كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ
26 يناير، 2026
بستان النبوة

بقلم : أ . د : السيد أحمد أحمد سحلول
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في كلية أصول الدين والدعوة في المنصورة
وعضو لجنة المحكمين لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين
من جوامع كلمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : “كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ”
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِىِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَالَ: « كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ »(رواه البخاري).
قال ابن بطال: دل هذا الحديث على أن كل شيء يفعله المرء أو يقوله من الخير يكتب له به صدقة
قال الراغب : المعروف اسم كل فعل يعرف حسنه بالشرع والعقل معًا ، ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهي عن السرف.
وقال ابن أبي جمرة : يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا .
والمراد بالصدقة: الثواب ، فإن قارنته النية أجر صاحبه جزمًا ، وإلا ففيه احتمال .
الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه فلا تختص بأهل اليسار مثلا ، بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة .
قال ابن بطال : وأصل الصدقة ما يخرجه المرء من ماله متطوعا به ، وقد يطلق على الواجب لتحري صاحبه الصدق بفعله ، ويقال لكل ما يحابي به المرء من حقه: صدقة؛ لأنه تصدق بذلك على نفسه(فتح الباري 17 / 165) .
الصدقة لا تقتصر على المال فقط بل تتعداه إلى غيره كنصرة المظلوم ، وإعانة العاجز والمستغيث ،والأمر بالمعروف ،وترك الشر
فعن أبي موسى الأشعري ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ عَنِ النَّبِىِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَالَ: « عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ ». قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: « يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ ». قَالَ: قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: « يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ »قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ؟ قَالَ :« يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ الْخَيْرِ ». قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: « يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ »(متفق عليه).
ومن ألوان الصدقة : التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والنهي عن المنكر وجماع الرجل لزوجته.
فعَنْ أَبِى ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَالُوا لِلنَّبِىِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ :يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: « أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْىٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِى أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ: « أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِى حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِى الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ »(رواه مسلم).
ومن ألوان الصدقة : الابتسامة في وجه المسلم ،وإرشاد المسلم إلى الطريق الصحيح ،وإعانة الأعمى ،وإماطة الأذى عن الطريق ،وصب الماء في آنية المسلم
فعن أبي ذر الغفاري ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ قال : قال رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : «تَبَسّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْروفِ ونهيُكَ عن المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وإِرْشَادُكَ الرّجُلَ في أَرْضِ الضّلاَلِ لَكَ صَدَقَةٌ، وبَصَرُكَ لِلرّجُلِ الرّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ والشّوْكَ والعَظْمَ عن الطّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ في دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ” »(رواه الترمذي بإسناد حسن).
ومن ألوان الصدقة : العدل بين المتخاصمين ،وإعانة الرجل ليركب دابته
،ورفع المتاع على دابة المسلم ، والكلمة الطيبة ،وكل خطوة إلى المسجد للصلاة .
وعن أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ قال :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ :« كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ – قَالَ – تَعْدِلُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِى دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ – قَالَ – وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خَطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ »(متفق عليه). السلامى ــــ بضم السين المهملة وتخفيف اللام ـــــ وهو المفصل ،وجمعه سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء(شرح النووي على مسلم 7 /93)
وعن عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قالت : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَالَ: « إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِى آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلاَثِمَائَةِ مَفْصِلٍ فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلاَثِمِائَةِ السُّلاَمَى فَإِنَّهُ يَمْشِى يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ ». قَالَ أَبُو تَوْبَةَ :وَرُبَّمَا قَالَ « يُمْسِى »(رواه مسلم).