مفهوم حرب الوجود في الفكر الصهيوتوراتي .. قراءة تحليلية

بقلم الأستاذ : وليد عبد الله الشاعر 

مقدّمة: الصراع بوصفه نتاجًا أيديولوجيًا قبل أن يكون نزاعًا جيوسياسيًا ….

ليس الصراع بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرّد تنازعٍ على نفوذٍ أو موارد أو مناطق تأثير، بل هو – في عمقه الأبعد – صراع رؤى كونية متقابلة، لكلٍّ منها تصوّرها عن الإنسان، والسلطة، والتاريخ، والمستقبل.

فمن الجانب الصهيوني، تقوم الرؤية الأيديولوجية على مزيجٍ من:
الصهيونية السياسية التي أسّسها ثيودور هرتزل باعتبارها مشروعًا لإنشاء دولة يهودية «آمنة»،
والصهيونية الدينية التوراتية التي تُضفي على هذا المشروع بُعدًا غيبيًا، يرى في السيطرة والتمكين تحقيقًا للوعد الإلهي، وفي الخصم تهديدًا وجوديًا لمخطط الخلاص.

ومن الجانب الأمريكي، تتلاقى هذه الرؤية مع:
النزعة الإمبراطورية الحديثة التي ترى العالم مجالًا لإدارة القوة،
ومع التيارات الإنجيلية المعروفة بـ«المسيحية الصهيونية» التي تفسّر قيام إسرائيل وصراعاتها ضمن سردية نبوئية عن نهاية التاريخ.

في مقابل ذلك، تقوم الرؤية الإيرانية – في بعدها الأيديولوجي – على مفهوم:
الاستقلال الحضاري والسيادي،
ورفض الهيمنة الخارجية،
وربط السياسة بالهوية الدينية والثقافية، بما يجعل الصراع معها لا يُقرأ بوصفه خلافًا دبلوماسيًا، بل تحدّيًا لنموذج الهيمنة نفسه.

ومن هنا، فإن توصيف هذا النزاع على أنه «حرب وجود» ليس توصيفًا عسكريًا محضًا، بل هو انعكاس لمنطقٍ أيديولوجيٍّ يرى أن:
العالم لا يتسع لمشروعين متعارضين في فهم السلطة والحق والرسالة التاريخية.

وبذلك يتحول الصراع من خلافٍ على المصالح إلى صراعٍ على المعنى:
معنى الأمن،
معنى الشرعية،
معنى الحق في البقاء،
بل ومعنى «من يملك تفسير التاريخ».

وعليه، فإن أي قراءةٍ علميةٍ للعدوان الصهيو-أمريكي على إيران لا تكتمل دون تفكيك هذا البعد الأيديولوجي الذي يُنتج السياسات، ويبرّر الحروب، ويحوّل الخصومة إلى معركة مصير لا تُدار بلغة التفاوض، بل بلغة الإقصاء والاحتواء والكسر.


أولًا: في توصيف الظاهرة لا في إطلاق الشعار :
حين يُقال «عدوان صهيو-أمريكي على إيران» لا يُراد به توصيفُ واقعةٍ عسكريةٍ محدودةٍ فحسب، بل توصيفُ نمطٍ ممتدٍّ من الصراع :

حصارٌ اقتصادي، اغتيالاتٌ علمية، ضرباتٌ استخباراتية، شيطنةٌ إعلامية، واستثمارٌ دبلوماسيٌّ في صناعة العزلة. هذا النمط لا يُفهَم إلا في إطار «حرب الوجود» كما تتصوّرها المدرسة الصهيونية ذات الجذر التوراتي، حيث يُعاد تعريف الخصم لا بوصفه منافسًا سياسيًا، بل «نقيضًا وجوديًا» يجب تحييده أو كسره.


ثانيًا: الجذر الفكري لـ«حرب الوجود» في الصهيونية :

1) من السياسة إلى الميتافيزيقا
الصهيونية السياسية – منذ تنظير ثيودور هرتزل – سعت إلى «دولة آمنة»، لكن الصهيونية الدينية-التوراتية نقلت الصراع من مستوى المصالح إلى مستوى القدر: «نحن/هم» بوصفها ثنائية خلاص/هلاك.
هذا التحويل يجعل الحرب لا تنتهي باتفاق؛ لأنها حرب معنى قبل أن تكون حرب حدود.

2) الدولة الوظيفية والخصم الوجودي
في تصور دافيد بن غوريون: «الأمن» هو معيار السياسة، ومع الزمن صار «الأمن» يعني إزالة مصادر التهديد البنيوي لا ردّ الاعتداء فقط.
ومع صعود اليمين الديني والقومي، تعزّز خطاب «التهديد الوجودي» ضد أي قوة إقليمية تملك مشروعًا مستقلًا، وعلى رأسها إيران.

3) الخطاب المعاصر
يُعيد بنيامين نتنياهو إنتاج هذا المعنى في خطاباته حول «إيران النووية» بوصفها خطرًا على «وجود الدولة»، لا مجرد منافسٍ استراتيجي.

ثالثًا: البعد الأمريكي… من التحالف إلى التماهي :

الولايات المتحدة ليست مجرد حليف؛ بل رافعة استراتيجية لإسرائيل في ثلاثة مستويات:

عسكريًا: تمويلٌ، سلاحٌ متقدّم، غطاءٌ استخباراتي.

سياسيًا: استخدام الفيتو وحشد القرارات داخل الأمم المتحدة.

ثقافيًا-دينيًا: تيارات «المسيحية الصهيونية» التي ترى في قيام إسرائيل تحققًا لنبوءات الخلاص، فتُضفي على الصراع بعدًا لاهوتيًا داخل السياسة الأمريكية.

وهنا يتحول الصراع من حسابات ردع إلى سردية خلاص: إسرائيل «خط الدفاع الأول عن الغرب»، وإيران «مركز الشر».


رابعًا: الأدلة التاريخية على نمط «حرب الوجود» :
الضربات الاستباقية: من قصف المفاعلات في العراق (1981) وسوريا (2007) إلى التهديد المستمر لإيران؛ وهو منطق «تدمير القدرة قبل أن تولد».

الاغتيالات العلمية: استهداف علماء نوويين إيرانيين (2010–2020)؛ سياسة تُسقط فكرة «الردع المتبادل» لصالح «الشلل البنيوي».

العقوبات الاقتصادية القصوى: سياسة «الخنق البطيء» لإحداث تغيير سلوكي أو تفكك داخلي.

الحرب الرمزية: شيطنة إيران بوصفها «تهديدًا كونيًا» لا دولة ذات مصالح.

هذه الأدلة تُظهر أن الهدف ليس منع سلاحٍ بعينه، بل منع صعود نموذج سيادي مستقل في الإقليم.

خامسًا: البعد الاجتماعي والنفسي للصراع :

في الفكر الصهيو-توراتي:
الآخر ليس «خصمًا» بل «عدوًا وجوديًا».
الخوف يُستثمر سياسيًا: كل أزمة تُقدَّم للجمهور بوصفها «معركة بقاء».

تتكوّن هوية جمعية تقوم على القلق الدائم؛ والقلق يحتاج عدوًا دائمًا.

في المقابل، المجتمع الإيراني يتعامل مع الصراع بوصفه:
استمرارًا لتاريخ من التدخلات (1953 انقلاب مصدّق نموذجًا).
دفاعًا عن الاستقلال السياسي والثقافي في وجه الهيمنة.

سادسًا: البعد الاقتصادي :

الطاقة: إيران لاعب محوري في سوق النفط والغاز؛ تحجيمها يضمن استقرارًا سعريًا يخدم حلفاء واشنطن.

الصناعات العسكرية: كل تصعيد يفتح أسواقًا للسلاح ويبرر ميزانيات ضخمة.

الممرات التجارية: السيطرة على الخليج تعني التحكم في شريان عالمي.

إذًا «العدوان» ليس أيديولوجيًا خالصًا؛ بل أيديولوجيا موظَّفة لخدمة اقتصاد القوة.

سابعًا: البعد الشرعي (الإسلامي) :
من منظور الشرع: ..

العدوان محرّم بنص: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
الدفاع المشروع حقٌّ ثابت: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.
تحريم قتل المدنيين وتدمير العمران بغير حق.
وعليه: توصيف الحرب بوصفها «وجودية» لا يبرر شرعًا:
الاغتيال خارج ساحة القتال،
العقوبات التي تُهلك الشعوب،
استهداف البنية المدنية.
فالشرع يفرّق بين ردّ العدوان وإدامة العدوان باسم الأمن.

ثامنًا: الخلاصة التركيبية :

العدوان الصهيو-أمريكي على إيران ليس حادثة، بل نتاج منظومة فكرية ترى العالم بمنطق:
«إمّا نحن أو هم».

هذا المنطق:
تاريخيًا: امتداد للصهيونية الدينية.
سياسيًا: مدعوم أمريكيًا.
اقتصاديًا: مربح لشركات السلاح والطاقة.
نفسيًا: قائم على صناعة الخوف.
شرعيًا: مرفوض لأنه عدوان لا دفاع.
إنه صراع وجود في الخطاب، لكنه في الواقع صراع نفوذ و هيمنة.

خاتمة :

إن أخطر ما في «حرب الوجود» أنها تُغلق باب السياسة، وتفتح باب الإبادة الرمزية والعملية معًا. فحين يُجعل الخصم «عدمًا»، يُسوَّغ محوه، وحين تُلبَس السياسة لبوس النبوءة، يُقتل العقل باسم القدر.

و لذلك:
فهمُ الجذر التوراتي-الصهيوني لهذا الصراع ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة معرفية لفهم لماذا تُدار الحرب ضد إيران  ومن قبلها غيرها – بوصفها حربًا على الفكرة قبل أن تكون حربًا على الدولة.