بقلم / ا.د السيد احمد احمد سحلول
استاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الازهر الشريف
الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والاكثار منها مثل الباقيات الصالحات وهي سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخيرى الدنيا والآخرة
ويطلق ذكر الله أيضًا ويراد به المواظبة على العمل بما اوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة .
ذكر اللسان ، وذكر القلب :
الذكر يقع تارة باللسان ويؤجر عليه الناطق ولا يشترط استحضاره لمعناه ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر ،وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالًا فإن وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالا فإن صحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال.
وقال الفخر الرازي: المراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد .
والذكر بالقلب التفكر في أدلة الذات والصفات وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتى يطلع على احكامها وفي أسرار مخلوقات الله
والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة في الطاعات ومن ثم سمى الله الصلاة ذكرا فقال:( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)(الجمعة:11).
ونقل عن بعض العارفين قال: الذكر على سبعة أنحاء: فذكر العينين بالبكاء ،وذكر الأذنين بالإصغاء ،وذكر اللسان بالثناء ،وذكر اليدين بالعطاء ،وذكر البدن بالوفاء ،وذكر القلب بالخوف والرجاء ،وذكر الروح بالتسليم والرضاء.
وذكر ابن جرير الطبري وغيره اختلاف السلف في ذكر القلب واللسان أيهما أفضل
قال القاضي عياض : والخلاف عندي إنما يتصور في مجرد ذكر القلب تسبيحا وتهليلا وشبههما وعليه يدل كلامهم لا أنهم مختلفون فى الذكر الخفى
والا فذلك لا يقاربه ذكر اللسان فكيف يفاضله وإنما الخلاف في ذكر القلب بالتسبيح المجرد ونحوه
والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب فإن كان لاهيا فلا واحتج من رجح ذكر القلب بأن عمل السر أفضل ومن رجح ذكر اللسان قال لأن العمل فيه أكثر فإن زاد باستعمال اللسان اقتضى زيادة أجر
قال القاضي : واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب
فقيل: تكتبه ويجعل الله تعالى لهم علامة يعرفونه بها
وقيل: لا يكتبونه؛ لأنه لا يطلع عليه غير الله .
قلت :الصحيح أنهم يكتبونه وأن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده
أفضل الذكر: (لا إله إلا الله)
عن طَلْحَةَ بنَ خِرَاشٍ قالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله ـ رضي الله عنهما ــ يَقُولُ : سَمِعْتُ رسُولَ الله rيقُولُ: “أَفْضَلُ الذّكْرِ لا إلهَ إلاّ الله ، وَأَفْضَلُ الدّعَاءِ الحمْدُ لله”
وكانت ” لا إله إلا الله ” أفضل الذكر ؛ لأنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء وهي الفارقة بين الكفر والإيمان، ولأنها أجمع للقلب مع الله وأنفى للغير وأشد تزكية للنفس وتصفية للباطن وتنقية للخاطر من خبث النفس وأطرد للشيطان .
وأفضل الدعاء “الحمد لله” ؛لأن الدعاء عبارة عن ذكر الله وأن تطلب منه الحاجة والحمد يشملهما، فإن من حمد الله يحمده على نعمته والحمد على النعمة طلب المزيد وهو رأس الشكر، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} ويمكن أن يكون قوله الحمد لله من باب التلميح والإشارة إلى قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وأي دعاء أفضل وأكمل وأجمع من ذلك]
فضل ذكر الله عز وجل :
ذكر الله عز وجل من أسمى العبادات وأجلها ، ويكون بالقلب واللسان ،وله فضائل عديدة ،منها ما يأتي :
1_سبب في فرضية كثير من العبادات
فكثير من العبادات شرعت لأجل الذكر ، كالصلاة .قال تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)(طه:14) أي: أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي ؛لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، وهو عبودية القلب، وبه سعادته، فالقلب المعطل عن ذكر الله، معطل عن كل خير، وقد خرب كل الخراب، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ذكره، وخصوصا الصلاة.
قال الله تعالى: { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ }(العنكبوت :45) أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من
نهيها عن الفحشاء والمنكر، وهذا النوع يقال له توحيد الألوهية، وتوحيد العبادة، فالألوهية وصفه تعالى، والعبودية وصف عبده([1]).
2_ لا يُترك أبدًا:
فالله عز وجل لم يُرَخّص في تركه في أي حال من الأحوال ،حتى عند لقاء العدو والمعركة على أشدها. قال قتادة : قوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (الأنفال:45) ،افترضَ الله ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضِّراب بالسيوف([2]).
3_ أفضل الأعمال عند الله :
فذكر الله عز وجل من خير الأعمال وأنقها و عنده سبحانه وتعالى ، ويزيد في رفعة
درجات العبد ، وخير له من البذل والعطاء والصدقات ، بل وخير من الجهاد .
فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ tقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ r:”أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ،وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ،وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ،وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ،وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ،وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ” قَالُوا: بَلَى ،قَالَ:” ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى” قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ t:مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ .
فمجرد الذكر أفضل من أبلغ ما يقع للمجاهد ،وأفضل من الإنفاق مع ما في الجهاد والنفقة من النفع المتعدي
لعبادات من الإنفاق ومقاتلة العدو وسائل ووسائط يتقرب بها إلى الله تعالى والذكر هو المقصود الأسنى ،ورأس الذكر قول:” لا إله إلا الله” وهي الكلمة العليا وهي القطب الذي يدور عليه رحى الإسلام والقاعدة التي بني عليها أركان الدين والشعبة التي هي أعلى شعب الإيمان بل هي الكل وليس غيره { قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ }(الأنبياء :108) أي الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدانية لأن القصد الأعظم من الوحي التوحيد { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ }(البينة:5)
ولأمر ما تجد العارفين يؤثرونها على جميع الأذكار لما فيها من الخواص التي لا طريق إلى معرفتها إلا الوجدان والذوق.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف
