إذا فسدت النفوس ضاعت الحيلة
15 نوفمبر، 2025
منبر الدعاة

بقلم : الكاتب والباحث الدكتور عبد الكريم فتاح أمين
الأوقات المباشرة للصلوات الخمس قليلة جداً، على سبيل المثال: صلاة الفجر تحتاج إلى دقائق قليلات خمسا أو سبعا أو أو أو عشرا، ولكن إذا جلسنا فى مصلانا ومكثنا ساعات عديدة ولم نفعل شيئا مخالفا لأمر الشريعة، وتوجهنا نحو القبلة وكنا محاورین مع مولانا القدير الجليل بقلبنا يعتبر أننا في الصلاة شريطة بقاء وضوئنا كما قال رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم –
{ عن أبي هريرة قال : قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” لا يزال العبد في صلاة ما دام في مصلاه ينتظر الصلاة ، تقول الملائكة اللهم اغفر [ له ] اللهم ارحمه ، ما لم ينصرف أو يحدث ” قالوا : ما يحدث ؟ قال : ” يفسو أو يضرط}
والحديث الآتي يذكرنا شرطا آخر: وهو أن الشيء الوحيد الذي يدفعه للمكث في مصلاه عبارة عن الصلاة وحدها وليست غيرها، ولا تصحبه شؤون أجنبية أخر ودنيوية، وإلا تتعرض صبرة أجوره للتذوب وتكون هباء منثورا:
{ عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، لاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ، لاَ يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلاَةُ }
قسما بالله العظيم لو نضع جبلا على جبل ولم تجر في قلبنا النية الخالصة لله فقط، وعلاوة على هذا الطموح الدنيوي والحظ النفسي احتلت باطن العامل لابد أن نعلم ما فعلنا شيئاً، وما أدينا مهمة لأن النية ركن ركين تتوقف عليها الثواب وأخذ الأجر كما قال سبحانه:
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) البينة}
والأصل في أداء الصلاة أن يكون في أول وقتها ولكن لنا قول في سنية تأخير صلاة العشاء وهذا يلهمنا إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – جلس في مصلاه في صدر الوقت لهذه الحكمة العلية المباركة:
{عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلاَةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَقَالَ: صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ}
ولنا حكمة أخرى نراها في الحديث النبوي أن الحديث بعد صلاة العشاء مكروه لا سيما في المجال الدنيوي:
ولأجل إزالة تلك الكراهة نؤخر صلاة العشاء في بعض الأوقات ولا نجعل التأخير دأبا وديدنا: { عن أبي برزة رضي الله عنه : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها }
وبديهي تأخير صلاة العشاء صعب وبالأخص على العاملين والموظفين لأنهم بحاجة إلى التبكير ولهذا قال رسول رب العالمين صلى عليه وآله وسلم:
{ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه}
وكذلك الضعفاء والمرضى بحاجة إلى الاضطجاع والركون والرقود:
{ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأمرت بهذه الصلاة -العشاء- أن تؤخر إلى شطر الليل}
يتوجه ما أشرنا إلى إليه من الانتظار للصلوات إلى الذهاب قبل حلول الأوقات بالأكثرية وإن كان لنا دليل من الحديث انتظار الصلاة بعد الصلاة أمر يعنيه رضا الله تعالى :
{ ألا أدلُّكُم على ما يَمحو اللَّهُ بهِ الذُّنوبَ ويرفعُ الدَّرجاتِ قالوا بلى يا رسولَ اللَّهِ قال إِسباغُ الوضوءِ على المَكارِه وَكثرةُ الخُطا إلى المسجِدِ وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ فذلِكَ الرِّباطُ ثلاثَ مرَّاتٍ}
المسلم الحقيقي لا يخلو وقت لديه إلا قلبه مرتبط بالصلاة ولا تمر عليه الغفلة المميتة والقاتلة البتة، دوماً في التقدم والتطور الإيماني والعقدية حتى يدخل في المرحلة الرقابة القلبية والارتباط الكلي بالله تعالى.
وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه غر الميامين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.