“من فوَّضكم؟ خطر احتكار الحديث باسم الإسلام”
12 نوفمبر، 2025
الوهابية ومنهجهم الهدام

بقلم الدكتور : فارس أبو حبيب
( إمام ومدرس وخطيب بوزارة الأوقاف )
في زمنٍ كثُرت فيه المنابر وتعددت الأصوات، برزت فئة من أتباع بعض الجماعات الدينية، جعلت من نفسها ناطقة باسم الإسلام، تتحدث بلسان السماء، وتوزّع صكوك الإيمان والكفر، والرشاد والضلال، وكأنها أوتيت مفاتيح القلوب، ومفوضة من الله للحكم على الناس!
هذه الفئة — للأسف — لم تكتفِ بالعبادة والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، بل تجاوزت حدودها، فادعت لنفسها حقَّ النيابة عن الإسلام نفسه، لتُقصي من تشاء وتُقَرّب من تشاء، وكأنها وكيلة على الدين لا عبدةٌ له.
أولًا: الإسلام ليس حكرًا على أحد:
الإسلام دين الله الخاتم، لا يملكه حزب، ولا جماعة، ولا شخص مهما علا شأنه.
قال تعالى:”إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” [آل عمران: 19].
فالدين لله وحده، وليس لجماعة أو طائفة أو إمام أن يحتكره أو يتحدث باسمه وفق أهوائه أو مواقفه السياسية أو التنظيمية.
لقد أراد الله للإسلام أن يكون رحمة للعالمين، لا راية لفئةٍ تُقصي غيرها. قال تعالى:
“وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” [الأنبياء: 107].
أما من جعل الدين سلاحًا لتصفية الحسابات، أو مطيةً لتحقيق أهداف دنيوية، فقد حوّل الرسالة الإلهية إلى مشروع بشري ضيق الأفق.
ثانيًا: ظاهرة التفويض الديني.. من أين جاءت؟
بدأت هذه الظاهرة حين ظنت بعض الجماعات أن التمكين للإسلام يعني التمكين لها هي، فاختلط عندها المشروع الدعوي بالمشروع التنظيمي، وتحول الولاء للدين إلى ولاء للجماعة، والمعيار إلى “من معنا ومن ضدنا”.
ومن هنا نشأ ما يمكن أن نسميه بـ الاستبداد الديني؛ حين يحتكر البعض الحق، ويمنح نفسه سلطة الحكم على عقائد ومقاصد وأعمال الناس.
وهذه ليست سِمَة دعوية، بل انحراف فكري خطير، يرفضه القرآن الكريم الذي جعل الحساب لله وحده:
“إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ” [الغاشية: 25-26].
فالحكم على النيات والمقاصد أمرٌ إلهي خالص، لا يتجرأ عليه إلا متكبرٌ جهل حدود نفسه وحدود دعوته.
ثالثًا: خطر احتكار الدين على المجتمع:
حين يحتكر فئة من الناس الحديث باسم الإسلام، تُختزل الرسالة الربانية في أفكارهم فقط، فيتحول الدين إلى شعار سياسي، أو أداة تفرقة، بدل أن يكون جامعًا للأمة.
وهذا الاحتكار يؤدي إلى:
١- تمزيق وحدة الصف الإسلامي.
٢- تشويه صورة الدين في نظر الناس.
٣- نشر فكر التكفير والتبديع والإقصاء.
٤- إضعاف ثقة العامة في العلماء والدعاة الصادقين.
وقد حذر النبي ﷺ من هذا المسلك حين قال:
“إذا قال الرجل هلك الناس، فهو أهلكهم” (رواه مسلم).أي أنه يرى نفسه وحده على الصواب، وينظر إلى الناس بعين الاحتقار والتكفير.
رابعًا: العلماء الحقيقيون لا يحتكرون:
العالم الصادق لا يزعم أنه ممثل عن الإسلام، بل هو خادمٌ له، يبلّغ رسالته، ويرشد الناس إلى نوره، دون أن يُقصي أو يحتكر.
قال الإمام الشافعي رحمه الله:“قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.”تلك هي روح العلماء الربانيين: التواضع والإنصاف، لا الغرور والادعاء.
خامسًا: نحو خطاب ديني رشيد:
لقد آن الأوان لأن نستعيد الخطاب الديني المتزن الذي يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجمع ولا يُفرق، ويهدي ولا يُضل.
خطابٌ يضع الإنسان قبل الانتماء، ويُعلّم أن الإسلام ليس حزبًا ولا تنظيمًا، بل هداية ورحمة وعدل.
قال تعالى: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ” [النحل: 125].
خاتمة:
من أخطر ما يواجه الأمة اليوم أن يتحدث من لا يُمثّل الإسلام باسم الإسلام.
فالله لم يُفوِّض أحدًا من خلقه للحكم على قلوب الناس أو احتكار نوره.
الإسلام ليس ملكًا لأحد، بل هو رسالةٌ ربانيةٌ خالدة، تتسع للجميع، وتعلو فوق كل رايةٍ حزبية أو فكرية أو شخصية.
فلنترك لله حساب عباده، ولنقم نحن بمسؤوليتنا: البلاغ، لا التفويض. الدعوة، لا الوصاية. الرحمة، لا الإقصاء.
“فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ” [الغاشية: 21-22].