أحداث يوم بدر
7 أبريل، 2026
بستان النبوة

المقال العاشر من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).
فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن
الباحث فى الشئون الاسلامية
استشاط المشركون غضبًا بعد مقتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وكروا على المسلمين كرة رجل واحد، واحتدم القتال، وبدأ الاضطراب والفشل في صفوف المشركين، واستبسل المسلمون في ملاحقتهم، وأخذت جموع المشركين في الفرار، وركب المسلمون ظهورهم يأسرون ويقتلون، حتى تمت الهزيمة، وكتب الله النصر لأوليائه على أهل الشرك، وكان يوم بدر يوم الفرقان.
أحداث يوم بدر :
1 ـ ظهر إبليس للمشركين يوم بدر مع جند من الشياطين، ومعه رايته، وقد جاء إبليس في صورة “سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي”، وكان من أشراف بني كنانة، وجاء جند إبليس من الشياطين معه في صورة ناس، يقول سراقة عنهم: إنهم رجال كنانة، وجعل إبليس المتمثل بصورة سراقة يشجعهم على قتال المسلمين، ويقول لهم: إني مع قومي كنانة جار لكم.
روى الطبراني بسنده عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر، في جند من الشياطين، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم. فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جارٌ لكم. فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبِرين. وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع إبليس يده، فولى مدبرًا هو وشيعته. فقال الرجل: يا سراقة، تزعم أنك لنا جار؟ قال: “إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب”، وذلك حين رأى الملائكة. وأنزل الله قوله في سورة الأنفال: “وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ” الأنفال: 48 ، ونكص: رجع القهقري على قفاه هاربًا.
2 ـ وحدَّث أن عبد الرحمن بن عوف يوم بدر، وقد دارت الدائرة على قريش، ومعه دروع قد استلبها، فهو يحملها، مر بأمية بن خلف وابنه علي بن أمية آخذ بيده، وكان أمية في مكة صديقًا لعبد الرحمن بن عوف. فنادى أمية عبد الرحمن باسمه الجاهلي: “يا عبد عمرو” فلم يجبه، فقال له: يا عبد الإله “الاسم الذي اصطلحا عليه بعد أن أسلم عبدالرحمن”. فأجابه: نعم. قال أمية: هل لك في، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ (يدعوه إلى أن يأسره، ليحمي نفسه من أن يقتله غيره من المسلمين، ويفتدي نفسه بإبل كثيرة اللبن، تكون ثروة لابن عوف الذي أسره)، قال عبد الرحمن بن عوف: نعم، وطرح الأدراع التي استلبها، وأخذ أمية وابنه يمشي بهما أسيرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسئل أمية بن خلف عبد الرحمن: من منكم الرجل المعلم بريشة النعامة في صدره؟ قال عبد الرحمن: ذاك حمزة بن عبد المطلب. قال أمية: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبد الرحمن بن عوف: فوالله إني لأقودهما، إذ رآه بلال معي، وكان أمية هو الذي يعذب بلالاً بمكة. فقال بلال: رأس الكفر أمية بن خلف؟! لا نجوتُ إن نجا. قلت: أي بلال، أسيري. قال: لا نجوتُ إن نجا. قلت: أتسمَع، يا ابن السوداء؟ قال: لا نجوْت إن نَجَا، ثم صرح بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أميَّة بن خلف، لا نجوتُ إن نجا. فأحاطوا به حتَّى جعلونا في مثل المسكة (المسكة = السوار أو الخلخال، أي: حتى أحدقوا بنا وجعلونا في حلقة من الناس كالسوار)، وأنا أذب عنه.
قال عبد الرحمن: فأخلف رجل السيف “أي: سله”، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط. فقلت: انج بنفسك ولا نجاءَ بك، فوالله، ما أغني عنك شيئًا، فهبروهما “أي: قطعوهما بأسيافهم” حتى فرغوا منهما. فكان عبد الرحمن بن عوف يقول بعد ذلك: يرحم الله بلالاً، ذهبَت أدراعي، وفجعني بأسيريَّ.
3 ـ ومر عمر بن الخطاب بسعيد بن العاص، فقال له: إني أراك كأن في نفسك شيئًا، أراك تظن أني قتلت أباك، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة. فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه “أي: بقرنه” فحِدْت عنه، وقصد له ابن عمه علي فقتله.
4 – قال ابن إسحاق: وقاتل عكاشة بن محصن الأسدي يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم فأعطاه جِذْلًا من حطب، فقال: «قاتل بهذا يا عكاشة»، فلما أخذه من رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم هزه فعاد سيفًا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح اللهّٰ على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى “العون”، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في حروب الردة، قتله طليحة بن خويلد الأسدي.
وانكسر سيف سلمة بن أسلم بن الحرَيش يوم بدر، فبقي أعزلًا لا سلاح معه، فأعطاه رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم قضيباً كان في يده من عراجين ابن طاب، فقال: «اضرب به، فإذا سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبُيد».
5 ـ ونادى أبو بكر الصديق يوم بدر ابنه عبد الرحمن، وهو يومئذ مع المشركين، فقال له: أين مالي، يا خبيث؟
6 ـ ومر مصعب بن عمير بأخيه أبي عزيز بن عمير، فرآه أسيرًا يشد يده أحد الأنصار، فقال مصعب للأنصاري: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك. فقال أبو عزيز لأخيه مصعب: أهذه وصاتك بي؟! فقال له مصعب: إنه أخي دونك. مبينًا له أن أخوة الإسلام أقوى من أخوة النسب.