بشارات النصر

 

المقال الثامن من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).

فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن

الباحث فى الشئون الاسلامية

 

تحديد النبي صلى الله عليه وسلم لمصارع القوم :

عن أنس بن مالك، قال: أنشأ عمر بن الخطاب يحدثنا عن أهل بدر، فقال: إن رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر، يقول: «هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله». قال عمر: فو الذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حدها رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم.

 وشارك رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال؛ فقد روى الإمام أحمد بسنده عن علي قال: “لقد رأيتنا يوم بدر، ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا”. وروى البخاري بسنده عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من العريش يوم بدر، وهو يثِب في الدرع، ويقول: “سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ”القمر:45 ، 46 .

وانصرف الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العريش ومعه أبو بكر الصديق، ليس معه فيه غيره، وقام سعد بن معاذ مع كتيبة الحراسة يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب العريش. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا). وبالغ الرسول صلى الله عليه وسلم في الابتهال ومد يديه إلى السماء، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وأبو بكر يقول: يا بني الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك، حسبك، يا رسول الله، ألححْتَ على ربك، وأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه.

واستجاب الله لرسوله استغاثته، فأمد المسلمين بالملائكة، وذكرت سورة الأنفال أن عددهم كان ألفًا، ليلقوا الرعب بأعدادهم في قلوب المشركين، وليثبتوا المؤمنين، وليطمئنوا قلوبهم، وأما ما كان من الملائكة من قتال فإنما كان قتالاً محدودًا جدًّا، وفي حدود قوى المقاتلين من الناس، لا بقوى ملائكية.

 وخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش “أي: نام نومة يسيرة” ثم انتبه، فقال: (أبشر، يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النقع)، أي: الغبَار.

يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: “إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ” الأنفال: 12، 14.

 هؤلاء الملائكة شاركوا في غزوة بدر ليس ملكاً ولا اثنين، بل جيشاً من الملائكة، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” الأنفال 9، 10 ، و”مردفين، أي: متلاحقين يتبع بعضهم بعضًا”، ومعنى ردف لكم: أي ردء لكم ومعين لكم، فهذه ألف من الملائكة في المرحلة الأولى من مراحل القتال، وبعد ذلك تطور الأمر، انظروا إلى قوله تعالى في موقعة بدر: “وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ” آل عمران:١٢٣ – ١٢٥ ، مسومين: أي معلمين بعلامات.قال الربيع بن أنس رحمه الله من التابعين مفسراً هذه الآيات: أمد الله عز وجل المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف.

 وقد يقول قائل: كان يكفي ملك واحد، فلماذا هذه الأعداد المتزايدة؟

الجواب الله سبحانه وتعالى عرفنا الحكمة من وراء هذه الأعداد، قال تعالى: “وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ” الأنفال:١٠ ، تخيل أن الرسول عليه الصلاة والسلام يبشر المسلمين بأعداد من الملائكة، بل تخيل المسلمين عند سماعهم لهذه الآيات، فكلمة واحد غير كلمة عشرة، وغير كلمة ألف، وغير كلمة خمسة آلاف، والجميع يعرفون أن ملكاً واحداً يكفي، فنزول خمسة آلاف من الملائكة بشرى كبيرة للمؤمنين، أضف إلى ذلك أن هذا العدد الكبير من الملائكة الذي اشترك في بدر هم مجموعة منتقاة من أفضل الملائكة، فالملائكة هم درجات.

روى البخاري عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه -من أهل بدر- قال: (جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين -أو قال كلمة نحوها، يعني: من أحسن المسلمين، أو من أعظم المسلمين- قال جبريل: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة).

أضف إلى ذلك أن جبريل وهو أفضل الملائكة على الإطلاق شارك في بدر بنفسه، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: (هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) وفي رواية ابن إسحاق: (أبشر أبا بكر! أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع)، والنقع التراب.