقد السيدة زينب رضي الله عنها أربعة:

* القول الأول أنها دفنت في المدينة المنورة.
* القول الثاني أنها دفنت في الشام.
* القول الثالث أنها دفنت في مصر، في مقامها المعروف.

أما القول الأول فيستند القائلون به على دليل واحد فقط، وقد لخص المرجع الشيعي السيد محسن الأمين هذا الدليل بقوله: يجب ان يكون قبرها في المدينة المنورة فإنه لم يثبت انها بعد رجوعها للمدينة خرجت منها. أهـ وهذا هو مستند كل من يقول بقوله.

هذا الدليل مكون من مقدمتين:

*المقدمة الأولى أن رجوعها للمدينة بعد حادثة كربلاء قد ثبت عند المؤرخين.
* المقدمة الثانية لم يثبت خروجها من المدينة بعد خروجها.

والنتيجة التي توصل إليها السيد محسن الأمين هي وجوب كونها قد دفنت في المدينة.
ونلاحظ في هذا الدليل أنه ليس نصا على وفاتها ومكان دفنها، وليس فيه أيضا إثبات أو تحديد لمكان دفنها في المدينة، وهو بالتالي دليل لا تقوم به حجة، فلا مانع من مغادرتها للمدينة بعد ذلك لمكة أو مصر أو غيرهما من بقاع اﻷرض، وعدم ثبوت هذا الخروج لا يعني أبدا أنها لم تخرج، وبالتالي لا محل لكلمة يجب التي صدر بها السيد محسن كلامه، والأدق منها أن يقال: يحتمل أن يكون قبرها في المدينة، وحتى هذا الإحتمال متوقف على أثبات عدم خروجها من المدينة.

فالقول إذن بدفنها في المدينة مجرد احتمال لا تقوم به حجة في قضية تاريخية.

وبقاء السيدة زينب بالمدينة حتى وقت انتقالها للرفيق الأعلى، ودفنها بالمدينة كذلك، أمر مستبعد جدًّا، لعدة قرائن، منها:

أنه لو كانت السيدة زينب قد توفيت ودفنت في المدينة المنورة ،كما يقال احتمالا بلا دليل ولا برهان، لعرف الناس مكان دفنها وقصدوه بالزيارة والدعاء عنده. فمثل السيدة زينب في فضلها ومكانتها عند جميع المسلمين لا يخفى مكان دفنها على أهل المدينة إذا توفيت عندهم.

ولعل السيد محسن الأمين أراد مناقشة هذا الأمر حين قال: وكم من أهل البيت أمثالها من جهل محل قبره وتاريخ وفاته خصوصا النساء أهـ. لكن السيدة زينب لا مثيل لها مطلقا بين نساء أهل البيت، فهي أفضلهن بعد بنات النبي صلى الله عليه وسلم دون خلاف في ذلك، وإن كان نسيان مكان دفن غيرها محتملا فإن نسيان مكان دفنها هي تحديدا مستبعد جدا، ومراقد البقيع مليئة بمراقد معروفة لنساء دونها في الفضل والمنزلة من الصحابة والتابعيات أيضًا.

ثم إن الاعتماد على عدم معرفتنا بمراقد كثيرات من نساء بيت النبوة لا يفسر غياب توثيق أنها توفيت في المدينة ودفنت فيها، فمن الممكن أن تثبت الوفاة بالمدينة وتوثق، ثم يخفى مكان القبر لسبب ما، أما أن يختفى توثيق الوفاة ويخفى مكان المرقد بعدها فأمر مستبعد جدا، ولو كان ثمة توثيق ﻷحدهما ولو في كتاب ضعيف لاعتمد عليه من يقولون بوفاتها في المدينة، بدلا من لجوئهم للاحتمالات الضعيفة.

ولو كانت السيدة قد توفيت بالمدينة لتسابق أهل المدينة في تشييعها لمثواها الأخير، وفي مقدمتهم ولاة المدينة وحكامها، محاولاة منهم ﻹثبات عدم معاداتهم لأهل البيت، ورغبة منهم في التقرب لمن عاشوا في تلك الفترة من محبي أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من عامة المسلمين، وإكراما لها ولجدها المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، ولنقلت لنا كتب التاريخ اسم من صلى عليها ومن تولى دفنها، كما هو الحال بالنسبة لكثيرين من أعلام أهل البيت ممن توفوا في تلك الفترة.

وحتى الذين تناولوا حياة زوجها سيدنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، تعرضوا لذكر أبنائه منها، ولم يذكروا أنها توفيت بالمدينة أو دفنت فيها، وغاية ما عندهم هو رجوعها الى الحجاز بعد مقتل سيدنا الحسين وابنيها محمد وعون مع باقي شهداء الطف من أهل البيت والصحابة والتابعين من أنصار سيدنا الحسين رضي الله عنه.

وقد كانت المدينة النبوية مركزا من مراكز العلم في تلك الفترة، والسيدة زينب من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك في رغبة طلاب العلم من أهل المدينة في الرواية عنها كما رووا عمن هن دونها منزلة وعلما وفضلا، لكننا مع ذلك لا نجد لها ذكرا في طبقات الرواة، وهذا يؤكد انها لم تكن موجودة بالمدينة المنورة لفترة تسمح لها بتليغ شيء مما تلقته عن جدها المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ولا ما تلقته عن والدها الكرار، ولا ما عايشته من حياة والدتها الزهراء، ولا عن أخويها الحسن والحسين. غير مجموعة أحاديث قليلة جدا لا يكاد يصح منها شيء.

ثم إنّ الاحداث التي عاشتها السيدة زينب عند مقتل أخيها سيدنا الحسين وأنصاره، ثم مجابهتها ليزيد بن معاوية في الشام بخطبتها الشهيرة، تؤكد جميعها أنها لن تبقى صامتة بعد رجوعها للمدينة، إذ هي المصدر الأوثق في حكاية تفاصيل تلك الحادثة الدامية، وما تلاها من أحداث مؤسفة، وحتى ابن أخيها سيدنا زين العابدين بن الحسين مع كونه من شهود تلك الفاجعة إلا أنه كان على فراش المرض فلم تتح له معيانة كثير من الأحداث، أما هي فكانت فاعلة تراقب كل شيء.

ومن المنطقي أن تكون مصدرا ﻹخبار الناس بما حصل في ذلك اليوم من فظائع، وشيوع مثل هذه الأخبار كفيل بزعزعة عروش الطغاة من بني امية وأنصار يزيد. لكننا مع ذلك لا نجد ولا خبرا واحدا منقولا عنها يوثق تصديها لنشر وإعلان تلك الأحداث لا في كتب السنة ولا في كتب الشيعة، مما يؤكد أنه تم استبعادها من المدينة في صمت تخلصًّا من الأثر الذي يمكنها إحداثة، خاصة بعد ان رأوا وسمعوا من بيانها وحجتها ما سمعوا في الشام.
وجدير بالذكر كذلك أن كتب الزيارات حتى عند إخواننا من الشيعة تخلو تمامًا من زيارة لمقام للسيدة زينب بالمدينة، رغم احتفائهم بمراقد نساء أهل البيت وامهات الأئمة، وكلهم قطعا دون السيدة زينب في الفضل والمنزلة عند الشيعة وعند السنة أيضا. ولا حتى في الأدعية الإجمالية التي تقال لساكني البقيع من أهل البيت لا يرد ذكر للسيدة زينب.

كل هذا يقودنا الى انها فعلا لم تبق بالمدينة بعد عودتها من الشام حتى وقت انتقالها للدار الآخرة، والا لشاع هذا الخبر وتم توثيقه في كتب التاريخ.

أما القول الثاني : بأنها دفنت في الشام فقد فنده وقضى عليه السيد محسن الأمين، حيث نقب في التراث الشيعي فوجد فيه نصًّا واحدا فقط يفيد أن السيدة زينب رضي الله عنها مرقدها بقرب مرقد زوجها بالشام، حيث قدما إلى الشام إثر مجاعة أصابت المدينة في عهد عبد الملك بن مروان، ليقوم سيدنا عبد الله بن جعفر في أملاكه من مزارع وقرى بالشام حتى تزول المجاعة، فتوفيت هناك ودفنت.

ورد على هذا القول بعد ردود:

أولها أن سيدنا عبد الله بن جعفر لم يتوف بالشام وبالتالي فليس له مرقد هناك ليكون بقرب مرقد السيدة زينب، إنما توفي بالحجاز، وفقا لما رواه ابن حجر وابن عبد البر وغيرهما ممن ترجم لسيدنا عبد الله بن جعفر، ولا وجود لقبر منسوب له بالشام بقرب المرقد المنسوب للسيدة زينب بالشام.

ثانيها أن سيدنا عبد الله بن جعفر لم يذكر مؤرخ أن له قرى ومزارع بالشام ليأتي إليها ويقوم بأمرها، وغاية صلته بالشام أنه كان يفد على معاوية فيجيزه، فيفرق ما أخذه منه على الفقراء والمساكين، لما عرف عنه من الكرم والجود، ولم يعرف بشراء القرى والضياع.

ثالثها أن قصة انتقال سيدنا عبد الله بن جعفر للشام بسبب المجاعة مع زوجته السيدة زينب أقرب للخيال، فلو حدثت مجاعة بهذه الصفة لاستطاع إيصال غلات وأثمان أملاكه المزعومة بالشام إلى الحجاز دون سفر، وهذا يتعارض أيضا مع ما نقل عن ثرائه الذي لا يجعله يحتاج لمغادرة بلاده إلى بلاد أخرى سعيا وراء القوت ولو في وقت المجاعة.

رابعها أنه لا يمكن أن يحمل زوجته السيدة زينب إلى أرض الشام التي كانت لها فيها ذكريات مؤلمة أيام دخلتها بعد حادثة كربلاء، ومقتل شقيقها الحسين وابنهيا وأبناء أخوانها وشباب أهل بيت النبوة، ومن كانوا معهم من الصحابة والتابعين، فيعيد تذكيرها بتلك الأحداث المؤلمة مرة أخرى.

وقد أعاد السيد الخوئي كلام السيد محسن الأمين في بعض كتبه مقرا له وناصرا له، غير أنه رجح مثله كوناه دفنت في المدينة معتمدا على نفس دليله وهو الاستنتاج الذي سبق تناوله.

بقي لنا القول الثالث في شأن مرقد السيدة زينب رضوان الله عليها وهو القول بأن مرقدها في مصر، عند مقامها المعروف.

وهذا القول هو الذي تدعمه القرائن وتؤكد صحته، فإضافة لما سبق من أهمية تخلص بني أمية من وجودها في المدينة، وغياب وجود شيء من اخبارها أو آثارها بالمدينة بعد رجوعها، فلا يوجد مكان آخر مرشح لاستقبالها غير أرض الكنانة.

فمكة المكرمة ستجعل أثرها على خصومها وخطرها على كراسيهم أكبر، وزوار الحرم في الحج والعمرة سينقلون أثرها المعنوي لكل بقاع المسلمين.

وأرض العراق مليئة بأنصار أهل البيت الراغبين في القصاص لإخوانهم المقتولين ظلما مع سيدنا الحسين رضي الله عنه، ووجود شقيقة الحسن والحسين رضي الله عنهم بين أهل العراق في ذلك الوقت سيكون عامل تحفيز وتذكير لهم بما حصل في كربلاء.

أما أرض الشام فلهم تجربة دلت على مدى تأثير السيدة زينب في أهلها لما خطبت فبكت وأبكت حضور مجلس يزيد بن معاوية في خطبتها الشهيرة.

فلم يبق إذن غير أرض مصر، فالأمر فيها مستتب، ولا شيء يمنع السيدة زينب من الإقامة فيها.

وجدير بالذكر أن أبناء السيدة زينب الباقين بعد مقتل أشقائهم مع خالهم سيدنا الحسين رضي الله عنه أختفى ذكرهم من كتب التاريخ أيضًا، فلم تذكر لنا غير ميلادهم، ولو بقوا في المدينة لعرف الناس فضلهم وقدرهم، فهم أحفاد سيدنا جعفر الطيار وأحفاد سيدنا الكرار، وأمهم السيدة زينب، ولم يذكر مؤرخ وفاتهم في عمر صغير أيضا، رغم عناية المؤرخين بمثل هذه الأخبار، ولعل في هذا ما يلمح إلى أنهم انتقلوا مع والدتهم السيدة زينب خارج المدينة وكانوا برفقتها الى أن توفوا دون لفت الانتباه إلى شخصياتهم.

وقد حاول بعض الناس التشكيك في مرقد السيدة زينب بالقاهرة، وقدموا مجموعة من الشبهات التي ينقض بعضها بعضا ويكسر بعضها بعضا، محاولين تعضيد قولهم هذا.

فقالوا مثلا :لم يرد ذكر قبر السيدة زينب الكبرى في العديد من روايات شهود العيان من الرحالة الذين رحلوا إلى مصر.

وهذا كلام لا قيمة له، فعدم ذكر الرحالة لمكان لا يعني أن هذا المكان غير موجود، وإلا فبنفس منطقهم هذا فلا وجود لقرى وبلاد كثيرة ﻷن هؤلاء الرحالة لم يزوروها ولم يذكروا عنها شيئا في كتبهم.

وقبل أن يستدلوا بهذا الدليل يحتاجون إلى إثبات أن هؤلاء الرحالة نصوا على أنهم زاروا جميع معالم البلاد التي زاروها ولم يتركوا منها شيئا، ثم يثبتون بعدها عصمتهم عن الخطأ والنسيان والغفلة. ثم أثبات أن جميع الرحالة أجمعوا على عدم ذكر المقام الشريف بعد اطلاعهم على رحلاتهم المدونة والمخطوطة، بل واطلاعهم على رحلات من لم يدونوا رحلاتهم. أو على أقل تقدير يثبتون نفي رحالة واحد لوجود مقام للسيدة ينب وقت زيارته لمصر، وكل هذا لا يستطيعون اثبات شيء منه.

ودليلهم هذا حجة عليهم، فكلّ من زاروا المدينة، ومن ضمنهم نفس الرحالة الذين أوردوا أسماءهم، لم ينصوا على وجود مقام فيها للسيدة زينب رضي الله عنها، فكيف يكون عدم ذكرهم لمقامها في مصر دليلا على أنها لم تقبض فيها، ولا يكون عدم ذكرهم لمقامها في المدينة دليلا على عدم وفاتها فيها؟ وهكذا تتناقض أدلتهم وينقض بعضها بعضا.

وقالوا أيضا: لقد اتفقت كلمة المؤرخين على أن السيدة زينب بنت علي لم تدخل مصر، وبالتالي لم تدفن فيها.

وهذا القول فيه تدليس، فلم ينص مؤرخ واحد على أن السيدة زينب لم تدخل مصر، واستدلالهم بأن بعض المؤرخين لم يذكروا دخولها مصر لا يعني أبدا انهم ينفون زيارتها لمصر. فعدم ذكر الشيء ليس إثباتا لعدم وجوده كما سبق.

وبعض من استدلوا بهم ينقلون كلامهم في اثبات اسماء بعض من دخلوا مصر من الصحابة وأهل البيت، وفاتهم أن يذكروا اسم السيدة زينب ضمنهم، ومن المقطوع به تاريخيا أن الصحابة الذين تشرفت ارض مصر بدخولهم إليها يزيدون على الألف، ولم يدّع مؤرخ أنه حصر جميع أسماء هؤلاء الصحابة الكرام، إنما يذكرون بعضهم فقط، ممن يتبادر إلى أذهانهم وقت التأليف. ثم إنه لا شيء يمنع من استغنائهم عن ذكر أسماء بعض المشهورين لعدم الحاجة إلى ذكرهم، وفقا لقاعدة تقرير المعلوم نوع من أنواع الجهل.
وكثير من المعاصرين زاروا القاهرة وأقاموا فيها وألفوا كتبا عن ذكرياتهم، ولم يذكروا شيئا عن مسجد مولانا الحسين مثلا، ولا عن مقام السيدة زينب، ولا عن مقامات ومناطق اخرى كثيرة.،وهذا لا يعني أنهم لم يزروا هذه المناطق ولم يعرفوها.

ونخشى أن يعتمد على هذا المنطق العجيب بعض الناس، فينفون وجود الإهرامات وأبي الهول، لمجرد أن بعض الرحالة لم يذكروا شيئا عنها.

ولعل كلامهم هذا تكون له قيمة إذا كانت أرض مصر قد تشرفت بدخول السيدة زينب وحدها، من جيل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أهل بيته، وبشرط ألا يوجد مقام من مقامات الصالحين من العلماء والعباد بأرض مصر غيرها، عندها سيكون من المستغرب حقا أن يوجد مقام واحد فقط ولا يروه هؤلاء الرحالة، لكن أصحاب المقامات بأرض مصر مئات ولله الحمد والمنة.

وقالوا أن هذا المقام ليس للسيدة زينب بنت سيدنا علي رضي الله عنها انما هو لزينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور ، وهي بنت اخ السيدة نفسية صاحبة المقام المعروف أيضا.

لكن المتتبع لكتب الزيارات يجد أن للسيدة زينب بنت يحيى لها مقام أخر بالقرب من مرقد الإمام الشافعي، ولا صلة له بمقام السيدة زينب بنت علي رضي الله عنها.

وقالوا بأن أول من ذكر أن السيدة ينب هي صاحبة هذا المقام هو سيدي الشيخ علي الخواص كما نقل عنه تلميذه سيدي الشعراني رحمهم الله تعالى.

وهذا القول تكذبه كتب التاريخ، فقد تتابعت الأخبار عن وجود مقام السيدة زينب قبل زمان الشعراني بقرون متطاولة.

وقد نقل الشيخ محمد زكي إبراهيم الشاذلي شيخ العشيرة المحمدية نصوصا من كلام المؤرخين عن وجود هذا المقام، أولها وأهمها ما جاء في رحلة الفقيه الأديب الرحالة أبو عبد الله محمد الكوهن الفاسي التي عملها في أواخر (القرن الرابع الهجري) أنه دخل القاهرة في (٤ من المحرم سنة ٣٦٩ هـ والخليفة يومئذ (أبو النصر : نزار بن المعز لدين الله أبي تميم الفاطمي) فزار جملة من المشاهد من بينها هذا المشهد ، وذكر ما عاينه من الصفة التي كان عليها وقتئذ ، فقال : دخلنا مشهد (زينب بنت عليّ) على ما قيل لنا ، فوجدناه داخل دار كبير ، وهو في طرفها البحري ، يشرف على الخليج ، فنزلنا إليه بدرج وعاينا الضريح ، فوجدنا عليه (دربوزا) يعني (دار بزين) قيل لنا : إنّه من خشب القماري فاستبعدنا ذلك ، لكن شممنا منه رائحة طيبة ، ورأينا بأعلى الضريح قبة بناءها من الجص ، ورأينا في صدر الحجرة ثلاثة محاريب ، أطولها الذي في الوسط ، وعلى ذلك كله نقوش غاية في الإتقان ، ويعلو باب الحجرة : (زليخة) قرأنا فيها بعد (البسملة) : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً) هذا ما أمر به عبد الله ووليه أبو تميم أمير المؤمنين الإمام العزيز بالله صلوات الله تعالى عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المكرمين. أمر بعمارة هذا المشهد على مقام السيدة الطاهرة بنت الزهراء البتول : زينب بنت الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله تعالى عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المكرمين …) أهـ

كلام الشيخ الرائد من كتابه المراقد.

وهذا الكلام قبل زمن الشيخ الشعراني بسبعة قرون كاملة.

وذكر بعدها اسماء مجموعة من المؤرخين الذين أثبتوا دخول السيدة زينب لأرض مصر ومنهم الإمام السخاوي المحدث المعروف وقد عاش في القرن العاشر الهجري وهو في طبقة شيوخ شيوخ الشعراني، ومنهم الحافظ ابن عساكر وهو محدث ومؤرخ كبير عاش في القرن السادس الهجري.

فقد ثبتت مشاهدة المقام إذن في القرن الرابع وفي القرن السادس وفي القرن العاشر، وكل هذا قبل زمن الشيخ الشعراني.

وبقية أدلتهم تكرار لما سبق ذكره، وفيما سبق كفاية للمنصف الباحث عن الحق إن شاء الله.

أما الدليل الأهم على أن هذا المقام للسيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب فهو ما تواتر من استجابة الدعاء عند مقامها الشريف، وما يحصل عنه من كرامات وخوارق لا ينكرها الا مجادل بالباطل.

وانجذاب قلوب محبي النبي صلى الله عليه وسلم ومحبي أهل بيتها لمقامها من مشارق الأرض ومغاربها، ممن لا يعنيهم حشد الأدلة ولا سرد البراهين، تقودهم قلوبهم لمقامها الشريف، ومقام السيدة زينب رضي الله عنها وأرضاها في قلوبهم غير قابل للتشكيك ولا الإزالة.
نفعنا الله بهم.
وبحبهم.

اللهم انفعنا بحب السيدة زينب وحب سيدنا الحسين وحب سيدنا الحسن، وحب والدهم الكرار، وحب أمهم الزهراء، وحب جدتهم خديجة، وحب جدهم المصطفى.

اللهم صل وسلم وبارك بكنه عظمة ذاتك على السبب في تكوين جميع مخلوقاتك سيدنا ومولانا محمد ذي القدر العظيم وعلى آله وصحبه بقدر عظمة ذاتك ياكريم.