خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ: ((آيَاتُ اللهِ فِي بَدْرٍ)) للدكتور : مُحَمَّدٌ حِرْزٌ

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ: ((آيَاتُ اللهِ فِي بَدْرٍ))
د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ ( إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ)

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
ayat allah fe badr

بِتَارِيخِ: 16 رمضان١٤٤٧هـ – 6 مارس 2026م

الحمدُ للهِ القويِّ العزيزِ، الفعّالِ لِمَا يريدُ، الحمدُ للهِ مُتمِّ نورِهِ ولو كرِهَ الكافرونَ، ومُظهرِ دينِهِ ولو كرِهَ المشركونَ، الحمدُ للهِ القائلِ في محكَمِ التنزيلِ: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: ١٢٣] ،وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وليُّ الصالحينَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وصفيُّهُ مِن خَلْقِهِ وخليلُهُ ؛ القائلُ كما في صحيح البخاري: “جَاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: ما تَعُدُّونَ أهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قالَ: مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ -أوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- قالَ: وكَذلكَ مَن شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلَائِكَةِ))، لأن اللهَ اطَّلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم ) فاللهُمَّ صلِّ وسلمْ وزِدْ وبارِكَ على النبيِّ المختارِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الأطهارِ الأخيارِ وسلمْ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ. أمَّا بعدُ …..فأوصيكُم ونفْسِي أيُّها الأخيارُ بتقوى العزيزِ الغفارِ{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (آل عمران :102)

عِبَادَ الله : ((آيَاتُ اللهِ فِي بَدْرٍ)) عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطبَتِنَا .

عَناصِرُ اللِّقَاءِ:

♦️أوَّلًا : فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ يَدُ اللهِ جَلَّ وعَلَا تَعَلَّمُ فِي الْخَفَاءِ!!!

♦️ثَانِيًا: غَزْوَةُ بَدْرٍ دُروسٌ وَعِبَرٌ .

♦️ثَالِثًا وَأَخِيرًا: إِيَّاكَ وَإِذْلالَ الْمُحْتَاجِينَ عِندَ تَقْدِيمِ الْمُسَاعَدَاتِ لَهُمْ!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ آيَاتِ اللهِ فِي بَدْرٍ وَخَاصَّةً وَفِي رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى غَزْوَةُ الْفُرْقَانِ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ بَيْنَ فِئَةٍ مُؤْمِنَةٍ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَآخرى كَافِرَةٍ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ، وَخَاصَّةً وَالْحَرْبُ مُشْتَعِلَةٌ وَالْعَالَمُ مِنْ حَوْلِينَا يَعِيشُ حَالَةً مِنَ الْذُّعْرِ وَالْقَلَقِ والخوفِ، وَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا فِي مِصْرَ بِفَضْلِ اللهِ أَوَّلًا ثُمَّ بِفَضْلِ قِيَادَتِهَا الْحَكِيمَةِ وَجَيْشِهَا الْأَبِيّ أَنْ نَعِيشَ فِي أَمْنٍ وَأَمَانٍ وَسَلَامَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ:

مِصْرُ الكِنَانَةِ مَا هَانَتْ عَلَى أَحَدٍ ****اللَّهُ يَحْرُسُهَا عَطْفًا وَيَرْعَاهَا

نَدْعُوكَ يَا رَبَّ أَنْ تَحْمِيَ مَرَابِعَهَا ******فَالشَّمْسُ عَيْنٌ لَهَا وَاللَّيْلُ نَجْوَاهَا

وَخَاصَّةً إِذَا أَلَمَّتْ بِنَا الْأَزْمَاتُ وَضَاقَتْ بِنَا اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ فَكُنْ عَلَى يَقِينٍ بِالْفَرَجِ الْقَرِيبِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَخَاصَّةً وأَنَّ استِلْهَامَ آيَاتِ بَدْرٍ يَعْنِي أَنْ نَغْرِسَ فِي وِجْدَانِنَا يَقِينًا لَا يَتَزَعْزَعُ: أَنْ الشِّدَّةَ لَا تَعْنِي الْهَزِيمَةَ، وَأَنْ ضِيقَ الْوَاقِعِ لَا يُلْغِي سِعَةَ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَكَمَا أَشْرَقَ فَجْرُ النَّصْرِ فِي بَدْرٍ بَعْدَ لَحَظَاتِ التَّرَقُّبِ وَالخَوْفِ، فَإِنَّ فَجْرَ الْفَرَجِ قَادِرٌ أَنْ يُشْرِقَ فِي حَيَاتِنَا، مَتَى ثَبَتْنَا عَلَى الْحَقِّ، وَأَحْسَنَّا الظَّنَّ بِرَبِّنَا، وَاسْتَمْدَدْنَا مِنْ بَدْرٍ رُوحَ الثَّبَاتِ وَالْيَقِينِ….وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَمَا قَالَ:

وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى******ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ

ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها*****فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ

♦️❖ أوَّلًا : فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ يَدُ اللهِ جَلَّ وعَلَا تَعَلَّمُ فِي الْخَفَاءِ!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: سِيرَةُ النَّبِيِّ العَدْنَانِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَاضِيًا أَبَدًا، أَوْ لِمُجَرَّدِ الْقِصَّةِ أَوِ التَّسْلِيَةِ، أَوْ «كَانَ يَا مَا كَانَ» فِي سَالِفِ الْأَيَّامِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَكَأَنَّنَا لَسْنَا مُطَالَبِينَ بِأَنْ نَعِيشَ هَذِهِ السِّيرَةَ، وَأَنْ نُحَوِّلَهَا فِي حَيَاتِنَا إِلَى مِنْهَجِ حَيَاةٍ، وَإِلَى وَاقِعٍ يَتَحَرَّكُ فِي دُنْيَا النَّاسِ، وَإِلَى شُعْلَةٍ تُوقِدُ شُمُوسَ الْحَيَاةِ، وَدِمَاءٍ تَتَدَفَّقُ فِي عُرُوقِ الْأَجْيَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، فَلَا حَاضِرَ لِأُمَّةٍ تَجْهَلُ مَاضِيَهَا، وَلَا مُسْتَقْبَلَ لِأُمَّةٍ تَنْسَى فَضَائِلَهَا؛ لِذَا حَاوَلَ الْأَعْدَاءُ بِكُلِّ السُّبُلِ أَنْ يُحَوِّلُوا بَيْنَ الْأُمَّةِ وَمَاضِيهَا الْمُشْرِقِ الْمَجِيدِ، حَتَّى لَا تَسْتَمِدَّ الْأُمَّةُ مِنْ هَذَا الْمَاضِي نُورًا يُضِيءُ لَهَا الطَّرِيقَ، لِتَعُودَ الْأُمَّةُ مِنْ جَدِيدٍ إِلَى كَرَامَتِهَا وَعِزَّتِهَا وَمَكَانَتِهَا. ففِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ، كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ شَأْنٌ آخَرُ مَعَ رَمَضَانَ، كَانَ يَوْمًا حَافِلًا وَنَصْرًا مُؤَزَّرًا، نَصَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ، وَأَذَلَّ فِيهِ أَعْدَاءَهُ، وَذَكَرَ اللَّهُ أَحْدَاثَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ فِي كِتَابَةٍ، وَرَوَاهَا الْحُفَّاظُ مِنْ حَيَاةِ رَسُولِهِ، سَمَّاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْفُرْقَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا ‌غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: 41]؛ لِأَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالتَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ، وَالظُّلْمِ وَالْعَدْلِ. كَانَتْ يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، يَوْمَ بَدْرٍ،كَانَتْ بِمَثَابَةِ الْمَحَطَّةِ الْفَارِقَةِ وَالنُّقْطَةِ الْفَاصِلَةِ فِي حَيَاةِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، عِندَمَا الْتَقَتْ الْفِئَةُ الْمُؤْمِنَةُ جُنْدَ الرَّحْمَنِ، مَعَ جُنْدِ الشَّيْطَانِ الْفِئَةِ الْكَافِرَةِ، وَقَدْ تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ مِنْ أَوَّلِ صِدَامٍ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَيَتَنَزَّلُ نَصْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، لِيَكُونَ أَعْظَمَ انْتِصَارَاتِ الْإِسْلَامِ. ففِي غَزْوَةِ بَدْرٍ أَيُّهَا السَّادَةُ تَحَوَّلَتْ فِيهَا الْأُمَّةُ مِنَ الضُّعْفِ إِلَى الْقُوَّةِ، وَمِنَ الذُّلِّ إِلَى الْعِزَّةِ، وَمِنْ رُعَاةٍ لِلْإِبِلِ إِلَى زُعَمَاءِ وَقَادَةٍ لِلْبَشَرِ، وَارْتَفَعَتْ فِيهَا رَايَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَالِيَةً خَفَاقَةً، غَزْوَةٌ غَيَّرَتْ مَجْرَى التَّارِيخِ، غَزْوَةٌ أَرْسَتْ دَعَائِمَ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَمَا مِنْ مَعْرَكَةٍ مِنَ الْمَعَارِكَ، وَلَا مِنْ غَزْوَةٍ مِنَ الْغَزَوَاتِ خَاضَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، إِلَّا وَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَلَمْ تَأْتِ هَذِهِ الانْتِصَارَاتُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَمَسَّكُوا بِشَرْعِ رَبِّهِمُ الْقَوِيمِ، وَبِكِتَابِهِ الْحَكِيمِ، وَبِسُنَّةِ رَسُولِهِ الْكَرِيمِ ﷺ، وَالنَّصْرُ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ مِنَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالنَّصْرِ، فَالنَّصْرُ مِنْ عِندِ اللّهِ تَعَالَى الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، قَالَ رَبُّنَا: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ (آل عمران: 126)، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ( وَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ… وَأَنْتُمْ مَاذَا؟ {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123]. فَالْتَقَى جَيْشُ التَّوْحِيدِ بِقِيَادَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَجِبْرِيلَ وَمَن مَعَهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ الْمُؤَيِّدِينَ، مَعَ جَيْشِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ بِقِيَادَةِ إِبْلِيسَ وَأَبِي جَهْلٍ، التَقَوْا هُنَاكَ حَيْثُ وَقَعَتْ أَحْدَاثُ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَلَقَدْ تَغَيَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَمَامًا بَعْدَ مَوْقِعَةِ بَدْرٍ، فَبَعْدَ بَدْرٍ أَصْبَحَتْ لِلْمُسْلِمِينَ دَوْلَةٌ، أَصْبَحَتْ لَهُمْ شَوْكَةٌ قَوِيَّةٌ وَمَكَانَةٌ رَفِيعَةٌ وَوَضْعٌ مُسْتَقِرٌّ، انْتَقَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ، الْعَالَمُ كُلُّهُ سَمِعَ عَنْ هَذِهِ الدَّوْلَةِ، المُشْرِكُونَ انهَزَمُوا، وَالْيَهُودُ رَعَبُوا، وَالْمُنَافِقُونَ ظَهَرُوا وَسَجَّلَ التَّارِيخُ مَلْحَمَةً مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَاحِمِ وَبَطُولَاتٍ مِنْ أَشْرَفِ الْبَطُولَاتِ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ وَالْأَجْيَالِ وَكَانَتْ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.

فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَانَتْ يَدُ اللّٰهِ جَلَّ وَعَلَا تَعَلَّمُ فِي الْخَفَاءِ وَكَيْفَ لَا؟وَ لَقَدْ ثَبَتَ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ اللهَ – سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَمَّدَ المُسْلِمِيْنَ بِالملَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، قال جل وعلا ((﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال: 12)قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ النَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ قُتِلُوا هُم بِضَرْبٍ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ، وَعَلَى الْبَنَانِ مِثْلَ سِمَةِ النَّارِ قَدْ أَحْرَقَ بِهِ. وَفِي «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ»مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ – عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]، فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ.وعن ابْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: « هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ».

فَمَنِ اللّعٰبَادِ غَيْرُهُ؟ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ؟ وَمَن يُعَدِّلُ الْمَائِلَ؟ مَن يَشْفِي الْمَرِيضَ؟ مَن يَرْعَى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ الْحَوَامِلِ؟ مَن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ؟ وَمَنِ اسْتَعْصَتْ عَلَى قُدْرَتِهِ الْمَسَائِلُ؟ مَن لَنَا إِذَا انْقَضَى الشَّبَابُ وَتَقَطَّعَتْ بِنَا الْأَسْبَابُ وَالْوَسَائِلُ؟

لَبِسْتُ ثَوْبَ الرَّجَا وَالنَّاسُ قَدْ رَقَدُوا *****وَقُمْتُ أَشْكُو إِلَى مَوْلَايَ مَا أَجِدُ

وَقُلْتُ: يَا عُدَّتِي فِي كُلِّ نَائِبَةٍ***** وَمَن عَلَيْهِ لِكَشْفِ الضُّرِّ أَعْتَمِدُ

أَشْكُو إِلَيْكَ أُمُورًا أَنتَ تَعْلَمُهَا***** مَا لِي عَلَى حِمْلِهَا صَبْرٌ وَلَا جَلَدُ

وَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي بِالضُّرِّ مُبْتَهِلًا**** إِلَيْكَ يَا خَيْرَ مَنْ مُدَّتْ إِلَيْهِ يَدُ

فَلَا تَرُدَّنَّهَا يَا رَبِّ! خَائِبَةً**** بَحْرُ جُودِكَ يَرْوِي كُلَّ مَن يَرِدُ

♦️❖ ثَانِيًا: غَزْوَةُ بَدْرٍ دُروسٌ وَعِبَرٌ

 

أَيُّهَا السَّادَةُ: غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى كُلُّهَا عِظَاتٌ وَعِبَرٌ، مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ:

 

أَوَّلًا: أَعْظَمُ العِظَاتِ وَالعِبَرِ وَأَجَلُّهَا، التي نَأْخُذُهَا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى، أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ العُلْيَا، وَكَلِمَةَ الذينَ كَفَرُوا السُّفْلَى، وَأَنَّ هَذَا الإِسْلَامَ هُوَ الرِّسَالَةُ الخَالِدَةُ البَاقِيَةُ مَا بَقِيَ الزَّمَانُ، هَذِهِ الرِّسَالَةُ بَاقِيَةٌ حَتَّى يَرِثَ اللهُ تعالى الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، شَاءَ مَنْ شَاءَ، وَأَبَى مَنْ أَبَى، بَاقِيَةٌ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، بِعِزِّ عَزِيزٍ، وَبِذُلِّ ذَلِيلٍ قالَ الله تعالى: ‌وَلِلَّهِ ‌الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ. قال الله: ‌وَلَا ‌تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) فالعزةُ لا تكونُ إلا للهِ وأولياءِه، والذِّلَّة والـمَهَانة لأعدائِه، ورضيَ اللهُ عنِ الفاروقِ المحدَّثِ الملهَمِ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه، الذي قال: «إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالْإِسْلَام، فَمَهْمَا نَطْلُبِ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللهُ». رواه الحاكم. وعن تَمِيم بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ»؛ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ.

 

وَمِنْ أَعْظَمِ العِظَاتِ وَالعِبَرِ التي نَأْخُذُهَا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى: أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ تعالى وَمَحَبَّةَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فَوْقَ كُلِّ حُبٍّ، فَوْقَ حُبِّ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَالأَبْنَاءِ وَالإِخْوَةِ، وَفَوْقَ حُبِّ الزَّوْجَاتِ وَالعَشِيرَةِ وَالأَهْلِ، وَفَوْقَ حُبِّ المَالِ بِكُلِّ صُوَرِهِ، لَا يُقَدِّمُونَ أَحَدًا عَلَى أَمْرِ اللهِ تعالى وَأَمْرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. مَا أَجْمَلَ قَوْلَ الْمِقْدَادِ بْنُ عَمْرٍو عندما قَالَ: امْضِ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنحْن مَعَك، فَوَالَّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ؛ لَعَلَّ اللهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ. وَفِي «الصَّحِيْحَيْنِ» مِنْ حَدِيْثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ، حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ، قَالَ: قُلْتُ نَعَمْ، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا بْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ: مِثْلَهَا، قَالَ: فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَرَيَانِ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ. قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُ، فَقَالَ: هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَالرَّجُلَانِ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ ». فَحُبُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ، وَالْحُبُّ بِالِاتِّبَاعِ وَلَيْسَ بِالْكَلَامِ يَا سَادَةُ، فَلَا تُخَالِفْ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَتَدَّعِي أَنَّكَ مِنْ أَحْبَابِهِ، هَذَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، لِمَاذَا؟

مَنْ يَدَّعِي حُبَّ النَّبِيِّ ** وَلَمْ يَفِدْ مِنْ هَدْيِهِ فَسَفَاهَةٌ وَهَرَاءٌ

فَالْحُبُّ أَوَّلُ شَرْطِهِ وَفُرُوضِهِ ** إِنْ كَانَ صَادِقًا طَاعَةٌ وَوَفَاءٌ

 

وَمِنْ أَعْظَمِ العِظَاتِ وَالعِبَرِ التي نَأْخُذُهَا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى :التَّضْحِيَةُ وَالْفِدَاءُ لِدِينِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَنُصْرَةً لِحَبِيبِهِ الْمُصْطَفَى الْعَدْنَانِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَمُنْذُ أَنْ أَعْلَنَ الْقَائِدُ الْأَعْلَى لِلْقُوَّاتِ الْمُسْلِمَةِ: حَيَّ عَلَى الْجِهَادِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، إِلَّا وَضَحَّى الصَّحَابَةُ الْأَخْيَارُ بِأَرْوَاحِهِمْ وَدِمَائِهِمْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَهَذَا الْبَطَلُ – عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ – يَقِفُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ فِي بَدْرٍ، لِيَرْفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا النِّدَاءَ الْكَبِيرَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ». اللَّهُ أَكْبَرُ! فَسَمِعَ الْبَطَلُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ، هَذَا الشَّابُّ الْعِمْلَاقُ، سَمِعَ هَذَا النِّدَاءَ النَّبَوِيَّ مِنَ الْقَائِدِ الْأَعْلَى، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ». فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ عُمَيْرٌ: بَخٍ بَخٍ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «يَا عُمَيْرُ، مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟». قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. فَقَالَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ مِنْ أَهْلِهَا». قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ – أَيْ جُعْبَتِهِ – فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ! فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ فِي الْمَعْرَكَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)

 

وَمِنْ أَعْظَمِ العِظَاتِ وَالعِبَرِ التي نَأْخُذُهَا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى الصَّبْرُ مِفْتَاحُ الْفَرَجِ، وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ عَاقِبَةَ الصَّبْرِ خَيْرٌ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: 127]، صَبَرَ حَبِيبُ الرَّحْمَنِ وَرَسُولُ اللَّهِ، فَأَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَنَصَرَ اللَّهُ حِزْبَهُ: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 125]، فَإِنْ وَجَدْتَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَدْ صُبَّتْ عَلَيْهِ الْمِحَنُ وَالْبَلَايَا مِنَ اللَّهِ، وَنَصَبَ وَجْهَهُ صَابِرًا لِلَّهِ، فَبَشِّرْهُ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ وَالْمَآلِ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَهَذِهِ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، اسْتُشْهِدَ ابْنُهَا حَارِثَةُ فِي بَدْرٍ، شَابٌّ صَغِيرٌ مَاتَ مَقْتُولًا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ، تَطِيشُ عُقُولٌ، وَتَضْطَرِبُ أَفْئِدَةٌ، وَيَتَزَلْزَلُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ. لَكِنَّ أُمَّ حَارِثَةَ جَاءَتْ تَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى تَرَ مَا أَصْنَعُ. أَهَمُّ أَمْرٍ بَعْدَ الْمَوْتِ: جَنَّةٌ أَمْ نَارٌ؟ هَذَا هُوَ الْمَفْرُوضُ أَنْ يَشْغَلَنَا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: «يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى». اللَّهُ أَكْبَرُ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ مَاتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ. اسْتَرَاحَتْ أُمُّ حَارِثَةَ، وَتَقَبَّلَتْ أَمْرَ مَوْتِ ابْنِهَا الشَّابِّ بِبَسَاطَةٍ وَبِصَبْرٍ وَبِاحْتِسَابٍ، بَلْ بِسَعَادَةٍ؛ لِأَنَّ مَنْ يُحِبُّ أَحَدًا يُحِبُّ لَهُ الْخَيْرَ، وَلَا خَيْرَ أَحْسَنُ مِنَ الْجَنَّةِ.

 

وَمِنْ أَعْظَمِ العِظَاتِ وَالعِبَرِ التي نَأْخُذُهَا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى: وَمِنْهَا: الشُّورَى فِي الْأَمْرِ، فَالشُّورَى أَسَاسٌ تَشْرِيعِيٌّ دَائِمٌ. قَالَ رَبُّنَا فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آلِ عِمْرَانَ: 159). وَالشُّورَى خُلُقٌ نَبِيلٌ، وَصِفَةٌ كَرِيمَةٌ، وَصِفَةٌ أَسَاسِيَّةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيمَةٌ أَسَاسِيَّةٌ فِي حَيَاتِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَاصِفًا بِهَا الْمُؤْمِنِينَ، وَمَادِحًا لَهُمْ بِهَا ضِمْنَ صِفَاتٍ عَدِيدَةٍ، حِينَ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشُّورَى: 38). فَمَبْدَأُ الشُّورَى مَبْدَأٌ عَظِيمٌ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ، وَخُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ حَيَاتِهِ، وَخَاصَّةً فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، لَمَّا اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ. فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَأَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ. فَعَفَا عَنْهُمْ وَقَبِلَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ (الْأَنْفَالِ: 67).

 

وَمِنْ دُرُوسِ غَزْوَةِ بَدْرٍ: الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، فَالْوَفَاءُ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيًّا مَعَ الْأَحْبَابِ وَالْأَصْحَابِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ وَفِيًّا مَعَ الْأَعْدَاءِ. انْظُرْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، عِنْدَمَا أَعْطَى حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ وَمَنْ مَعَهُ لِأَبِي جَهْلٍ الْعَهْدَ وَالْوَفَاءَ عَلَى أَلَّا يُقَاتِلُوا مَعَ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عِنْدَمَا سَأَلَهُمْ: مَاذَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: الْمَدِينَةَ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو جَهْلٍ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تُحَارِبُوا مَعَ مُحَمَّدٍ؟ قَالُوا: لَا. فَتَرَكَهُمْ عَلَى هَذَا. فَمَاذَا قَالَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمْ؟ قَالَ الْمُخْتَارُ: «نَفِي لِلْمُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَيْهِمْ… اللَّهُ أَكْبَرُ». فَلَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدَ الْأَوْفِيَاءِ، وَلِمَ لَا؟ وَهُوَ الْقَائِلُ كَمَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ). فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى الْوَفَاءِ فِي زَمَنٍ انْعَدَمَ فِيهِ الْوَفَاءُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَوَالِدِهِ، وَبَيْنَ الْجَارِ وَجَارِهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ، وَبَيْنَ التِّلْمِيذِ وَأُسْتَاذِهِ! وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

 

وَمِنْ أَعْظَمِ العِظَاتِ وَالعِبَرِ التي نَأْخُذُهَا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى: الْوَلَاءُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْبَرَاءُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، فَلَوْ كَانَ الْوَلَاءُ لِلْأَرْضِ مَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ، وَلَوْ كَانَ لِلْقَبِيلَةِ مَا قَاتَلَ قُرَيْشًا، وَلَوْ كَانَ لِلْعَائِلَةِ مَا تَبَرَّأَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ، وَلَكِنَّهَا الْعَقِيدَةُ أَغْلَى مِنَ التُّرَابِ وَالدَّمِ! وَأَغْلَى مِنْ كُلِّ مَا نَمْلِكُ، وَأُخُوَّةُ الدِّينِ تُقَدَّمُ عَلَى أُخُوَّةِ النَّسَبِ لِمَنْ كَانَ كَافِرًا، وَصَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى إِذْ يَقُولُ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (الْمُجَادِلَةِ: 22). فَهَذَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَمَا أَسْلَمَ، يَقُولُ لِأَبِيهِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أُعْرِضُ عَنْكَ فِي بَدْرٍ حَتَّى لَا أَقْتُلَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَا إِنِّي لَوْ رَأَيْتُكَ وَقْتَئِذٍ لَقَتَلْتُكَ. وَيُقَابِلُ أَبُو عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبَاهُ فِي الْمَعْرَكَةِ فَيَقْتُلُهُ. وَيَمُرُّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ بَعْدَ نِهَايَةِ الْمَعْرَكَةِ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَأْسِرُ أَخَاهُ أَبَا عَزِيزٍ، فَيَقُولُ مُصْعَبٌ: شُدَّ وِثَاقَهُ فَإِنَّ أُمَّهُ ذَاتُ مَالٍ. فَيَقُولُ أَخُوهُ: أَهَذِهِ وَصَاتُكَ بِي؟! فَيَقُولُ مُصْعَبٌ: هُوَ ـ أَيْ: الْأَنْصَارِيُّ ـ أَخِي دُونَكَ. اللَّهَ اللَّهَ، فَرَابِطَةُ الدِّينِ أَيُّهَا السَّادَةُ، وَعَقِيدَةُ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ الْعَلَاقَاتِ وَالْقَرَابَاتِ وَالْأَنْسَابِ.

 

وَمِنْ أَعْظَمِ العِظَاتِ وَالعِبَرِ التي نَأْخُذُهَا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى: وَمِنْ أَهَمِّ الدُّرُوسِ الَّتِي نَتَعَلَّمُهَا مِنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ الْمُبَارَكَةِ: الدُّعَاءُ، فَالْدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، وَالدُّعَاءُ شَأْنُهُ عَظِيمٌ وَنَفْعُهُ لِلْمُسْلِمِينَ عَمِيمٌ، وَمَكَانَتُهُ عَالِيَةٌ، فَمَا اسْتَجْلَبَتِ النِّعَمَ إِلَّا بِمِثْلِهِ، وَلَا اسْتَدْفَعَتِ النِّقَمَ إِلَّا بِمِثْلِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا وَأَفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ عَمَّن سِوَاهُ، وَهَذَا رَأْسُ الْأَمْرِ وَأَصْلُ التَّوْحِيدِ. فَمَا أَشَدَّ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَى الدُّعَاءِ، وَكَيْفَ لَا وَالدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، كَمَا قَالَ رَسُولُنَا الْكَرِيمُ ﷺ، فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: 60]. وَكَمَا فِي الْأَنْفَالِ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الْأَنْفَال: 9]. لِذَلِكَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «إِنَّكُمْ لَا تُنصَرُونَ بِعِتَادٍ وَعَدَدٍ، وَلَكِنْ تُنصَرُونَ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَنَا لَا أَحْمِلُ هَمَّ الإِجَابَةِ، وَلَكِنْ أَحْمِلُ هَمَّ الدُّعَاءِ». فَتَضَرَّعُوا يَا مُسْلِمُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يَزِيلَ الْغُمَّةَ عَنِ الْأُمَّةِ وَيَرْفَعَ الْبَلَاءَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البَقَرَة].

 

مِنْ أَعْظَمِ العِظَاتِ وَالعِبَرِ التي نَأْخُذُهَا مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى أَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ العَاقِبَةَ للمُتَّقِينَ، تُعَلِّمُنَا تِلْكَ الغَزْوَةُ المُبَارَكَةُ أَنَّ دَوَامَ الحَالِ مِنَ المُحَالِ، لَقَدْ صَبَرَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَصَابَرَ، وَمَعَهُ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، حَتَّى أَكْرَمَهُمُ اللهُ تعالى بِاليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ. قال ربُّنَا(( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)) ((الشرح: 5- 6) قال ربُّنَا ((سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)) (الطلاق: 7 ) وَانْتِظَارُ الْفَرَجِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ، وَمِنَ الْمُحَالِ دَوَامُ الْحَالِ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، سَيَكُونُ بَعْدَ الْجُوعِ شِبَعٌ، وَبَعْدَ الظَّمَأِ رِيٌّ، وَبَعْدَ الْخَوْفِ أَمْنٌ، وَبَعْدَ الْمِحَنِ مِنَحٌ، وَبَعْدَ السَّهَرِ نَوْمٌ، وَبَعْدَ الْمَرَضِ عَافِيَةٌ. قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [الْمَائِدَة: 52]. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطِّلَاق: 1]. اصْبِرْ لِدَهْرٍ نَالَ مِنْكَ فَهَكَذَا مَضَتِ الدُّهُورُ * فَرَحًا وَحُزْنًا، مَرَّةً لَا الْحُزْنُ دَامَ وَلَا السُّرُورُ. فَكَمْ مِن ضِيقٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَلَمْ يَكْشِفْهُ إِلَّا اللَّهُ؟! وَكَمْ مِن بَأْسٍ نَزَلَ بِهِمْ وَلَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا اللَّهُ؟! وَكَمْ مِن بَلاءٍ أَلَمَّ بِهِمْ وَلَمْ يُفَرِّجْهُ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّمْل: 62].

ولله درُّ القائلِ:

إِذَا ابْتُلِيتَ بِمِحْنَةٍ فَاصْبِرْ لَهَا **** صَبْرَ الْكَرِيمِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَسْلَمُ

وَإِذَا ابْتُلِيتَ بِكُرْبَةٍ فَالْبَسْ لَهَا **** ثَوْبَ السُّكُوتِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَسْلَمُ

لَا تَشْكُنَّ إِلَى الْعِبَادِ فَإِنَّمَا **** تَشْكُو الرَّحِيمَ إِلَى الَّذِي لَا يَرْحَمُ

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمُ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ …………………. وَبَعْدُ

♦️❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: إِيَّاكَ وَإِذْلالَ الْمُحْتَاجِينَ عِندَ تَقْدِيمِ الْمُسَاعَدَاتِ لَهُمْ!!!

 

أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ حَدَّدَتْ وِزَارَةُ الأَوْقَافِ فِي ظِلِّ مُبَادَرَةِ صَحِّحْ مَفَاهِيمَكَ قَضِيَّةً مُهِمَّةً لِلْغَايَةِ أَلَّا وَهِو((التَّحْذِيرُ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُسَاعَدَاتِ لِلْمُحْتَاجِينَ بِشَكْلٍ غَيْرِ لَائِقٍ))وَتَقْدِيمُ الْمُسَاعَدَةِ مِنْ سِمَاتِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، خَاصَّةً فِي الْأَزْمَاتِ وَالنَّكَبَاتِ، وَخَاصَّةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات:10، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [الْمَائِدَة: 2]، وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ»، فَشَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَابُطَ الْمُسْلِمِينَ بِالْبُنْيَانِ الْقَوِيِّ الشَّامِخِ الَّذِي لَا تَهُزُّهُ الزَّلازِلُ وَالْعَوَاصِفُ. فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». لَكِنَّ مَا نَرَاهُ وَنُشَاهِدُهُ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ وَفِي الْوَاقِعِ مِنْ تَصْوِيرِ الْمُحْتَاجِينَ وَنَشْرِ صُوَرِهِمْ عِنْدَ تَقْدِيمِ الْمُسَاعَدَةِ لَهُمْ لَا يَرْضَى اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا، خِزْيٌ مَا بَعْدَهُ خِزْيٌ وَعَارٌ مَا بَعْدَهُ عَارٌ، وَكَسْرٌ لِقُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ، يَتَنَافَى مَعَ تَعَالِيمِ الدِّينِ الْحَنِيفِ، وَدَلِيلٌ عَلَى نَزْعِ الرَّحْمَةِ مِنْ قُلُوبِهِمْ. عَن سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» [الأدب المفرد لِلْبُخَارِيِّ]. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْإِنْفَاقِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الْبِرِّ، اللَّهَ اللَّهَ فِي إِخْرَاجِ الزَّكَاوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ بِشَكْلٍ لَائِقٍ، اللَّهَ اللَّهَ فِي التَّكَافُلِ وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّعَاوُنِ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 92]. وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ إِذْلَالِ النَّاسِ وَإِحْرَاجِهِمْ وَنَشْرِ صُوَرِهِمْ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ.

 

أَحْزَانُ قَلْبِي لَا تَزُولُ – حَتَّى أُبَشَّرَ بِالْقُبُولِ

وَأَرَى كِتَابِي بِالْيَمِينِ – وَتَقَرُّعُنِي بِالرَّسُولِ

 

حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.

 

كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ
د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ