( خطبة عيد الفطر المبارك ) للدكتور : مسعد الشايب

( خطبة عيد الفطر المبارك )
للدكتور : مسعد الشايب

الخميس  الموافق 1 من شوال 1442هـ الموافق 13/5/2021م
الأربعاء  الموافق 1 من شوال 1445هـ الموافق 10/4/2024م
الجمعة غرة شوال 1447هـ الموافقة 20 من مارس 2026م

 

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
ed alfetr almobark

أولا: العناصر:

  1. لماذا كان يوم الفطر يوم فرحٍ والسرور؟.

  2. العيد حقًا ما هو؟

  3. الخطبة الثانية: (من سنن وآداب وأحكام يوم العيد).

ثانيا: الموضوع:

الله أكبر (تسعًا متواليات)، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، سبحان ذي الطول والإنعام، سبحان ذي الجود والأفضال، سبحان مَنْ عنت له الوجوه، وسجدت له الجباه، سبحان مَنْ ليس لملكه ابتداء ولا انتهاء.

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنشأنا على فطرته، وشرح صدورنا لطاعته، الحمد لله الذي هدانا لذكره وشكره، ووفقنا لتوحيده وتمجيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضد ولا ندّ ولا نظير له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، خيرُ مَنْ صلى وصام، وتعبّد لله وقام، فاللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأزواجه وذريته، وعلى جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم جميعا من المؤمنين، وبعد:

  • ((لماذا كان يوم الفطر يوم فرحٍ وسرور؟))

أيها الأحبة الكرام:  هذا يومُ عيدٍ سعيدٍ، يومُ تهليلٍ، وتسبيحٍ، وتحميدٍ، وتكبير، يومُ فرحٍ وسرورٍ، فرحٌ لإتمام فريضة الصيام، وأداء سنة التراويح والقيام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (…وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)(متفق عليه).

فالصائم يفرح بفطره كل يوم من أيام شهر رمضان؛ لزوال الجوع والعطش، ومشقة الصيام، والنفس البشرية مجبولة على حبّ الشهوات ومنها الطعام والشراب، فإذا ما منعت منهما فترة من الوقت ثم أبيحا لها فرحت بإباحة ما منعت منه، والصائم يفرح بفطره عند أخر يومٍ من أيام شهر رمضان، لتوفيقه لإتمام فريضة الصيام، وأداء سنة التراويح والقيام، كما أن الصائم يفرح عند لقائه ربّه يوم القيامة؛ لم يجده مدخرًا من ثواب عظيم للصوم في الجنة لا يعلمه إلا الحق تبارك وتعالى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ…)(متفق عليه)، وقال سيدنا سفيان بن عيينة ت (198هـ) في شرح هذا الحديث: (هَذَا مِنْ أَجْوَدِ الْأَحَادِيثِ وَأَحْكَمِهَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحَاسِبُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدَهُ وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ مِنْ سَائِرِ عَمَلِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا الصَّوْمُ فَيَتَحَمَّلُ اللهُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ وَيُدْخِلُهُ بِالصَّوْمِ الْجَنَّةَ)(السنن الكبرى للبيهقي)، فهنيئًا لكم أيها الصائمون القائمون أطعتم أمر ربكم بالصيام فصمتم، واتبعتم سنة نبيكم في القيام فقمتم، فهنيئًا لكم غفران الذنوب، وستر العيوب، والعتق من النيران.

  • ((العيد حقًا ما هو؟))

عباد الله وأحباب رسوله الكريم: ليس العيد لمن لبس الجديد من الثياب الناعمات، وتمتع بالملذات من الطعام والشراب والشهوات، ولكن العيد بانشراحِ الصدر لنور الإيمان، وطاعة الرحمن، وظهورِ علامة القبول للطاعات، وتكفيرِ الذنوب والمعاصي والسيئات، وإبدالِها حسنات، والبشارةِ بارتفاع الدرجات، فالعيد لمن خاف الله وخاف عذابه الشديد.

دخل سويد بن غفلة ت (80هـ) على الإمام علي (رضي الله عنه وكرم الله وجهه) وهو أميرٌ على المؤمنين في يوم عيد وهو يأكل الخبز الخشكار (الأسود الغير نقي) فقال له: اليوم يوم العيد وأنت تأكل الخبز الخشكار؟. فردّ عليه سيدنا الإمام علي (رضي الله عنه) مبينًا له ولنا معنى العيد حقًا، ومتى يفرح المؤمن حقًا، فقال: (اليوم عيد لمن قبل صومه، وشكر سعيه، وغفر ذنبه، اليوم لنا عيد وغدًا لنا عيد، وكل يوم لا نعصى الله فيه فهو لنا عيد)(الغنية للجيلاني)، إذًا فأعياد المسلمين كثيرة، وليست محصورة في الفطر والأضحى:

فاليوم الذي يمرُّ علينا ولا نعصي الله فيه، ولا يكتب عليه ذنبٌ هو لنا عيدٌ، واليوم الذي نخرج فيه من الدنيا مؤمنين بالله ورسوله وبما جاء عنهما هو لنا عيد، واليوم الذي نمرُّ فيه على الصراط، ولا نسقط في الدركات هو لنا عيد، واليوم الذي ندخل فيه الجنان، ونأمن من عذاب النيران هو لنا عيد، واليوم الذي ننظر فيه إلى وجه الرحمن وننال منه الرضوان فذاك هو العيد الأكبر، فالمؤمن عيده لرضا الرحمن، والكافر عيده لرضا الشيطان، المؤمن يذهب إلى عيده وعلى رأسه تاج الهداية والوقار، والكافر يذهب إلى عيده وعلى رأسه تاج الضلال والخسران.

فما أجمل العيد لو تمسكنا بتعاليم ديننا القويم، وبحبل الله المتين، ما أجمل العيد لو كنّا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم متبعين، وبتعاليمه وأوامره عاملين، ما أجمل العيد لو تجنبنا السيئات وشرورها وعواقبها.

عباد الله: أقول قولي هذا، واستغفر الله العليّ العظيم لي ولكم، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

(الخطبة الثانية)

((من سنن وآداب وأحكام يوم العيد))

الله أكبر (سبعًا متواليات)، الله أكبر في كل زمان ومكان، الله أكبر ما أذن المؤذن بالآذان، الله أكبر ما قمنا لنقف بين يدي الرحمن، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ولي الصالحين المؤمنين المتقين العاملين، وأشهد أن لا إله إلا الله ضمن الجنة لعباده الأخيار الأبرار، وكتب العذاب على الكافرين الفجار، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

أيها الأحبة الكرام: فإن ليوم العيد سننًا وآدابًا وأحكامًا، منها:

1ـ الغسل والتطيب والتزين والتجمل، ولبس أفضل ما نجد من الثياب، فعن على بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْعِيدَيْنِ أَنْ نَلْبَسَ أَجْوَدَ مَا نَجِدُ، وَأَنْ نَتَطَيَّبَ بِأَجْوَدِ مَا نَجِدُ…وَأَنْ نُظْهِرَ التَّكْبِيرَ وَعَلَيْنَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ)(المعجم الكبير، والمستدرك)، وكان صلى الله عليه وسلم يلبس للعيدين أجمل ثيابه وكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة، فعن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما): (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ)(السنن الكبرى للبيهقي)، وعن ابن عمر (رضي الله عنهما)، أنه كان يغتسل في العيدين اغتساله من الجنابة. (السنن الكبرى للبيهقي).

2ـ تعجيل الاكل قبل الخروج لصلاة عيد الفطر، على تمرات وترًا، إعلامًا بحرمة صومه، ومسارعة إلى امتثال الأمر فيه، فعن أنس (رضي الله عنه) قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لاَ يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا)(رواه البخاري)، وعن بريدة (رضي الله عنه): (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ، وَلَا يَأْكُلُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ)(رواه أحمد).

3ـ أداء صلاة العيد في الفضاء الواسع (الساحات، مراكز الشباب، الخلاء) أن أمكن، وإلا فتؤدى في المساجد إن تعذر أداؤها في ذلك لعدم وجود هذه الأماكن أو لعذر المطر، أو للمنع من ذلك حذرًا من انتشار الأوبئة والأمراض، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا في مصلى الجنائز (خلاء واسع) بجوار مسجده، وصلاها مرة واحدة بمسجده لعذر المطر.

4ـ إخراج النساء والصبيان وجميع الأهل لحضور صلاة العيد وفرحته وبهجته، فعن أم عطية (رضى الله عنها) قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن نخرجهن في الفطر والأضحى، العواتق (البنت أول سن البلوغ)، والحيض، وذوات الخدور (البنت المستترة في البيت)، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: (لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا)(اللفظ لمسلم)، وسأل رجل ابن عباس (رضي الله عنهما): أشهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: (نَعَمْ، وَلَوْلَا مَنْزِلَتِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ مِنَ الصِّغَرِ…)(رواه البخاري)، وعنه أيضًا: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْرِجُ نِسَاءَهُ وَبَنَاتَهُ فِي الْعِيدَيْنِ)(السنن الكبرى للبيهقي).

5ـ الخروج لصلاة العيد مشيًا إن استطعنا ذلك، فكثرة الثواب بكثرة المشقة في أداء العبادة، فعن ابن عمر (رضي الله عنهما)، (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى يَخْرُجُ مَاشِيًا، وَتُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحَرْبَةُ ثُمَّ تُنْصَبُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ, يَتَّخِذُهَا سُتْرَةً…)(السنن الكبرى للبيهقي).

6ـ الخروجُ للصلاة من طريق والرجوع من طريق أخر، لنهنئ أكبر قدر من إخواننا بالعيد، وليشهد لنا الطريقان وما فيهما بالخروج لأداء سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكي نعمرهما بالذكر والتكبير، فعن ابن عمر (رضي الله عنهما): (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْرُجُ فِي الْعِيدَيْنِ مَعَ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَالْعَبَّاسِ، وَعَلِيٍّ، وَجَعْفَرٍ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَزِيدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأَيْمَنَ ابْنِ أُمِّ أَيْمَنَ، رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، فَيَأْخُذُ طَرِيقَ الْحَدَّادِينَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى، فَإِذَا فَرَغَ رَجَعَ عَلَى الْحَذَّائِينَ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْزِلَهُ)(صحيح ابن خزيمة)، وعن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما):  (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ إِلَى الْعِيدِ رَجَعَ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ)(السنن الكبرى).

7ـ تهنئة من لقيناه من إخواننا المسلمين بالعيد، فعن خالد بن معدان ت: (103ه) قال: لقيت واثلة بن الأسقع في يوم عيد , فقلت: تقبل الله منا ومنك , فقال: (نَعَمْ، تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ، لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عِيدٍ فَقُلْتُ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ). فقال: (نَعَمْ, تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ)(السنن الكبرى للبيهقي).

8ـ الترويح عن النفس، ترويحًا بريئًا لا يخالف الكتاب والسنة، كملاعبة وملاطفة الأهل فقد سمح النبي صلى الله عليه وسلم للأحباش أن يلعبوا بالدرق والحراب في مسجده، ووقف للسيدة عائشة (رضي الله عنها) لتشاهد ذلك، وسمح للجاريتين بالغناء الخالي من الفواحش والتشبيب بالنساء، قال صلى الله عليه وسلم: (…كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ المُسْلِمُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ)(رواه الترمذي).

فاللهمّ إنّا نسألك رضاك والْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ سخطك ومن النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء، وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.

كتبها  الشيخ الدكتور/ مسعد أحمد سعد الشايب