الإحسان والمحسنون في عيد الفطر
21 مارس، 2026
قضايا وأحكام

بقلم الاستاذ الدكتور: نعيم شرف
العميد السابق لكليةالدراسات الإسلاميةوالعربية بجامعة الأزهر
أيام عيد الفطر هي أبهج أيام العام؛ حيث يُتَوّج فيها الصيام والقيام وتلاوة القرآن وإخراج الزكاة والصدقات بالإحسان؛ وإن الله جل في علاه ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهو تبارك وتعالى ﴿ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ وتعد مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين الإسلامي؛ لأنها إتقان العبادة، وحضور القلب، واستشعار مراقبة الله؛ ولذلك فإن الإحسان فوق العدل؛ لأن الإحسان إلى الناس هو مفتاح الرحمة، وراحة الضمير، وسعادة القلب، وانشراح الصدر، وجلب المنافع.. وإن المحسنين تَلوحُ نضرة النعيم على وجوههم، وأحقّ الناس بالإحسان من أحسن الله إليه، وأولاهم بالإنصاف من بُسِطت القدرة بين يديه؛ ولقد جمع الله تعالى الخير كله في بضع كلمات، حوت أوامر ثلاثة، فقال جَلَّ شأنه: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وإيتاء ذي القربى} صدق الله العظيم، وحين سُئِل النبي- ﷺ – عن الإحسان قال: “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك
ولقد وعد الله -ﷻ- المحسنين بالكرامة والتكريم؛ فقال جلَّ وعَلا: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وليس لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة؛ كما قال جَلَّ في عُلاه: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} وصفاء قلب المرء لأخيه عبادة غالية؛ فالصاحب الوفيّ مصباح مضيء، قد لا تُدْرك نُوره إلا إذا أظلمت بك الدُنيا، وإن من الحكمة و الإحسانألا ننسى من ساعدنا، حين كان الجميع يختلق الأعذار؛ فمن طبيعة كثير من الناس- للأسف الأسيف- عدم شكر من قَدَّم لهم معروفا أو إحسانا؛ إذ لا يقابلون الإحسان بالإحسان، وإنما بالنكران، وقد يكون أحيانا بالإساءة، فهؤلاء كبهيمة الأنعام بل هم أضل؛ واللئيم الكنود هو الذي يجحد فضل الله جلَّ في عُلاه، ويتناسى ما عنده من نِعَمٍ، ولا يستشعر فضل الناس عليه، بل ويقابل فيض الإكرام والإنعام بالجحود والنكران، ونكران الجميل وجَحْد النِّعَم يُعَدُّ من سوء الخُلُق، ويؤدي إلى مزيد من القسوة والجفاء بين الناس، ولا عزاء للمحسنين إلا أن الله تعالى ناصر لهم؛ فالإحسان لا جزاء له إلا نعيم الجنة في الآخرة، قال رب العزة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾؟ والنبي-ﷺ- يقول: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله ” صدق الله العظيم ونبيه الكريم
وللإحسان في عيد الفطر مظاهر عديدة، لا يمكن حصرها في هذا المقام، ويأتي في مقدمتها: – الإحسان المادي؛ بإخراج زكاة الفطر؛ لتكون طُهرة للصائم، وطُعمة للمساكين، بإدخال السرور عليهم.
– إظهار السرور والتوسعة على الأهل والأولاد بما يسعدهم ويُحَصِّل لهم بسط النفس وترويح البدن.
– صلة الأرحام، وتفقد أحوالهم؛ لزيادة البركة في الرزق والعمر؛ قال رسول الله -ﷺ-: “من أحب أن يُبْسَط له في رزقه ، ويُنْسَأ له في أثره، فليصل رحمه” صدق رسول الله ﷺ.
– التكبير والتهليل، والكلمة الطيبة، وإفشاء السلام، وتبادل التهنئة وهذه كلها من شعائر الإسلام.
– الإحسان إلى الوالدين، والاجتهاد في بِرِّهِما، والوقوف إلى جوارهما، وتفقد أحوالهما، ورعايتهما، وهذا من أحب الأعمال إلى الله تعالى، وأعظمها أجرا وبركة، ومن زرع حتما سيحصد، والجزاء من جنس العمل؛ لأن من أراد أن يبرّه أولاده في حياته، فليُحْسِن إلى أبويه، وليكن بارّا بهما، فهما باب من أبواب الجنة، من أرضاهما، فقد أرضى الله تعالى، وإن رَضِيا عنك مـضَيْتَ إلى الجنة، أما إن سخطا عليك، فقد حُجِبْتَ عنها، قال جلَّ وعَلا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} صدق الله العظيم
– الإحسان إلى البنات، ورُوَاء رعايتهن؛ فإن هذا يؤدي إلى السِّتْر من النار؛ لأن البنات ذخائر الرحمة، وكنوز الحب الصادق، هنَّ في بيوتنا كالسماء المزينة بالنجوم، تشرئِبّ نحوَها الأعناق وتمتدُّ، وتهفو إليها القلوب وتشتاق.. هُنّ تفاحات القلوب، الساهرات للعلل، الصابـرات على الشدائد والبلاء، هنَّ الحياة إذا الشرور تلاطمت بالأمواج، يظهرن التودد والإحسان لأبويهم، ويدخلن السرور إليهما؛ بِرُّ الوالدين لديهن ليس شعارات ترفع، وإنما تطبيق عملي يقود إلى أعلى درجات الجنان، وبالجملة هنَّ الحياة؛ ولهذا خلقهن الله تعالى، وهو ﷻ من وراء القصد والنية.