حواف العرش المتهاوي

المقال الرابع والعشرون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

 الظلُّ الذي تَمدَّد :

بدأت الأعمدة تهتزُّ تحت سطوة الريح، لا ريح الصحراء التي خبرها النجديون، بل ريح من جنس آخر، خفية، ناعمة، تندسُّ في جدران الولاء والطاعة، فتفتِّتها حجرًا حجرًا.

لم يكن محمد بن عبد الوهاب شيخًا شابًّا متحمسًا كما عرفه الناس في بدايات دعوته، ولا ذلك الفقيه الذي يحمل على ظهره كتب ابن تيمية ويسير من بلدة إلى بلدة يطلب المبايعة لنقاء العقيدة. صار كهلاً، جسده ينوء بثقل السلطة التي حملها، وسلطان الدماء التي سُفكت باسمه، ونار الشك التي استوطنت عينيه.

مرت ثلاث سنوات منذ آخر لقاء معلن بينه وبين محمد بن سعود. كان اللقاء بارداً، يفتقر إلى دفء البيعة الأولى، ولم تعد كلمات الشيخ تُقابل بالحماسة ذاتها. بنو سعود، وعلى رأسهم عبد العزيز، صاروا ينظرون إلى الرجل كرمز لا كمحرّك، كماضٍ ضروري لا حاضر نافذ.

في منزله القريب من المسجد الكبير، كان الشيخ يقضي معظم يومه جالسًا على حصير قديم، يستقبل بعض طلابه القدامى، أو يردّ على استفتاءات تأتيه من القرى النائية. لكن تلك اللحظات كانت تتقلص يومًا بعد يوم. حتى طلابه، لم يعودوا كالسابق. بعضهم صار يختار السكوت، وآخرون تحلقوا حول أبناء الشيخ، طامعين في جاهٍ أو سلطان.

أبرزهم ابنه عبد الله، الذي راح يتولى زمام الأمور الدينية رويدًا رويدًا، حتى في حياة أبيه. كانت رسائل عبد الله إلى الأمراء والتجار توقع باسمه وحده، ولم يذكر فيها والده إلا تلميحًا.

وذات يومٍ دخل عليه عبد الله، وبيده مرسوم ممهور من عبد العزيز بن محمد، ينص على “تنظيم الفتاوى” في نجد، بحيث لا تصدر إلا من هيئةٍ معينة، يرأسها عبد الله نفسه، وتُراجع بعدها من قبل القصر. قرأ الشيخ المرسوم ثم صمت طويلاً. قال بصوتٍ خافت:

“لقد أردنا إصلاح الدين، لا تسويره بقضبان السلطة.”

لكنّ عبد الله لم يعلّق. قال فقط:

“هذا زمن جديد، يا والدي.”

ثم خرج، وترك والده للذكريات.

كانت الذكريات كثيرة، وغزيرة. تذكر الشيخ بلدته العيينة، حين كان يحاجج فقهاءها ويصطدم بعقولهم الجامدة. تذكر حروبه مع أهل الرياض، وخطبه في الدرعية، وعزلته في البصرة، وحتى خذلان أعيان مكة له حين قدم إليهم برسالة التوحيد.

لكن أقسى الذكريات، كانت تلك المتعلقة بالدم. لم يستطع نسيان النساء اللواتي صرخن في وجهه، والأطفال الذين ماتوا رُعبًا من سيوف أتباعه، وكتب العلماء الذين حُرِّقت، والقبور التي جُرفت.

في الليل، كان يسمع همسًا يأتي من أقصى البيت، صوتًا لا يسمعه سواه. كان يقول له:

“أأحييت الدين أم قتلت الروح؟”

وكان يردُّ عليه بصمتٍ خانق، ثم ينهار نومه.

مع اشتداد التغيّرات، بدأت تصل أخبار من بعض المناطق النائية عن تمرّد الأهالي على أتباع الدعوة، ورفضهم لجباية الزكاة، وازدياد الفجوة بين دعاة السيف ودعاة القلم. وكان من اللافت أن بعض أولئك المتمردين كانوا طلابًا سابقين للشيخ.

أحدهم، يُدعى سعيد بن حمد، كتب رسالةً علنية قال فيها:

“لقد أصبحنا بين حاكمٍ يسفك، وشيخٍ يسكت. فويلٌ لمن سكت، وويلٌ لمن استخدم الدين درعًا لسلطة لا تعرف رحمة.”

وصلت الرسالة للشيخ، فقرأها في مجلسه دون أن يعلّق. لكن حاجبيه انكمشا، وصدره علا وانهار أكثر من مرة. ثم قال لمن حوله:

“إذا أصبحت الدعوة عصًا تُرفع لا نورًا يُهدى به، فقد خرجت من مسارها، ولست أبرّئ نفسي.”

في آخر مرة صعد فيها منبره، نظر طويلاً في وجوه الناس. لم يكن المسجد ممتلئًا كما اعتاد، بل الحضور قليل، وأعينهم متعبة. قال في خطبته كلمات مقتضبة:

“إنّ سلطان الله فوق كل سلطان، وإنّ الدين لا يُختصر في البيعة، ولا في الطاعة، بل في الإحسان، والتواضع، وفي عدل لا يظلم، ورحمة لا تفتر.”

ثم نزل، ولم يَعُد بعدها إلى المنبر أبدًا.

كان محمد بن عبد الوهاب يعرف أنّ النهاية تقترب. ليس موت الجسد فحسب، بل نهاية فكرٍ بدأ نقيًّا، وانتهى مطيّةً للسيطرة. وكان يشعر أن ما سيبقى بعده، ليس ما أراده في قلبه، بل ما صاغه أبناؤه بألسنتهم، وما استغلّه الحُكّام بسيوفهم.

في ليلةٍ من ليالي الصيف، حين هدأ كل شيء، كتب على ورقة صغيرة بخطٍ مرتجف:

“إنّ من يملك السيف والدين معًا، لن يبقي للدين روحًا.”

ثم طواها، ووضعها بين صفحات مصحفه. لم يعلم أحد بذلك، إلا خادمه الذي رآه يذرف دمعًا دون صوت.

وكان ذلك أول ظلٍّ صريح، من ظلال العرش الذي بدأ يتهاوى

 انكسار المرايا :

كان الليل قد خفّف وطأته على الدرعية، لكنه لم يبدّد ظلال القلق التي كانت تتمدد في زوايا المجالس وقصور الطين المتشابكة. أما محمد بن عبد الوهاب، فكان في تلك المرحلة أشبه برجل يسير على جرف هارٍ، تلاحقه الشكوك من خلفه وتنتظره الانهيارات أمامه.

في خلوته داخل حجرته القاتمة، وبين جدران صامتة لا يثق بها، راح يتأمل صفحات ما كتبه في سنيّ دعوته الأولى. كانت كتبه ورسائله مرصوصة أمامه كأدوات الجراحة، لكنها لم تعد تثير فيه الزهو ذاته الذي كان يملأه في شبابه. تساءل في داخله: “هل كنت أكتب لله؟ أم كنت أكتب لنفسي؟ هل صنعت دينًا أم مشروعًا سلطويًا مغلّفًا بورق النصوص؟”

لم تكن هذه الأسئلة وليدة تأملات روحية نقية، بل نتيجة شعوره المتزايد بأن الأمور بدأت تخرج من قبضته، وأن الدولة التي قامت على أفكاره بدأت تتضخم كوحش لا يمكن ترويضه.

أخبار النزاعات في الأطراف كانت تصل متأخرة ولكنها ثقيلة. بعض القبائل، التي كانت قد بايعت الدعوة على الطاعة، بدأت تتمرد على السلطة المركزية، لا لشيء إلا لأن الضرائب ازدادت، والغزوات باسم “التوحيد” صارت مكرورة، حتى كأن الحرب أصبحت غاية، لا وسيلة.

وكانت المصيبة الأكبر أن بعض هؤلاء المتمردين قد صرّحوا صراحة بأنهم لم يعودوا مقتنعين بأن الشيخ محمد هو “المرجعية المطلقة في الدين”، بل اتهموه بأنه خرج عن الجماعة، وأغلق أبواب الفقه، واستباح دماء وأموال المسلمين تحت ذرائع لا تثبت أمام العلماء ولا العوام.

في هذا الفصل من حياته، بدأت المفارقة تظهر بجلاء:

الرجل الذي أسّس دعوة على التوحيد الخالص، كان قد أصبح مركز عبادة دنيوية لدى أتباعه.

الرجل الذي كفّر العلماء لتقربهم من السلاطين، صار هو نفسه يحكم من ظل الأمير، ويتدخل في السياسة أكثر من الفقه.

والأدهى، أن أبناءه وأقاربه بدأوا يتصرفون كأمراء، لا كطلاب علم.

أحد أولاده، عبد الله، كان قد تولى مهمة الإشراف على الأمور الدينية في الرياض وما جاورها، لكنه كان أكثر اهتمامًا بجمع البيعات والفتاوى المؤيدة، وكان حادّ الطباع، لا يتورع عن تخوين أو تكفير من لا يتفق معه.

أما حسين، ابنه الآخر، فقد دخل في صراع مع رجال الأمير سعود حول موارد الغنائم، وهو ما أحرج محمد بن عبد الوهاب نفسه أمام مجلس الشورى في الدرعية.

وقد بدأت عيون الناس تلتفت نحو هذه التناقضات، وبات صعبًا التوفيق بين صورة الشيخ الورع الزاهد، وبين نمط الحياة السياسية الذي تمأسس حوله وحول أسرته.

في يوم من أيام الصيف القائظ، دخل عليه أحد طلبته المقربين، الشاب سالم بن سعد، يحمل بيده مخطوطة من “درء الشبهات”، وقد بدت عليه ملامح التردد.

قال وهو يضع الورقة أمام الشيخ:

– “يا شيخ، قرأت ما كتبتَه عن الاستغاثة بالأولياء، لكنني تساءلت: أليس في سير الصحابة والتابعين إشارات مختلفة؟ ألم يأت من العلماء من أجاز التوسل إذا لم يكن فيه شرك صريح؟”

حدّق فيه الشيخ طويلاً، ولم يجب مباشرة. ثم تمتم:

– “يا سالم، لا تسأل هذه الأسئلة الآن… الناس بحاجة إلى حزم، لا إلى تأويل.”

قال سالم، بتردد:

– “لكن الحزم يا شيخ إن لم يكن مبنيًا على اجتهاد رحيم، قد يتحول إلى ظلم.”

لم يغضب محمد، كما كان يفعل في شبابه، بل أطرق رأسه، وشعر لأول مرة أن الأرض تهتز تحته… لا من الخارج، بل من داخله.

في تلك الفترة، بدأت شائعات تنتشر عن تراجع الشيخ عن بعض مواقفه. قيل إنه لم يعد يؤيد استباحة أموال القبائل المخالفة، وإنه أبدى ترددًا في إصدار فتوى ضد أحد علماء الأحساء.

وهو ما أثار غضب الأمير سعود، الذي بدأ ينظر إلى الشيخ كمن أصبح عبئًا على التوسع العسكري، لا دافعًا له.

هكذا بدا الشيخ محاصرًا بين قوتين:

قوة الدولة، التي نمت وتغذت من أفكاره لكنها الآن لم تعد تصغي له إلا من باب المجاملة.

وقوة المجتمع، الذي بدأ يتذمر من القسوة، ومن عودة “الشرك” إلى الشوارع رغم السيف والعقاب.

وفي أحد ليالي الشتاء، جلس وحيدًا، يكتب في دفتر قديم كان يخفيه عن الجميع. كتب فيه:

“لقد بنيت صرحًا يحسبه الناس نورًا، لكنه أرهقني، وابتلعني. لم أعد أميز بين الدين وبين ذاتي. وها أنا اليوم أقف خائفًا من يومٍ، يسألني فيه الله: ماذا كنت تبغي؟ وجهه، أم وجهي؟”

هكذا انكسر صمت المرآة.

ولأول مرة، يرى محمد بن عبد الوهاب صورته دون قداسة:

رجل ظن أنه يُطهِّر الأرض لله، فإذا به يصنع نموذجًا يعيد إنتاج الاستبداد لكن بثوب مختلف.

ولم يكن يعلم أن الفصول التالية من حياته ستكشف له أكثر مما أراد أن يراه.