مقدمات الحرب

المقال السابع من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).

فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن

الباحث فى الشئون الاسلامية

 

ضرب حمزة للأسود بن عبد الأسد :

وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وكان رجلاً شرسًا سيء الخلق، فقال: أعاهد اللهّٰ لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دمًا نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن تبر يمينه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.

ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار وهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث- وأمهما عفراء- ورجل آخر يقال له: عبد اللهّٰ بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة.  فاستحيا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لأنه كان أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم شاهد معهم، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون الشوكة لبني عمه، فناداهم النبي صلى الله عليه وسلم «أن ارجعوا إلى مصافكم، وليقم إليهم بنو عمهم».              

ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنَا من قومنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي»، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة، وكان أسن القوم عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه ، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه، وقد قطعت رجله، ومات بعد نحو أربعة أيام والمسلمون في طريقهم راجعين إلى المدينة.                                                                                           

ثم تزاحف الجيشان، ودنا بعضهم من بعض وقاد الرسول المعركة بنفسه، وأمر رسول الله ﷺ أصحابه أن لا يحملوا على عدوهم حتى يأمرهم، وأن يصدوا هجمات المشركين وهم مرابطون في مواقفهم، وأن ينضحوهم بالنبل إن أحاطوا بهم. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل) أي: إن أحاطوا بكم، فارموهم بالنبال. وكان شعار المسلمين يوم بدر: أحَد، أحَد. ورُمِي “مهجع” مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل، فكان أول قتيل من المسلمين في بدر.  ورمي “حارثة بن سراقة” أحد بني عدي بن النجار -وهو يشرب من الحوض- بسهم فأصاب نحره، فقتله.

والتَحَم الجيْشان، واشتد القتال، وحمِي الوطِيس، واندفعوا ببسالة منقطعة النظير.                                                                                                         

وقال أبو جهل يدعو الله: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف فأحِنه الغداة “أي: فأهلكه الغداة”. فاستجاب الله دعاءه فكان مع قتلى المشركين، وأنزل الله بشأنه وبشأن أمثاله قوله: “إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ” الأنفال: 19.

وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل قريشًا بها، ثم قال: (شاهت الوجوه)، ثم نفحهم بها، واصابتهم الحصباء بتقدير الله، وقال الرسول لأصحابه: (شدوا)، واستحر القتل في المشركين، وأنزل الله في ذلك قوله في سورة الأنفال: “فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” الأنفال: 17 ،                            أي: وما أصبت من رمية إذ رميت، ولكن الله هو الذي أصاب.

وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فحرضهم على قتال عدوهم بصدق وصبر وشجاعة، فقال لهم: (والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض). فقال عمير بن الحمام، أخو بني سلمة – وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ وروي أن الرسول قال له: (ما يحملك على قول: بخ بخ؟) قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال له: (فإنك من أهلها) ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، وقاتل القوم حتى قتل.

وهذا عوف بن الحارث رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا رسول الله! ما يضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه يده في العدو حاسراً) يعني: من غير درع، وهذا فيه دلالة على قوة البأس وعدم الخوف من الموت، ومعلوم أن هذا التصرف يلقي الرهبة في قلوب العدو، هنا ألقى عوف درعه وقاتل حاسراً حتى استشهد رضي الله عنه ودخل الجنة.

إن موضوع الجنة لم يكن غائباً أبداً عن أذهان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لذلك انتصروا. إن الجيش الإسلامي قبل أن يأتي إلى بدر كان يبحث عن الجنة، وفي أرض بدر كذلك كان يبحث عن الجنة، وبعد بدر كذلك يسأل عن الجنة.

فقبل الخروج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه خيثمة رضي الله عنهما الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر، لكن كان تحت رعايتهما بنات كثيرات، فلابد أن يخرج واحد منهما، ويقعد الآخر لرعاية البنات، لكن الاثنين يريدان أن يخرجا للقتال، يطلب الاثنان الجنة بصدق، فلم يتنازل أحد منهما، فقررا أن يعملا قرعة، فخرج سهم سعد بن خيثمة، فتحسر أبوه حسرة حقيقية، فقال لابنه في توسل: يا بني! آثرني اليوم -أي: اتركني أخرج- فضلني على نفسك، لكن سعداً رضي الله عنه وأرضاه رد بجواب يفسر سبباً من أسباب الجيش المنصور، قال في أدب: يا أبي! لو كان غير الجنة لفعلت، لا أستطيع. وخرج سعد بن خيثمة بهذه الروح الصادقة وقاتل رضي الله عنه حتى استشهد، ودخل الجنة التي يريد. واللطيف في الأمر أن أباه خيثمة خرج في أحد بعد بدر بسنة، واستشهد أيضاً!

وهذه أم حارثة بن سراقة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن ابنها حارثة بن سراقة استشهد في بدر وهو شاب صغير، مات مقتولاً، وفي مثل هذا الموقف تطيش عقول وتضطرب أفئدة ويتزلزل رجال ونساء، لكن أم حارثة أتت تسأل عن شيء محدد، قالت: (يا رسول الله! قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع؟ فقال لها الرسول عليه الصلاة والسلام: يا أم حارثة! إنها جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)، الله أكبر! حارثة بن سراقة رضي الله عنه وأرضاه في الفردوس الأعلى؛ لأنه مات شهيداً في سبيل الله، والشهيد كما ذكر صلى الله عليه وسلم من يموت مقبلاً غير مدبر محتسباً صابراً، هذه صفات الشهداء الذين في الجنة، وهذه كلها كانت موجودة في حارثة، لذلك بلغ الفردوس الأعلى، واستراحت أم حارثة وتقبلت أمر موت ابنها الشاب بسهولة شديدة، وصبر واحتساب، بل وبسعادة رضي الله عنها؛ لأنه من يحب أحداً يحب له الخير أيضاً، وليس هناك خير أفضل من الجنة.